عندما غادرت الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية، بعد إقامة فيها استمرت شهراً كاملاً، لم أكن أفكّر في الكتابة عن هذه الزيارة العائلية - السياحية.
لم أفكّر في الكتابة لأنّني اعتبرتُ أنّ ما اختبرته، خلال هذا الشهر، كان جديداً، بالنسبة لي، ولكنّه قد يكون "عادياً"، بالنسبة للآخرين، ولكنّني تفاجأتُ بنوعية الأسئلة التي تلقيتها من أهلي وأصدقائي ومعارفي، عمّا رأيتُ واختبرت وشعرت.
وراح بعض هؤلاء، وهم من أهل مهنة الصحافة والكتابة، يحثّني على أن أدوّن ما رأيتُ في الرياض وأنشره.
بعد تردّد لأيّام، ها أنا أفعل.
خلال إقامتي في الرياض، لم يسعفني الحظ في لقاء أيّ سياسي سعودي. جمعتني الظروف بعدد من العاملين في الحقل الصحافي، أذكر منهم رئيس تحرير صحيفة "الرياض" المكلّف هاني فريد وفا، الذي كان مميّزاً، بكل ما للكلمة من معنى، إذ خصّص لي وقتاً غالياً، خصّصه ليشرح لي كل ما كان يلتبس عليّ، كما التقيتُ بشخصيات عاملة في الحقل الدبلوماسي، ساعدتني على أن أرى بعيون "غربية" هذه العاصمة الشرقية، ولم تبخل عليّ إقامتي في الاجتماع بمواطنين سعوديين، من مختلف شرائح المجتمع، بالإضافة طبعاً الى عدد وافر من أبناء الجالية اللبنانية العاملين في العاصمة السعودية، سواء كانوا عمّالاً أو مستثمرين أو موظفين كباراً في حقول عدّة.
أمضيتُ معظم وقتي في التنقل من مكان الى آخر، برفقة علامات الاستفهام، وأحياناً، بمعية علامات التعجّب. لقد تعرّفتُ على كثير من معالم الرياض السياحية والتجارية والإنمائية والاجتماعية.
بيروت حاضرة، بقوة، في الرياض كما هو حضور غيرها من عواصم العالم الأوّل. مطاعم لبنان الأبرز تجاور أبرز مطاعم اليابان وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، وكذلك حال قيادات الشركات الناجحة، سعودية كانت أو أجنبية.
هواجس اللبنانيين مختلفة عن هواجس زملائهم من الجنسيات الأخرى. اللبنانيون، على الرغم من التطمينات الرسمية السعودية، يخشون أن تصيبهم، في ليلة ليلاء، تلك الأزمة التي عصفت ببلادهم ولا تزال، وأدّت الى تدهور نظرة القيادة السعودية الى قياداتهم السياسية. زملاؤهم من الجنسيات الأخرى، لا يعتريهم هذا الهم، فجلّ ما يشغل بالهم أن ينجحوا في أداء الوظائف التي انتقلوا الى الرياض من أجلها. الأميركيون والفرنسيون، مثلاً، لا يشغلهم أيّ هم سياسي عن همومهم المهنية. يعرفون أنّ قياداتهم تضع مصالحهم في قائمة أولوياتها، وهذا ما تأكدت منه، خلال شهر إقامتي، فالمسؤولون الأميركيون لا يتوقفون عن الكلام عن مصالح السبعين ألف أميركي الذين يعملون في المملكة العربية السعودية، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اصطحب طموحات الفرنسيين المقيمين في المملكة معه الى جدة، حيث عقد اجتماعات وصفها بالناجحة جداً مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
ولكنّ اللبناني "مفطور" على التعايش مع القلق والهموم، ولهذا، فهو يعمل بلا هوادة، وقد ضاعف جهده، حتى تغطي النوعية التي يقدّمها كل السيئات السياسية التي يمكن أن تصيبه.
جميع السعوديين الذين التقيت بهم، إلى أيّ طبقة أو فئة انتموا، يحبّون الشعب اللبناني ويستلذون مطبخه ويحترمون جهده ويقدّرون ذكاءه. لا يحمّل هؤلاء اللبنانيين العاملين لديهم وزر السياسة اللبنانية التي يستاؤون منها. ثمّة استفسار يتردّد على لسان غالبية هؤلاء السعوديين منطلقه الذهول: كيف يعقل لشعب يتمتع بالمواصفات الإيجابية التي يتمتّع بها اللبنانيون أن يسمح بتسليم بلاده الى هذه النوعية من الحكّام؟
قليل من الشرح عن ظروف لبنان وتأثيرات الخارج عليه، منذ عقود طويلة، لا يُلغي الذهول السعودي ولكنّه يُخفّف من حدّته، إذ إنّ لبنان، منذ أمد طويل، لم يتمكّن من أن يحكم نفسه بنفسه، بل طالما جعلته الظروف محكوماً من غير اللبنانيين.
