باريس
حصيلة عام أولاند الأول، وتحديات تفاقم الأزمة السورية، والاستقطاب الجديد في ماليزيا، موضوعات ثلاثة استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية.
عام laquo;أولاندraquo;
ضمن مواكبة كثير من كتاب افتتاحيات الصحف الفرنسية لمرور ذكرى عام على وصول الرئيس فرانسوا أولاند إلى سدة الرئاسة في قصر الأليزيه، كال منتقدوه في صحافة اليسار المتطرف، واليمين التقليدي، انتقادات حادة للحصيلة التي تكشفت عنها سنته الرئاسية الأولى، خاصة في المجال الاقتصادي، حيث ما زال الاقتصاد الفرنسي في حالة بالغة الصعوبة، لعوامل سياسية ذاتية، وتأثراً أيضاً بتحديات الأزمة النقدية الأوروبية. في افتتاحية بعنوان quot;عام بعد...quot; بصحيفة لومانيتيه -الشيوعية- قال الكاتب باتريك آبل- مولر، إن مطالبة أولاند لوزرائه خلال الأسبوع الجاري بضرورة تحقيق quot;نتائجquot; ملموسة قد تعطي الانطباع بأنه لا توجد فعلاً نتائج... والنتائج موجودة فعلاً وأقلها التقشف والانحراف الاقتصادي في نسخته الأولاندية بعد النسخة الساركوزية، وها هو يخنق أية فرص محتملة للنمو، ويضاعف معدلات البطالة، ويقلص القدرة الشرائية للمواطن الفرنسي العادي، ويشل الجهات والخدمات العمومية! ولكل ذلك يستطيع رئيس الحكومة جان- مارك إيروت المواربة بالكلمات، كما يشاء، ولكن ذلك لن يعالج الآلام المزمنة. ومع هذا، يقول الكاتب، فقد كانت تظاهرات يوم الأحد الماضي التي دعت إليها جبهة قوى اليسار تحمل رسالة بالغة الوضوح، وهي رفض السياسات الليبرالية القاسية المستمرة منذ عام كامل. والآن يبدو كما لو أن كل تلك التدابير الليبرالية على رغم قسوتها تعتبر غير كافية، فما زالت الخطط والمشاريع الأشد ليبرالية مطروحة للمناقشة، والتمرير سياسياً.
وفي هذه الظروف الصعبة تعلن الحكومة عن عروض لبيع نسب ومساهمات الدولة في بعض الشركات، وهو ما يعني مزيداً من الخصخصة الكاملة أو الجزئية لهذه الشركات، وهذا سيجعل الدولة لا تملك كلمة فصلاً في توجيه أو تسييرها. وهو ما يعني نزع سلاح القطاع العام في مواجهة تغول القطاع المالي والبورصة، واختفاء الدولة المخططة لتحل محلها الدولة مقصوصة الجناح التي تكتفي بلعب دور الشاهد المراقب، عديم التأثير، في رسم قواعد اللعبة الاقتصادية. وقد ترددت حتى الآن أسماء شركات كبرى يفترض أن يتراجع نصيب القطاع العام فيها، ولا أحد يعرف ما سيكون بعدها من شركات أخرى؟ وإن كانت قطاعات الكهرباء، والغاز، والاتصالات، والمطارات، والنقل العمومي، كلها على قوائم الترشيح للخصخصة.
والحاصل أن الأجواء التي تظلل الجنود المتجهين في مشروع أولاند إلى عامه الثاني لا تغلفها أبداً تلك الروح الحماسية التي تحدث عنها فيكتور هيغو quot;إنهم يُنشدون، ويمضون قدماً وليست في قلوبهم ذرة خوف... آه يا فرنسا، أبداً، إنه نوع من المعجزةquot;.
وفي السياق ذاته انتقد أيضاً الكاتب إيفان ريوفول في مقال بصحيفة لوفيغارو -اليمينية- سياسات أولاند الاقتصادية مؤكداً أن quot;فرنسا تبدو الآن كما لو كانت جزيرة، تقبع على ظهر سحابة، أو على الأقل هذا هو ما يظن اليسار في بلاد العجائبquot;! وهذا وحده هو ما يفسر كون فرنسا تقرر الآن عدم فرض أية سياسات تقشفية من ذلك النوع الذي يتجشم عناءه جيرانها الأوروبيون الآخرون. ولذلك ففي سنة 2014 المقبلة ستكون البلاد هي صاحبة أعلى إنفاق عمومي (57,1% من الناتج الخام) في دول الاتحاد الأوروبي. وقد قالها رئيس الحكومة إيروت صراحة مؤخراً حين أكد أنه لن يكون هنالك مزيد من التقشف. وهذا كلام لا يخلو من دعاية طبعاً، وخاصة مع تأكيده المستمر على أنه يسعى لإنقاذ النموذج الاجتماعي، والنموذج الجمهوري الفرنسي.
ويمضي الكاتب مفنداً كل مزاعم الاشتراكيين عن تحقيق تقدم أو إصلاح اقتصادي خلال العام الماضي، كما يفند أيضاً زعمهم بأن أولاند تمكن من تصفية التركة الساركوزية، فأين كل هذه الإنجازات إن لم يكن اليسار الفرنسي الحاكم يعيش في عالم آخر غير عالمنا، أو يعتقد بإمكانية تحقيق المعجزات؟ لقد رأينا الآن الحصيلة الكارثية لعام واحد من الحكم الاشتراكي في قصر الأليزيه، وفي البرلمان -يقول الكاتب- ولكن ما زالت أربع سنوات... وهنا المشكلة.
