عبدالله بن بجاد العتيبي
تحت عنوان laquo;خفايا الشبكة السرية لتمويل الإخوان في أوروباraquo;، نشرت laquo;الاتحادraquo; الأسبوع الماضي تحقيقاً صحافياً فريداً غطى بعض الدول الأوروبية وحدد أسماء المقرات التي تعمل تحتها الجماعة وأماكنها ومؤسسيها وقادتها بالأسماء الكاملة، بل وسعى لتحديد الأموال التي يتحكم فيها كل فرعٍ، وكيف يتحصل عليها وفيم ينفقها؟ إنه تحقيق يستحق الإشادة.
كما أجرت قناة laquo;أبوظبي الإماراتraquo; حواراً مع الدكتور جمال الحوسني في برنامج laquo;إلا الوطنraquo;، تحدث فيه بصراحةٍ عن laquo;تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في الإماراتraquo; بوصفه كان أحد المنتسبين إليه، بل وأحد القياديين فيه سابقاً. كان حديثه صريحاً ورزيناً كشف بعض خفايا التنظيم وأساليبه في تجنيد الشباب واستغلالهم منذ نعومة أظفارهم حتى يصلوا بهم كالعميّ إلى البيعة للتنظيم.
هذا التوجه الإعلامي الواضح في التعامل مع جماعة laquo;الإخوان المسلمينraquo; الأم والتنظيم التابع لها في دولة الإمارات العربية المتحدة، هو تعاملٌ مسبوقٌ بالعديد من الأخبار والتحقيقات والبرامج الحوارية والوثائقيات التي لم تأت من فراغٍ بل جاءت ضمن خطةٍ استراتيجيةٍ واعيةٍ راسخةٍ في ذهن رجل واحدٍ استطاع بناء نموذجٍ فريدٍ في تطوير الخطاب الديني في بلاده والتعامل مع جماعات الإسلام السياسي وجماعات العنف الديني بشكلٍ علميٍ ومنهجيٍ شاملٍ. وهذا الرجل هو سمو الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
ليس من غرض هذه المقالة إزجاء مديحٍ أو مبالغةٍ في ثناء، بل الغرض الرئيس هو عرض laquo;نموذجraquo; متكاملٍ وناجح للقضاء على آفة التطرف والتنظيمات السرية في البلدان العربية، وهي آفةٌ عانت منها العديد من هذه البلدان لعقودٍ ماضية.
يختلف وعي القائد بما يحمله على عاتقه من مسؤوليات عن وعي بقية الناس، فهو يفتش دائماً عن مصلحة شعبه وحماية استقرار دولته، ويحسب حساباتٍ دقيقةٍ للواقع ويستشرف المستقبل بعلمٍ ووعيٍ ويسعى لبناء دولة الرخاء والسعادة. وقد عمل محمد بن زايد لسنواتٍ طويلةٍ تحت ظل رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد وهو لا يكلّ ولا يملّ في تحقيق كل ما يخدم بلاده ويطور دولته ويسعد شعبه، وهو قد سنّ سنةً غير مسبوقةٍ قبل سنواتٍ حين أقسم وأقسم معه المجلس التنفيذي لحكومة أبوظبي على خطةٍ استراتيجية لأبوظبي في 2030.
لا تتسع المساحة لعرض هذا النموذج المحدد أعلاه بالكامل فضلاً عن الخطة الاستراتيجية الطويلة، ولكن هذا لا يمنع من استعراض بعض الجوانب المهمة وتسليط الضوء على الترابط بينها.
ففيما يتعلّق بالخطاب الديني وجماعات الإسلام السياسي كجماعة laquo;الإخوان المسلمينraquo;، فقد قدّمت أبوظبي والإمارات وفقاً لوعيه ورؤيته مواقف متقدمةٍ في خطةٍ شاملةٍ لبناء خطابٍ ديني يتوافق مع متطلبات الدولة ومستقبل التنمية والموروث الاجتماعي، وكان رائداً في الوعي بخطورة جماعة laquo;الإخوان المسلمينraquo; واقتفى أثر والده الشيخ زايد الذي حذّر من الجماعة.
يقوم هذا النموذج في الجانبين المشار إليهما على تحديد المشكلة ورسم أفضل الطرق للتعامل معها وبناء التطوير المنشود، ففي الجانب الأول وهو موضوع خلق خطابٍ دينيٍ وسطيٍ وتحجيم خطاب التطرف تمّ تحديد عدة جهاتٍ حكوميةٍ للمشاركة كلٌ فيما يخصّه، ونختصرها هنا في وزارة التربية والتعليم، والشؤون الإسلامية والأوقاف ووسائل الإعلام.
