سمير عطا الله
مع ارتفاع اسعار العقار وقيام مبانٍ جديدة مكان القديمة، تفقد لندن شيئاً فشيئاً، أحد اجمل واعرق معالمها: احياء الكُتب العتيقة. غير أنها لم تبلغ ما بلغته باريس، حيث تغلق اشهر المكتبات في الضفة اليسرى، لكي تحل مكانها المطاعم ومخازن الألبسة. العكس يحدث إذ يغلق مبنى كاملاً لبيع الثياب ويتحول إلى مكتبة زاهية من ستة طوابق.
لكن «الكتّابين»، أي اصحاب الأكشاك الحديدية التي تملأ ارصفة السين في «الدوائر الأدبية»، لا يزالون يجددون رفوف الكتب المستعملة، ويستقبلون الشارين. وهذه الأنواع من الأكشاك الثابتة التي يقفلها اصحابها في المساء كما لو كانت مخزناً، ليعودوا إليها في اليوم التالي، لم ارها في اي مدينة أخرى. وفي بيروت كانت تُفرش الكتب القديمة على الأرصفة في وسط البلد، لكن الوسط قد غاب ومعه الكتب. وبقيت الأزبكية في القاهرة مَعلماً من معالم المدينة. وأكثر ما يلفت في باعة الكتب، في كل مكان، أنهم يقرأون الكتب التي يعرضونها، ويناقشون في محتوياتها. غالباً في معرفة واضحة.
ومن احياء الكتب الجميلة، أي الأحياء «الجميلة»، سوق المكتبات في الدار البيضاء. وقد اكتشفتها مرة برفقة الراحل الباهي بلند الحيدري، الشاعر الذي لم يأخذ حقه حياً وغائباً. وتمتد سوق الكتب في اوتاوا بين المقاهي. والكتاب هناك معروض كما في محال الكتب الجديدة، وليس ملقياً على الأرض أو مهملاً على الرفوف، كما في اسواق نيس مثلاً. وفي نيويورك ايضاً اغلقت «احياء الكتب»، وحُصرت تقريباً في مكتبة ستراند، التي تعرض كتبها في نهاية الأسبوع على رصيف «سنترال بارك»، لكن ذلك كله لا يشكل جناحاً بسيطاً من اجنحتها.
الناس لا تقرأ الكتب فقط، بل تحب أن «تعيش» معها. وكان رئيس وزراء بريطانيا غلادستون، بعكس ذلك، يقرأ الكتب ثم يبيعها ليشتري غيرها. وبسبب انهماكه، لا ينتبه إلى أن الباعة يحتالون عليه ويعطونه الكتاب نفسه غير مرة. وأنا افعل ذلك بملء ارادتي ووعيي. هناك كتب اشتريها نفسها في اي مدينة تطول اقامتي فيها. وفي الماضي ايام لم نكن نملك ثمن الكتاب، كانت «المكتبات العامة» هي الملجأ الوحيد. وكان عليك أن تفيق وتذهب إلى المكتبة كأنك ذاهب إلى عملك. تقرأ الكتاب في هدوء المكتبة، ثم تتركه لأصحابه. وأحياناً، كان في الإمكان استعارته لبضعة ايام، شرط ألا تعبث به بأقلام الرصاص، كما تفعل في الكتب المقتناة. عالم مؤنس بلا حدود.
&
