من وحي عيد التحرير وكل الأعياد الوطنية والاحتفالات بهذه المناسبات الوطنية، ومن وحي الوضع اللبناني الراهن الذي لا يحسده أحد عليه.
اليوم 25 أيار (مايو) عيد التحرير من الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان. يوم مجيد يحتفل به اللبنانيون منذ عشرين عاماً، بعضهم بلا مبالاة وبعضهم بوصفه عيداً متمماً للاستقلال. وما بين عيد الاستقلال الأول عن المستعمر الفرنسي عام 1943 وعيد التحرير عام 2000 وما يعتبره جمهور من اللبنانيين (قوى 14 آذار) عيد الاستقلال الثاني (يوم خروج الجيش السوري من لبنان في آذار 2005) ضاع لبنان وضاع اللبنانيون وضاع الاستقلال الذي لم يبق منه إلا أرض يباب وشعب على حافة الجوع وبلد ينهار.
لبنان يضيع ولا أحد مسؤول. لا أحد. كلهم ملائكة بأرواح بريئة. حكام وسياسيون وأحزاب ومواطنون من كل الفئات والمستويات الاجتماعية والثقافية، لم يرتكب أحد منهم ذنباً. حملان وديعة ومبشرون بالخير والصلاح ودعاة محبة وشظف عيش. صوفيون لا طمع لهم بمال الدنيا وذهبها وقصورها وعسلها وخمرها. كائنات حساسة مرهفة المشاعر لا تؤذي نملة إذا داستها. ديموقراطيون أصيلون مقتنعون ومقنعون. منادون بالحرية حتى الثمالة ومستعدون للاستشهاد من أجلها. مناضلون حتى الرمق الأخير عن الفقراء والمظلومين وأصحاب الحاجة. مؤمنون بالأديان يؤمون المساجد والكنائس والخلوات ويصلون بخشوع وخضوع ثم يغادرون بسياراتهم المصفحة ومواكبهم المحروسة بشدة...
هذه التركيبة "المباركة" تصرخ اليوم "وامغيثاه". ولا أحد منها ممسؤول. كلهم أبرياء من دم هذا الزنديق. لا يعترف الواحد منهم بالآخر إلا بوصفه عدواً يجب تدميره وإلباسه كل المثالب والمفاسد. الآخر هو الذي نهب وأفسد وعرقل وحمى الفاسدين وعطل خطط الكهرباء وبخّر الغاز وغوّر النفط. الآخر هو الذي لم يعرف كيف يحكم والذي استنجد بالقريب والبعيد وفجر مرفأ بيروت ورفض محاكمة المتهمين ويعرقل تأليف الحكومة ويهرّب البنزين الى سوريا ويثقب السدود المسرّبة للمياه.
أركان هذه التركيبة "العفيفة" غالباً ما يتحدثون بصيغة الغائب للدلالة على خصومهم. "هني" (هم) الضمير الأكثر استخداماً. "هني" تعني الآخرين - خصومنا. وكأن كلاً منهم يقول أنا وحدي الوطني الحقيقي. أنا الذي ضحيت بالغالي والرخيص. أنا تعذبت ودفعت وغايتي هي إنقاذ لبنان من المصير الذي أوصلوه "هني" إليه. أنا وحدي أملك مفاتيح الحلول لكل مشكلات لبنان (وربما المنطقة) وأفكاري تصلح لكل مكان وزمان. أنا المكرّ المفرّ المقبل المدبر معاً، الجبار القوي الذي لا يلين. أنا النظيف العفيف الذي جمع ماله بعرق جبينه ولم أربح قرشاً من مال عام ولا استفدت من مواقعي القيادية لتحقيق مكاسب خاصة. إن المنقذ وأقوالي حكم فاتبعوني لأقوى بكم وتستقووا بي.
يصرخون ولا مغيث. المركب يغرق والبحارة مختلفون على من يشرب أولاً، ويتناتشون قربة الماء فتفلت من أيديهم الى قاع البحر، ولا أحد منهم يفكر بأنه يمكن توزيع الماء باتفاق بسيط على الجميع. يتباهون بالعناد و"كبر الراس" والواقع أن كل الرؤوس تكسرت ولم يبق رأس في البلد. بلى، كلنا رؤوس... البشر
من يستطيع أن يسمي وزيراً نجح في وزارته، منذ الزلزال (2005) حتى اليوم؟ من يتذكر إنجازاً يفقأ به حصرمة في العيون؟ من يستطيع أن يواجه الأسئلة المصيرية ويجيب عنها؟ من يصارح الناس بمسؤوليته عن أحوالهم المهترئة؟ من يعترف بأنه جزء من هذه التركيبة ومسؤول عن فشلها؟ من يجرؤ على الانسحاب؟ من يجري نقداً ذاتياً لتجربته بدل اقتصار النقد على تجارب الآخرين؟
إن معالجة مريض فقر الدم بأدوية تسبب جرحات قلبية ليست علاجاً. لذلك سيموت هذا المريض إلا إذا جرى زرع قلب جديد. ويبدو هذا المطلوب. لبنان مصاب بمرض لا ينفع معه إلا الاستئصال.
وكل عيد ولبنان بخير.

