مطاع صفدي
متى يفقد المجتمع القدرة على لجم العنف العام أو الخاص إلا باستخدام المزيد من العنف ومشتقاته، مع الفارق في تمتّع العنف الآخر بما يصطلح عليه بالمشروعية. إذ يستظل بحماية الجماعة وقانونها. أما في الحالة التي تعجز فيها الجماعة عن ممارسة عنفها المشروع هنا، ويغدو العنف فالتاً من عقاله، فيمكن القول عندئذٍ أن المجتمع أصبح مهدداً بفقدانه لنظامه، مرتدّاً هكذا إلى وضع الجماعة السائبة التي لا كيان لها، وبالتالي لا هوية ذاتية تعرف نفسها من خلالها. تتعرض للانقسامات، والتبعثر الفئوي، والاستقطابات السطحية العابرة.
تسود قواعد القوى الطارئة التي ليست في أسبابها سوى تجليات الغرائز الفردوية أو الأقلوية، هكذا فالمجتمع العاجز عن ضبط اندفاعاته الفئوية يحكم على ذاته بفقدان مركزية السيطرة على أمنه الذاتي. ما تفرضه الحرب الأهلية ليس انعدام الأمن بين الجار والجار، بين الفرد والآخر، فحسب، بل في سيطرة العنف الأعمى كهدف لذاته؛ فلا بدّ إذن من جولة لعقلانية ما في الوقائع اليومية لأية حرب أهلية. هكذا يبشر بعض الساسة المخضرمين ما بين الحرب والسلم. يقولون إنه يُسمح للعقل بالإطلال على مساحة اقتتال شعبوي حتى يبرأ الشعبويون الوحوش من مخالبهم وأنيابهم ولو مؤقتاً. ولكن أين هو ذلك العقل الذي يقرع أبواب جهنم. فلقد قيل في علّة الاستدامة لكل مقتلة أهلوية أنها رافضة أساساً لكل وساطة سلام تأتيها من خارج مهندسيها الأصليين. فلا شيء يطفئ نارها غيُر الدم الُمراق في معاركها.. هذا إذا كانت رمال الصحارى اللاهبة سترتوي يوماً ما من مياه واحاتها النادرة.
كل حرب أهلية في بلادنا قد تودع حرباً سبقتها، وتنذر بحرب أخرى قادمة بعدها، فلماذا لم يعد الموت في بعض بلادنا مكتفياً فقط بقتل أفراده، إنما كذلك يبيد الأحياء والمدن والأرياف معها، بل أضحى يقتل شعوباً وحضارات، فهل هي الروح الجماعية المسّيرة لأهلها، سوف تتابع الموت كذلك جماعياً، هل هو تقليدُها الموروث. كأنما الجماعية تحيي الأموات مجدداً. بل كأنما تنتفي الحدود بين الحياة والموت. فكل بيت ما بين الشام والرافدين يكاد يختصر المصير العام، قد يتفجر بأسماء الحياة ورموزها ليوم، وليوم آخر يودع كل هذا في زاوية مظلمة ليس إلا. هل يستطيع مراقب ميداني، مثلاً في مساحة شامية أو عراقية أن يُعِدَّ ذاكرة دقيقة عن قتلى أو جرحى الأربع والعشرين ساعة الأخيرة. هل أمست شعوب هذه المنطقة مُعَّدةً للقتل والذبح والتشرد فحسب، بدلاً من إشادة «الحضارة» الموعودة بها من أسلافها منذ أول الدهور.
فلم تبق لحروب هذه المنطقة البائسة ثمة صفة مدنية إلا واستهلكتها، أي لم يتبق لها هدف ما خارج مقابرها قط. لم تعد ثمة فروق نوعية أو ثقافية تميز معسكرات المتقاتلين عن بعضها. ليس بينها من يظل متعاطفاً حقاً مع هذا المبدأ العقلاني أو الديني ذاك. فالعنف العبثي يوحّد بين الفرقاء جميعاً بألوانه الحمراء والداكنة.
فليس لأية جبهة مفتوحة على ضفاف هذه الصحارى ثمة صيرورة منتجة لمتغيرات حقيقية في تضاريس هذا الواقع الرملي المنساب مع كل ريح. هنالك ما يُشبه الزوابعَ التي تهب من هنا أو هناك، تنطلق في الأجواء المغبرة الظلماء؛ ترغي وتزيد، ولا تلبث حتى تنقشع الرمال جثثاً لا تتناهى. فالحروب الموصوفة بالزائفة هي أخطر ما تؤول إليه الثورات الفاشلة. وما حدث لآمال الربيع العربي المزعوم هو أنها أُبيدت وهي لا تزال مجرد بذور مبعثرة في الفيافي القاحلة. ومع ذلك لا يتنازل هذا الربيع عن ثقته بمواسم أخرى سوف تزدهر على أطلال سابقيها الخائبة. مهما تصحّرت التربة وتيبّست عروق الحياة في جلمودها، فلا بد من أن تخترقها عواصف الرعد القادمة، مهما أمْحلَت الأرض في أسافلها، فلن تجفّ مآقي الفضاءات العالية فوقها من دموعها، لتهطل عليها سيولاً مدرارة. هذه هي أنشودة الربيع السرية التي يُسرّبها عبر الأطلال عينها من موسم خَرِِبٍِ بائر إلى آخر قادم لا محالة.
