جابر عصفور
&
عندما أتأمل أكثر اثنين تأثيرا في حياتي الفكرية والعملية أجد أنهما طه حسين وعبد الناصر. وما يجمع بين الاثنين أنهما من أصحاب المشروعات الكبري التي تهدف إلي الارتقاء بالفرد والجماعة. ولقد ظل مشروع الأول يقوم علي خمسة مبادئ كلية: أولها: الحرية، وثانيها: العقلانية، وثالثها: العدالة الاجتماعية، ورابعها: النزعة الإنسانية، وخامسها: النظرة المستقبلية. أما الثاني فهو الذي علمنا معني العزة الإنسانية والكرامة الوطنية علي السواء، منذ أن هتف: ارفع رأسك يا أخي فقد مضي عهد الاستغلال من الداخل والخارج علي السواء. وهو يلتقي مع طه حسين الذي علمه أن للعدالة الاجتماعية وجهين. أولهما يرتبط بإعادة توزيع الثروة في المجتمع لتتقارب الطبقات الاجتماعية، كي لا تحتكر طبقة بعينها، أو حتي شريحة من طبقة، الثروة والنفوذ في المجتمع، فيتحول أغلب المواطنين إلي معذبين في الأرض. وثانيهما يتصل بعدالة توزيع المعرفة والثقافة في المجتمع. ولذلك لم يتردد طه حسين عندما أصبح وزيرا للمعارف في آخر حكومة وفدية في إعلان أن التعليم كالماء والهواء حق لكل مواطن. وكان يلزم عن هذا المبدأ في ذهنه أن الثقافة كالتعليم، هي الأخري كالماء والهواء حق لكل مواطن. وهذا هو الذي دفعني إلي أن أكرر في كتاباتي مصطلح العدالة المعرفية التي تعني حق المواطنين جميعا في التعليم والثقافة علي السواء. ذلك لأن العلاقة بينهما كالعلاقة بين وجهي العملة الواحدة؛ فالتعليم يرتقي بالثقافة، والثقافة ترتقي بالتعليم وتضيف إلي أفقه آفاقا بلا ضفاف.

ومن المؤكد أن إيمان عبد الناصر بوجهي العدالة المعرفية والاجتماعية هو الذي دفعه مع أقرانه إلي إصدار قانون الإصلاح الزراعي في أول أشهر الثورة، وهو أيضا الذي دفعه ذ وأقرانه - إلي إصدار قرارات التأميم والتمصير، وعلي رأسها قرار تأميم قناة السويس سنة 1956 في الإسكندرية. وبفضل تأثير طه حسين في وعي جمال عبد الناصر وأقرانه، كان عبد الناصر يبني المصنع ويفتتح في موازاته مقرا للثقافة الجماهيرية، أو ما أصبح يطلق عليه قصر الثقافة، وفي موازاة الاثنين مدرسة حديثة، فقد كان وعي عبد الناصر ورفاقه، المنتمي إلي مفكري ومثقفي ثورة 1919، يؤمن أن بناء مصر المستقبل يقوم علي ثلاثة أعمدة: العلم والصناعة والتعليم الحديث، والعدالة المعرفية والاجتماعية. ولقد رأيت بعيني، قبل تخرجي في الجامعة سنة 1965 - أعظم وأكبر خطة بعثات إلي مصادر المعرفة في العالم المتقدم شرقا وغربا بلا فارق، فقد كان الهدف هو بناء مصر المستقبل علي أساس من العلم والمعرفة. وكان من حظي ذ وحظ جيلي، أننا نحن أبناء الأسر الفقيرة قد أكملنا تعليمنا قبل الجامعي بالمجان، فما إن دخلنا الجامعة حتي أكمل عبد الناصر صنيع طه حسين فأعلن مجانية التعليم الجامعي، مؤمنا أن مبدأ مجانية التعليم لا يتجزأ، وأنه لا فارق بين تعليم جامعي وقبل جامعي. ولذلك تنفست أسرتي الصعداء، فلم أعد أطالبها بمصاريف باهظة تثقل كاهلها كما فعلت في الفصل الدراسي الأول لأعوامي الجامعية. وكانت مكافآت التفوق العلمي نعمة أخري، أتاحت لي تخفيف عبء نفقاتي الجامعية عن أسرتي.

وصفة أخري تعلمها عبد الناصر من طه حسين، ومعه عدد محدود جدا من رفاقه، أهمهم خالد محيي الدين وثروت عكاشة، وهي: كراهية التديين، أي المبالغة في إدخال الدين فيما ليس منه، وذلك احتراما للدين وإجلالا له، وإيمانا بالمبدأ زأنتم أعلم بشؤون دنياكمس. وهو مبدأ يترتب عليه فصل الدولة عن الدين، وفصل السياسة عن العقيدة، ومن ثم التطبيق العملي لشعارات ثورة 1919: الدين لله والوطن للجميع، ومصر للمصريين، ووحدة الهلال مع الصليب. ولعل عبد الناصر عرف ما عاصره طه حسين من أن دستور 1923 اشترك في صياغته مسلمون كأغلبية ومسيحيون ويهود كأقليات. ولذلك لم يعرف دستور 23 هذه المادة التي فرضها الإخوان علي السادات كي يدخلوا الدين في السياسة. وعندما انتبه السادات للمكيدة، صرخ يائسا: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين. ولكن كان الوقت قد تأخر.