الأزمة السورية
اعتبرت صحيفة لوموند في افتتاحية لها أن جهود وزير الخارجية الأميركي جون كيري الأخيرة مع روسيا قد أظهرت تراجعاً محسوساً في الموقف الغربي من الأزمة السورية، فبإعلانه عن اتفاق مع بوتين على تنظيم مؤتمر دولي حول سوريا، يجمع ممثلي الأسد ومبعوثي المعارضة، فقد حقق لموسكو هدفين، ترسيخ وجودها وتأثيرها في منطقة الشرق الأوسط من جهة، ومن جهة أخرى ضمان عدم اشتراط تغيير النظام منذ البداية. بل إن كيري مضى أبعد من ذلك في موسكو حين نفى أن يكون قد نطق بعبارة المطالبة بسقوط النظام كشرط مسبق لأية مفاوضات لإنهاء الصراع الدامي في سوريا. واعتبرت الصحيفة أن هذا تراجع ملحوظ، فالجميع ما زال يتذكر أن الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا ظلت كلها تطالب منذ سنة 2011 في بيانات صريحة وواضحة بتنحي الأسد، وتمكين السوريين من إيجاد نظام سياسي بالتوافق، وبما يحقق انتقال السلطة.
وفي السياق ذاته، تساءل الكاتب فابريس روسيلو في افتتاحية أخرى بصحيفة ليبراسيون: إلى أين يمضي الرعب السوري؟ وهل المجتمع الدولي الذي يبدي الآن عجزاً مطبقاً عن التأثير في مجريات الصراع، سيجد نفسه في يوم ما مضطراً للتصرف في مواجهة مأساة استخدام السلاح الكيمياوي؟ ما يعني سقوط مئات، بل آلاف من الضحايا الآخرين! وينقل الكاتب عن التحقيقات التي نشرتها صحيفته يوم الخميس الماضي من داخل مدينة حلب، وهي إحدى المدن السورية القليلة التي تجد الصحافة الدولية فرصة الذهاب إليها، عدم وجود أدلة قاطعة على استخدام السلاح الكيمياوي. ولكن إذا ثبت استخدام هذا السلاح، ولم يعد محل تساؤل، فما العمل؟ لقد أعلنت الولايات المتحدة وفرنسا من قبل أن السلاح الكيمياوي يعتبر quot;خطاً أحمرquot;، لا يمكن السماح بتجاوزه. ولكن يبدو أن مياهاً كثيرة جرت تحت الجسر بعد ذلك الكلام، فلا أحد اليوم يريد التدخل في سوريا، وخاصة إدارة أوباما. ويبدو أن الغربيين عموماً بدأوا التراجع مؤخراً، وعادوا لتجريب فرص الحل الدبلوماسي، وخاصة مع فتح قنوات تفاوض مباشرة جديدة مع موسكو، حليفة نظام دمشق. ولكن هل ما زال ممكناً حقاً افتراض إمكانية التوصل إلى حل فعال للأزمة السورية من خلال تنظيم مؤتمر دولي؟ إن هذا الأمل الضعيف، لابد أن يمر عبر بعض الشروط، أولها استبعاد رئيس النظام من أية مفاوضات. وثانيها عدم ترك أجندة المفاوضات تحت رحمة إملاءات بوتين الذي تجتاحه روح انتصارية الآن.
الانتخابات الماليزية
نشرت صحيفة لوموند تحليلاً سياسياً بعنوان quot;ماليزيا: تسونامي صيني في الانتخابات التشريعيةquot; ناقشت فيه خلفيات التجاذب الراهن هناك عقب النتائج التي تكشف عنها هذا الاستحقاق، مبرزة أن التشكيل السكاني المتعدد للدولة الماليزية جعل حكمها صعباً للغاية، حيث تشكل عرقية الملايو المسلمين 60 في المئة من السكان، فيما يشكل الصينيون 25 في المئة، وهم يتبعون البوذية، أو الكونفوشيوسية أو المسيحية. وقد جاء هؤلاء الأخيرون إلى شبه الجزيرة خلال فترة الاستعمار البريطاني، مثل الهنود الذين يشكلون هم أيضاً 8 في المئة، ضمن الفسيفساء العرقي الذي يشمل أيضاً جماعات أخرى محلية. وقد شكلت انتخابات الأحد الماضي، مرحلة جديدة من التحول السياسي في تلك البلاد، فقد بدا الاستقطاب بين الإثنيات أوسع وأشد قوة هذه المرة. ولئن كان حزب quot;الجبهة الوطنيةquot; الحاكم منذ الاستقلال في سنة 1957 قد تمكن من تحقيق الفوز، فقد خسر تأييد الأقليات، وخاصة الصينيين الذين أعطوا أصواتهم بالكامل لأحد أحزاب تحالف المعارضة الثلاثة هو حزب quot;الحركة الديمقراطيةquot;، الذي تتشكل زعامته أساساً من ذوي الأصول الصينية، فيما صوت الهنود بالكامل لحزب آخر من أحزاب التحالف المعارض الثلاثة هو حزب quot;تحالف الشعبquot;.
إعداد: حسن ولد المختار