تقدم الحديث بإيجازٍ عن مشاركة وسائل الإعلام، أما وزارة التربية والتعليم، فقد تمّ التعامل معها على أكثر من مستوى أهمها: المنهج والمعلم والمدرسة.
أما في المنهج، فقد قامت لجانٌ علميةٌ وشرعيةٌ وتربويةٌ متخصصةٌ ببناء تصورٍ شاملٍ لكافة مراحل التعليم العام الاثني عشر في مادة التربية الإسلامية والمواد المرتبطة بها كالتاريخ ونحوه بما يضمن خلق جيلٍ مسلمٍ وسطي في تصوراته الإيمانية ورؤيته لنفسه ومجتمعه ودولته والعالم.
أما في المعلم، فقد تمّ نقل أي معلمٍ لا يتواءم مع متطلبات المنهج الجديد إلى أعمالٍ إدارية، وأما المدرسة، فقد تمّ تطوير إداراتها ومناشطها لدعم ذلك المنهج.
أما الشؤون الإسلامية، فقامت برسمٍ خطةٍ طويلةٍ واستعانت بالعديد من الفقهاء المعتبرين لتطوير الأداء وخدمة المواطن، فقامت بتوحيد الأذان وتوحيد خطبة الجمعة، ووضع شاشاتٍ إلكترونية في المساجد تعرض فيها الآيات والأحاديث المناسبة لكل يومٍ أو مناسبةٍ دينيةٍ يتمّ التحكم في موادها من المركز الرئيس، وقامت بإنشاء خطٍ مجانيٍ للفتاوى يقوم فيه فقهاء معتبرون بالرد على أسئلة المواطنين واستفساراتهم، كما ابتعثت عدداً من الشباب لتحصيل العلم الشرعي في الجامعات الإسلامية الكبرى، وهي تشرف على طباعة المطويات الدينية في المناسبات الدينية، وتشارك في ضبط البرامج الدينية.
في الجانب الثاني وهو التعامل مع تنظيمات الإسلام السياسي وتنظيمات العنف الديني.
فقد كانت الرؤية واضحةً بأن هذه جماعةٌ سياسيةٌ وإرهابيةٌ يجب الحذر منها ومحاربتها، ومحلياً سعى سمو الشيخ محمد بن زايد بنفسه لاحتواء عناصر التنظيم وحاور قياداته ليعودوا لرشدهم، وكان يتمّ الترحيب بكل من يتخلّى عن التنظيم، ويعود لينخرط في خدمة وطنه، أما من بقي معانداً فقد تمّ التعامل معه وفق الدستور والقانون وبجهودٍ مميزةٍ وحثيثةٍ من الأجهزة الأمنية المعنية، وكانت المحاكمات علنيةً وأعلنت الأحكام في وسائل الإعلام، كما تمّ تغيير مجالس إدارة الجمعيات الاجتماعية التي كانت بيد التنظيم وتعيين مواطنين أكفاء لا ينتمون إلا إلى الوطن، وكذلك تمّت السيطرة على أموال الجمعيات الخيرية والأوقاف ورسم آلياتٍ محكمةٍ لضمان ألا يتسرب شيء من أموال المحسنين لتلك التنظيمات أو الجماعات، وأن تصرف في الخير الذي منحت لأجله. كما تمّ حظر دخول بعض رموز الإسلام السياسي للبلاد سواء من دول الخليج أو من كافة أنحاء العالم.
أغضب هذا النموذج المحكم جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة laquo;الإخوانraquo;، ووعت الجماعة خطورة هذا النموذج في وعيه الحادّ بما تمثله من خطرٍ على الأوطان والدول والشعوب، وقامت قياداتها ورموزها بالهجوم على دولة الإمارات وتهديدها بحشد المسلمين ضدها، والتهجم على قياداتها السياسية بالأسماء، وكان نصيب الشيخ محمد بن زايد كبيراً، لأنهم يعرفون عدوهم كما يعرفه بعض داعميهم للأسف، ولكنهم كانوا مخطئين في حسابات القوّة فمال الميزان لصالحه ومنيت الجماعة بهزائم تاريخية.
أخيراً، أرجو ألا يكون الاختصار الشديد مخلاً بالمعنى. وقد دخل هذا laquo;النموذجraquo; التاريخ، ونجح في الواقع، محلياً وعربياً وهو في طريقه للنجاح دولياً في التعامل مع واحدةٍ من أكثر الآفات إضراراً بالعالم كله، وخسر الخصوم.