كل تغيير هو حلم في أصله. فلا ضمانة مع ألاعيب الأحلام، مُسبقةً أو ملحقة. لكن العيون البّراقة لن تكفّ عن صناعة أنوارها. تلك هي مهنة عريقة أتقنتها نُخَبُ الإنسانية في أصعب ظروفها الثقافية والحيوية، وقد تكون النُخب العربية تنوء اليوم بأحمال الخيبات والهزائم شبه الكونية، وهي تتقادف آمالها من منعطف مظلم إلى هاوية أخيرة دون قرار هذه المرة ربما، فلا بأس من الإقرار حتى باليأس، بنوعه الأقصى، بل الأصم والأبكم؛ مما يعني أنه ذلك اليأس الممتنع مقدماً عن كل محاورة طامحة إلى تليين تحجرّه قليلاً. فإذا كان مسموحاً للأفراد أحياناً أن يعلنوا يأسهم حتى من بأسهم عينه فليس ذلك مدعاة للاستسلام إلى ثقافة العدمية، وكأنها، هذه العدمية، هي الحصيلة الأخيرة عن مجمل المشروع النهضوي لأمة كاملة، بحيث لم يعد يمكن التذرّع بالخطأ النسبي كحافز لتصحيح أكبر وأهم، تلك هي ممارسة تكتيكية مضى زمنها وبَطُلتْ فعاليتها إلى غير رجعة. والمفجع والمخيف هو أننا لم نعد نواجه الخيبات العظمى وهي لا تزال جارية في سياق المشروع عينه، بل هو المشروع عينه الذي يكاد يغدو كأنه أمسى باطل الأباطيل.
طيلة قرن ونيف كان الجهد النخبوي الفكري منصبّاً على مواجهة ما كان يدعوه بمشروع النهضة، كأنما كانت النهضة مفهوماً جاهزاً، والعقول متفقة حول معانيه ودلالته. لم تثر النهضة في حد ذاتها أية تساؤلات حولها كحقيقة. بل كان التعاطي معها يفترضها كمسلمة مفروغ من التباساتها، وإن لم تكن هي الحال ذاتها بالنسبة لمختلف وقائعها السياسية بصورة خاصة.
في هذا المجال قد تغطي معارك الاستقلال الوطني على بقية ظواهر المدنية والمادية. فالتحرر هو الجدل المركزي الذي يختصر عوامل الصراع الأخرى. إنها النهضة (السياسية) التي تمنح كل ما عداها أحقيتها. وليس ثمة سبب وجيه آخر قد يدفع بعض الوعي لنقل مركزية الاهتمام من الواقعة السياسية العامة إلى وقائع اجتماعية أو إنسانية..أخرى ليست أقل أهمية لكن الجانب الحدثي والعمومي طاغ دائماً على كل ما يحيط به من هالات شفافة أخرى، ولن تكون أيضاً إلا من طبيعة سياسية خالصة. كما أنه في الوقت عينه لم تتم أية حاجة علنية لتنمية مصنفات معرفية أو مفردات لغوية تخص ثقافة النهضة لوحدها. باختصار فقد استوعبت الظاهرة السياسية تاريخ النهضة العربية المعاصرة. لم يكن للنهضة ثمة كيان معرفي، كأنها لم تكن موجودة. ولم تتنبّه لها بعض العقول القليلة إلا مع تتابع موجات الانهيارات للمشاهد السياسية المتصارعة فيما بينها على هدف واحد وحيد هو احتكار السلطة. هنا في هذه النقطة الحرجة من ملامح تقاطع المصيرين بين السياسة والنهضة، قد يكتشف المخيال الجدلي أنه في حين تتخبط دولة الاستقلال الوطني تحت وعثاء سياساتها الفاشلة فإن بعض العقول النيرة تتمسك برهان الثقافة الأخير المتمثل في إمكان استثناء النهضة من المصير العدمي للدولة العربية الفاشلة. فالمجتمع هو بيت الطفولة والنشأة والنضج للنهضة باعتبارها كينونة مستثناة أصلاً من عوارض أحوال العَسْف السياسوي وتغلباته وثرواته الطارئة. إنه المجتمع، البيت الرؤوم، الحصن المنيع الحامي أولاً لسلالته الإنسانية المستدامة.
سقوط السياسة النهائي في مستنقع العنف هو المبشر بتفكك عرى المركّب الامبريالي الأكبر دولياً بقطبيه: الاستبداد/الفساد إقليمياً ومحلياً في آن، بينما يحاول أن ينأى المجتمع بذاته عن مصير سميّه وقرينه، عن مسلسل المهالك والمقتلات الزاحفة على ضفافه. إنه يكتنز في عروقه السرية إكسير الحياة الأصلية. إنه الواعد بإطلاق شريعة الشرائع: الحرية ما فوق كل أسمائها الزائفة … المستعارة.
