&فضيلة الفاروق

&

&لم أعرف الكاتبة الأميركية "لي إزرايل" إلا بالصدفة، بعد أن شاهدت فيلماً يروي جزءاً من حياتها بعنوان "هل يمكنك مسامحتي؟"، فيلم مؤلم عن كاتبة جادّة لم تأخذ حقها، بسبب استخفافها بطُرُق الترويج التي يقوم بها وكلاء الكُتاب في الغرب، للحصول على جمهور لكتبها، بدءاً بالاعتناء بالمظهر الخارجي للكاتب، إلى تلبية الدعوات الاجتماعية المليئة بالتملّق والأكاذيب، إلى الكتابة في موضوعات سطحية.

لب معضلة "لي" لا يكمن هنا فقط، بل في الفقر والعوز اللذين عانت منهما، ما دفعها لممارسة تزوير رسائل لمشاهير، واختلاق بعضها، وبيعها لتعيش..

لقد اضطرّت أيضاً أن تسرق رسائل أصلية من مؤسسات تعنى بالأرشيف، قامت ببيعها، وقد وقفت أمام المحكمة واعترفت بذنبها، ولم تقبل أن تستعطف أحداً لتخفيف الحكم عنها.

شخصية صلبة، وهشة في الوقت نفسه، ولكنها رغم الهامش الذي عاشت فيه، إلا أن سمعتها تعافت مما لحق بها من تشويه حين أصدرت اعترافاتها كاملة في كتاب حمل ذلك العنوان المبجّل بطلب المغفرة.

لم تكن "لي" مجرمة تماماً، كانت مجرد غشاشة، سلكت طريق الغش مستثمرة موهبتها الأدبية، للحصول على لقمة عيشها في وسط لا يرحم.

جرائم "لي" البسيطة لم تكن بحجم جريمة الكاتب الصيني "ليويونغبياو" الذي تورّط في جريمة قتل سنة 1995، راح ضحيتها أربعة أشخاص، ولم يُكتشف إلا بعد عشرين سنة من وقوعها، وخلال تلك السنوات تألّق ككاتب، وقد أصدر روايته "سرُ المُذْنِب" سنة 2010، شملت اعترافاته، وقد كُرّم ونال جائزة من الدولة الصينية، كما حُوِّلت روايته "الفيلم" إلى مسلسل تلفزيوني من خمسين حلقة..

خلال محاكمته التي انتهت بحكم الإعدام، قال: إنه عاش عشرين سنة من العذاب النفسي، وإنه كان متأكداً من مجيء تلك اللحظة، التي سيعيش فيها الخلاص من عذاباته، ويتحرر نهائياً من الرعب الذي رافقه بعد ارتكابه الجريمة.. وهكذا انتهت حياته في صيف السنة الماضية، ولم يبق سوى حكايته الغريبة هذه التي لا تفسير لها، سوى أن الجريمة هي ما ألهمته ليصبح كاتب قصص بوليسية مليئة بالجرائم وكل أنواع الرعب، ولولاها لما عرف النجاح المخملي وسط النخبة.

لكن في كلا الحالتين، سنتوقف عند "لي" و"ليو" لنتساءل: هل يمكن للأدب أن يخلّص الكاتب من ثقل جريمته؟ وطبعاً لا يسعنا سوى أن ننحني أمام سلطة "الكتابة" لأنها لا تقبل أن تكون مثقلة بالذنوب، كونها كانت وستظل طريقاً نحو التوبة، بعد أن تعصر صاحبها حتى يتلاشى من الندم.