ومنذ سنتين، وعلى الرغم من القيود الصارمة التي فرضتها جائحة "كوفيد- 19"، ارتفع عدد اللبنانيين العاملين في المملكة العربية السعودية عموماً والرياض خصوصاً، حتى بتّ، في بعض الأحيان وبعض الأماكن، تحسب نفسك في لبنان، لكثرة اللبنانيين الذين تصادفهم.
في أبرز محطات "موسم الرياض" الذي يحوّل ليالي العاصمة السعودية الى احتفال دائم، وتحديداً في "بوليفار الرياض"، تعتقد، لوهلة، أنّك في وسط بيروت، في زمن عزّه: المطاعم والمقاهي و"علب الليل" الراقية التي كنت تأكل فيها وتدخّن النرجيلة وتطرب وتتمتّع، تتربّع هناك.
هذا المشهد الذي ترعاه "هيئة الترفيه" التي يترأّسها المميّز تركي آل الشيخ، إذا ما أُضيف إلى كثير من المشاهد الأخرى، لا يتركك تتفاعل كثيراً مع النظريات التي طالما سمعتها عن ابتعاد المملكة العربية السعودية عن لبنان، كالقول، مثلاً، إنّ الجيل السعودي الشاب لا يعنيه لبنان خلافاً لما كان عليه الجيل السعودي السابق.
هذا المشهد يجعلك تشك بصوابية هذه "النظرية"، فلبنان يستقطب، بقوة، الجيل السعودي الشاب، وهو لا يمكن أن يخرجه من قائمة عواطفه، بدليل أنّك، في بعض الأحيان، تحتاج الى ساعات، لتجد طاولة متوافرة، في كل مكان ترتفع عليه راية من رايات لبنان أو اسم من أسماء لبنان.
إنّ المشاهد الكثيرة في الرياض، تظهر لك أنّ الطبقة السياسية اللبنانية تحاول أن ترمي كثيراً من التبريرات حتى تُخفّف عنها وطأة الدفع بالعلاقات السعودية - اللبنانية الى مستويات سيئة.
من الواضح أنّ هذه الطبقة الحاكمة، عجزت عن حماية العلاقات اللبنانية - السعودية كنتيجة لفشلها في حماية اللبنانيين في بلادهم، بحيث حوّلتهم الى وقود لأجندة حربية لا ناقة لهم بها ولا جمل.
وحده دويّ تشظي ذاك الصاورخ البالستي الذي يرسله حوثيو اليمن في فضاء الرياض يجعلك تفهم أكثر الصلابة السعودية في التعاطي مع لبنان الذي، بدل أن يكون متأهباً للدفاع عن عاصمة عربية طالما كانت مصدر خير لبلاد الأرز، تجد فيه من يصطف الى جانب من يُحاول إرسال شبح الموت الى عاصفة قرّرت أن ترفع عالياً لواء الحياة.
لم يسبق أن تعرّفت على الرياض، ولكن جميع من فيها يجزمون أنّها عاصمة تجدّد شبابها، تنطلق الى آفاق جديدة، ولا تواكب التطوّر فحسب بل تعانقه أيضاً.
كيفما اتّجهت تجد ورشة ضخمة: التجمّعات السياحية مثل "يو ووك" و"ذا زون" و"التحلية"، والأحياء العصرية مثل "مركز الملك عبد الله المالي" و"المدينة الرقمية"، والمناطق المميّزة مثل "حي السفارات".
هذه العاصمة، وفق الميزانيات المخصصة والمشاريع الموافق عليها، تختلف عمّا كانت عليه قبل سنتين، وهي ستكون مختلفة أكثر بحلول عام 2024، وثمّة من يضرب لك موعداً مع الذهول في عام 2030، وهو الموعد الذي ضربته خطة الأمير محمد بن سلمان الشهيرة لمملكة يمكنها أن تعيش من دون مردود ثروتها النفطية.
حالياً هي مدينة ضخمة بواحات غنّاءة كثيرة. قريباً، ستحوّل نفسها الى واحة ضخمة: تطوير الأحياء على اختلافها قيد العمل أو التخطيط. شبكة الميترو دخلت في مرحلتها التجريبية. شبكة الباصات المكمّلة لشبكة الميترو بدأت تدخل، رويداً رويداً، الى اليوميات.
حداثة الرياض لن تكون على حساب أصالتها التاريخية: زيارة واحدة لحصنها كما للدرعية، ونظرة واحدة الى نخيل عرقة تؤكّد لك ذلك.
(في الحلقة المقبلة: ماذا تغيّر في يوميات أهل الرياض؟)
