تتلخص «نكبة البرامكة» التاريخية في قصة أُسرة «برمكيان»، التي وحدها هدف واحد وهو التسلّط التدريجي على السلطة في العصر العباسي، من خلال نوافذ البلاط المحيطة بالخليفة هارون الرشيد، بغية الاستيلاء على ثروة البلاط المالية والانقلاب لاحقاً على الخليفة وبلاطه.

بلغ الحد في «البرامكة» إلى ظهور لافت للثروة والسلطة والنفوذ، التي تمكنوا من الوصول إليها بسبب انشغال الخليفة العباسي في الملذات وكثير من الأمور الهامشية والمظاهر الشكلية، مما أدى إلى تمكن البرامكة من تنفيذ مشروع التسلط والاستحواذ على السلطة والمال.

كانت غاية وهدف البرامكة تكمن في القضاء على وزراء الخليفة العباسي هارون الرشيد والتحكّم ببلاط العرش والخلافة من خلال مخطط إقصاء المقربين للخليفة العباسي واستبدالهم بموالين للبرامكة لاستكمال مخطط الاستيلاء على عرش الحكم.

سرعان ما التفت الخليفة هارون الرشيد إلى تلك الغايات التي استهدفت بلاط الحكم والعرش العباسي، مما أدى إلى القبض على مجاميع البرامكة والموالين لهم ومن ثم إعدامهم، وكان من أبرز هؤلاء جعفر البرمكي.

ليس الهدف من الرواية المقتضبة لنكبة البرامكة السرد التاريخي، وإنما التعلم والاستفادة من دروس التاريخ سياسياً في هذا الزمان العربي العابس، إذ إنني لست مصدراً للتاريخ ولا أجرؤ على ادعاء المعرفة التاريخية في عصور مضت، لكنني أقوى على التفكر.

ثمة العديد من الأمثلة والوقائع التي يمكن سردها من واقع الوضع العربي وربطها مع «نكبة البرامكة»، إلا أنني سأتجاوز ذلك مرغماً وليس مجبراً بسبب طبيعة المحاذير القانونية قبل السياسية، التي يمكن أن تضعني وراء غياهب السجون ودعاوى لا طائل لها.

لم نعد نلمح القفز على السلطات والتشابك بينها، بل بات الأمر عسيراً في تحديد الحاكم الفعلي في بعض البلدان العربية نتيجة توغل وتغوّل سلطات حزبية وشخصية وأسرية وبلدان أخرى، كإيران و«حزب الله»، في مفاصل دول عربية . نواجه تحدياً سياسياً غير مسبوق تاريخياً في تسلّط بعض القوى السياسية والاقتصادية، ممثلة في بعض الشخصيات، التي باتت تمتلك أكثر من سلطة بين يديها حتى بدت غامضةً هوية الحاكم الفعلي!

جل ما نخشاه من نكبة البرامكة الجدد فقدان بعض الأنظمة العربية، التي نهضت بناء على توافق ووفاق سياسي واجتماعي دستوري، فالرجوع إلى برامكة اليوم في شؤون البلاد والعباد لابد أن يفجّر الانشقاق الشعبي والانقسام السياسي وربما فقدان العروش عموماً.

التاريخ مليء بالعبر والدروس، وليس المطلوب سوى الفصل بين السلطات، وقطع الطريق على البرامكة الجدد، فدمار الأوطان سهل جداً على عكس البناء والنهوض فيها.