&مصطفى السعيد

&

لم تغفر الولايات المتحدة لرئيس الوزراء العراقى السابق نورى المالكى انحيازه إلى إيران ورفض تمديد بقاء القوات الأمريكية فى العراق، لتضطر إلى الانسحاب فى مطلع 2011، لكنها تركت وراءها الكثير من الألغام السياسية والطائفية مع عراق مفكك سياسيا وطائفيا وعرقيا وبنية أساسية منهارة، وماكادت القوات الأمريكية تشرع فى الانسحاب حتى تفجرت الاضطرابات، وامتدت من الأنبار إلى معظم شمال ووسط العراق، وتحولت الاحتجاجات المطلبية إلى تمردات، وعمت الفوضى البلاد لتهيئ الأرض الخصبة لاحتلال داعش أكثر من ثلث مساحة العراق، ويتهاوى الجيش الذى كان قد تشكل بإشراف أمريكي، ونخره سوس الطائفية والفساد وضعف التدريب والتسليح، لتنهى طموح المالكى فى ولاية جديدة، واضطر إلى ترك قيادة مجلس الوزراء لنائبه فى حزب الدعوة حيدر العبادي، الذى اتبع سياسة إمساك العصا من المنتصف، فى علاقته بكل من الولايات المتحدة وإيران، مستفيدا من الدرس القاسى الذى أطاح بالمالكي.

هل تتكرر الأزمة؟ تختلف ظروف الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة عن سابقتها فى 2014، فقد تمكن العراق من دحر داعش، وانكسرت شوكة الجماعات المتطرفة، كما فشلت محاولة انفصال كردستان العراق، ولعبت قوات الحشد الشعبى التى تشكلت مع انهيار الجيش العراقى دورا كبيرا فى هزيمة داعش، لكن الخلافات دبت بين حلفاء إيران أيضا على حصد نتيجة الانتصار، فقد رأى الحشد الشعبى أنه من قدم الدماء وتقدم الصفوف، وربح كل المعارك الصعبة التى خاضها، أما حيدر العبادى فيعتقد أن قيادته للعراق فى هذه الظروف الصعبة وموازين القوى الداخلية والخارجية الدقيقة هو ما أثمر هذا الانتصار، لهذا يستحق أن يفوز بفترة ولاية جديدة، وأن الوقت قد حان ليخوض الإنتخابات بقائمة منفصلة أطلق عليها اسم النصر فى إشارة لأنه صاحب الفضل الأول فى الانتصارين الكبيرين على داعش وانفصال كردستان، وجاء خوض قادة الحشد الشعبى للانتخابات البرلمانية بقائمة منافسة حملت اسم الفتح لتزيد من حدة المنافسة، لكنها جعلت من الحشد الشعبى طرفا فى الصراع السياسى على الحكم، وبالتالى عرضة للتجاذبات، وأثار تنامى قوة الحشد الشعبى قلق التيار الصدرى على نفوذه القوى فى الشارع، والذى يعتقد أنه أول من أعلن المقاومة العلنية للاحتلال الأمريكى عندما أسس جيش المهدي، وأنه الأجدر بقيادة العراق، وأمام تراجع نفوذ حلفاء الولايات المتحدة جرت محاولات لتأجيل الانتخابات، لكن محاولات الإرجاء فشلت، وجرت الانتخابات بالتصويت الإلكترونى والورقى معا، لتفتح المجال أمام التشكيك فى النتائج، التى تقدمت فيها القوائم الشيعية، لكنها كانت مفتتة، وانقسمت إلى شطرين متناحرين، الأول يحمل اسم الإصلاح ويضم سائرون والنصر والحكمة وتقدم بأكبر عدد من التكتلات والحلفاء، والثانى باسم البناء ويضم: الفتح ودولة القانون وتمكن من جذب نواب من تحالف الإصلاح، وأعلن أنه يضم العدد الأكبر من النواب، وكان أهمها انقسام ائتلاف النصر بين حيدر العبادى وفالح الفياض، ليقيله العبادى من رئاسة الحشد الشعبى وباقى مناصبه الأمنية والسياسية، وتشتعل النار داخل الأحزاب الشيعية وفيما بينها، لتزيد من حرارة الشارع العراقى المنتفض من أجل مياه الشرب والكهرباء والوظائف، وتتحول المظاهرات فى البصرة إلى حرائق وإطلاق رصاص.

المشهد الإقليمى لا يقل اضطرابا عن المشهد داخل العراق، بل زاده اشتعالا، فالولايات المتحدة التى تراقب آخر المعارك مع الجماعات المسلحة فى إدلب، وتدرك أن المعركة محسومة سلفا لصالح القوات السورية وحلفائها الروس والإيرانيين، وأن أوراقها فى سوريا باتت قليلة، وعليها أن تمنح العراق اهتماما أكبر، لهذا تدخلت علنا فى مباحثات تشكيل الحكومة العراقية من خلال مبعوثها إلى العراق برين ماكجورك والسفير الأمريكى دوجلاس سيليمان، واحتجت القوى الحليفة لإيران على ما وصفته بالتدخل الأمريكى الفاضح فى تشكيل الحكومة العراقية، ليتحول العراق إلى الساحة الأخطر للصراع الإقليمى والدولي.

الطريق إلى احتواء الأزمة العراقية ليست بالأمر السهل، فأحيانا تكون الصراعات بين المتنافسين الأقرباء أشد ضراوة من المعارك مع الخصوم، خصوصا مع قلة خبرة النخبة السياسية العراقية وتناحرها الطويل وتفككها، لكن البيت الشيعى المليء بالشروخ يراهن على تدخل سريع لرتق الفجوة بين التيار الصدرى وكتلة الفتح، وفى حالة نجاح هذا التحالف سيكون على حساب كل من حيدر العبادى ونور المالكي، فالعبادى مرفوض من الحشد الشعبي، والمالكى مرفوض من الصدر، كما سينخفض سقف المطالب الكردية، بعد أن ارتفعت على ضوء الانقسام الحاد بين الكتلتين الرئيسيتين فى البرلمان، والذى جعل من الصوت الكردى قادرا على ترجيح كفة على أخري، أما إذا استمر الانقسام، وتغلب طرف على الآخر بفارق ضئيل، فسيدخل العراق فى دوامة من الفوضي، ستهدد العراق والمنطقة، التى تقف فوق برميل بارود ضخم وقريب من نفط الخليج والمحتقنة بالاستقطابات السياسية والطائفية التى تغذيها الصراعات الإقليمية والدولية.