ولذلك لم تحدث فتنة طائفية واحدة في زمن عبد الناصر، وحاول عبد الناصر إصلاح الأزهر، ولم يتردد في أن يجعل الشيخ محمود شلتوت (ابن ثورة 1919 ومجاهدها الذي قبض عليه بسبب دوره فيها، وفصل من الأزهر عقابا له علي دوره في الثورة) شيخا للأزهر، فقام الرجل بالدعوة إلي تقريب المذاهب، وأباح تدريس الفقه الجعفري. وظل إلي آخر عمره محترما للتيارات العقلانية الإسلامية التي لم يقل واحد من ممثليها إن الحجاب فريضة، أو إن النقاب مقبول. ولا ننسي أنه في الوقت الذي ساعد عبد الناصر وبارك بناء الكاتدرائية، أمر بتأسيس إذاعة القرآن الكريم، وهو الذي ظل يلح علي انتماء مصر للعالم الإسلامي. لكنه كان يقصد الإسلام المستنير، إسلام الشيخ محمود شلتوت وعبد المتعال الصعيدي وليس إسلام من يشعل الفتن بين المذاهب، أو يتعاطف مع السلفية الوهابية. ولذلك كان عبد الناصر أقرب إلي فكر طه حسين عندما آمن بأفكاره عن الدولة المدنية دون أن يستخدم هذا المصطلح الذي ابتدعناه نحن في رفضنا لمظاهر الدولة الدينية. لقد آمن عبد الناصر بالإسلام الحق الذي كتب عنه طه حسين في زمرآة الإسلامس وسالفتنة الكبريس. ورغم كل ما قيل عن اقترابه من حسن البنا في بعض أفكاره الإصلاحية، فإنه ظل مؤمنا بإسلام سمح لا يعرف العنف ولا التمييز، كما آمن بفصل الدين عن الدولة، ورفض ما دعاه إليه حسن الهضيبي من تحجيب المصريات، ولذلك لم تعرف مصر الحجاب في عهده، ولم تعرف وجود أحزاب دينية حتي من قبل أن ينص دستور مصر الأخير علي ذلك في إحدي مواده التي لم نر لها أثرا علي الأرض، فنحن قوم نقول ما لا نفعل.

أما عن الثقافة فإني أؤمن أن مشروعها الناصري ليس سوي تطبيق لأهم العناصر العملية في كتاب طه حسين زمستقبل الثقافة في مصرس الذي فرغ طه حسين من إملائه سنة 1938. وكان ذلك بعد أن حصلت مصر علي استقلالها بموجب معاهدة 1936. ولكن أين نجد المشروع الناصري للثقافة؟ الإجابة موجودة في المجلدين اللذين كتبهما ثروت عكاشة بعنوان: «مذكراتي في السياسة والثقافة». لقد اهتم ضباط يوليو 1952 بالإعلام فأنشأوا وزارة للإرشاد القومي تولاها فتحي رضوان، وكتب عنها في كتابه عن أشهر عمله مع عبد الناصر، ثم اتسعت تسمية وزارة الإرشاد لتضم الثقافة، إلي أن روئي استقلال الثقافة بوزارة مستقلة سنة 1958. وعهد عبد الناصر بالوزارة إلي ثروت عكاشة مرتين، فقد أوكل إليه تحقيق الحلم الذي كتبه صلاح جاهين وغناه عبد الحليم حافظ عندما جعلنا نغني معه: زصناعة كبري. تماثيل رخام ع الترعة وأوبرا في كل قرية عربيةس.

وما فعله ثروت عكاشة حين أوكل إليه عبد الناصر مسؤولية وزارة الثقافة، هو أن جمع كبار مثقفي مصر، من أمثال لويس عوض وحسين فوزي وسهير القلماوي وأمثالهم، وطلب منهم أن يجتمعوا في دار الأوبرا التي أحرقت أيام السادات. وظل نحو ثلاثين من كبار المثقفين، وأغلبهم من تلامذة طه حسين، بشكل مباشر وغير مباشر، يعملون ويتناقشون لأيام، إلي أن صاغوا أول إستراتيـية متكاملة للثقافة المصرية. وقد قام ثروت عكاشة بالتلخيص المسهب لهذه الإستراتيـية في مذكراته التي أكدت وجها آخر من أوجه الشبه بين طه حسين وعبد الناصر.

ولكن يبقي السؤال المحرج. هل آمن عبد الناصر بأهم مبدأ عند طه حسين، وهو الحرية؟! ولنا عودة.