كان جابرييل ماركيز يحبّ أن يقضي أوقاتاً سعيدة في مقاهٍ أو مطاعم لا يعرفه فيها أحد. شعوره يكون مختلفاً حين يكون في مقهى أو مطعم يوجد به من يعرفه، ممن قد يدفعهم الفضول للتحلق حوله أو المجيء لتحيّته، واستدراجه لحوارات بطرح أسئلة أو استفسارات عليه هو في غنى عنها في تلك اللحظة.
رجل مثله لا تنقصه الشهرة ولا اهتمام الآخرين. ليس بحاجة لأن يكون محطّ الأنظار في أوقات يريد أن يملكها وحده، أو بمعيّة من ينتخب من الأصدقاء الذين يجد متعة في مسامرتهم ومنادمتهم، ولا نحسب أن ماركيز أدرك الزمن الذي باتت فيه كاميرات الهواتف النقّالة توثق كل شاردة وواردة، إلى درجات تبلغ أحياناً حدّ الهوس، وإلا كيف كان سينجو من شغف المعجبين بالتقاط صور «سيلفي» معه لو صادفوه في مطار أو مطعم أو مقهى؟
أفصح ماركيز عن حبّه لأن يكون في أمكنة لا يعرفها فيه أحد في محاوراته مع ميجيل فرنادنيز براسو، التي نشرت في كتاب «عزلة جابرييل ماركيز»، في سياق حديثه عن ذكرياته في إسبانيا، التي قال إنه يشعر حين يكون فيها بالارتياح، شأنه في ذلك شأن كل من وصفهم بإسبان أمريكا، قاصداً من أتى أجدادهم إلى بلدان أمريكا اللاتينية، حيث لا يشعرون وهم فيها بأنهم غرباء. «نحن هنا مع قومنا» – هكذا قال.
وفي الحديث أتى على ذكر شغف «إسبان» أمريكا اللاتينية بمشاهير الكتاب الذي وصفه ب «هستيريا حقيقية»، يذكّر بولع الإسبان في إسبانيا نفسها بلاعبي كرة القدم. وعن الأخيرين أعطى مثلاً عن صبيّة طلبت من لاعب كرة قديم شهير أن يُوقع باسمه على ذراعها، وبعد أربعة أيام جاءت «المجنونة»، كما وصفها ماركيز، لتودع اللاعب وذراعها لم تغسل بعد كي تحفظ التوقيع، بل إنها سألت مصوراً عما إذا كانت هناك طريقة لإبقاء التوقيع كوشم على ذراعها.
ولأن الحديث عن ما الذي تعنيه إسبانيا بالنسبة له، فإنه أتى على ذكر «التأثير الأندلسي» خاصة. وعن ذلك قال أشياء قليلة لكنها مهمة، بينها أن قرطبة بهرته، كسائح، أكثر من سواها. وقال أيضاً شيئاً آخر ذا مغزى عن الأندلسيين الذين هاجروا إلى أمريكا اللاتينية، قائلاً إنهم أتوا بعد الغزاة الأوائل، وتميزوا عنهم بأنهم لم يأتوا، كالسابقين، بحثاً عن مناجم الذهب، وإنما «كانوا يسعون إلى العيش بجنون»، بحثاً عن حياة أكثر إثارة ودفئاً.
برأي ماركيز أن تأثير هؤلاء الأندلسيين المهاجرين على مجموع من أتى أجدادهم من إسبانيا إلى القارة الأمريكية الجنوبية كان «عظيماً دون ريب».
قرطبة التي بهرت ماركيز
هذا المقال يحتوي على 363 كلمة ويستغرق 2 دقائق للقراءة
