لا أتصور أن هناك خيالا يضاهي الخيال الرسمي الكويتي.. خيال يلد آخر كل عام مع ذكرى الغزو العراقي وعيد التحرير.. بهرجة إعلامية وبذخ في الاحتفال بذكرى عيد التحرير والعيد الوطني، فالحكومة هي أساساً أسيرة دائرة الخيال والعجز عن المواجهة للواقع السياسي.
يواصل رئيس الحكومة صباح الخالد تجاهل ما اقترفه شخصياً من عمل غير دستوري في طلب التحصين من الاستجوابات المستحقة دستورياً ومن «المزمع» منها، والتصويت وقوفاً على الميزانية العامة بحجة جلوس النواب في مقاعد الوزراء، وهي مقاعد حكومية عرفاً وليس دستورياً!
يتعين على رئيس الوزراء صباح الخالد بأنه لا معنى للسياسة والوطن من دون الشعور بالمسؤولية الدستورية والمحافظة على مكتسبات دستورية تاريخية، فخضوعه لإرادة الغير بشكل مباشر أو غير مباشر تصبح فيه الادارة الحكومية معرضة للتدمير وليس البناء والتطوير.. إدارة طاردة للمواطنة والانتماء!
ليس من الصواب السكوت عن فقدان المجتمع لهويته الوطنية وأن يفقد المواطن أمنه وشعوره بالاستقرار السياسي والانتماء للبلد.. فإنتاج الجهل ليس بمصلحة الكويت وأهلها والمستقبل المنتظر.. الولاء والوطنية ليسا في دغدغة مشاعر المواطنين والاتفاقات مع نواب حكومة الظل!
تتجدد ذكرى مؤتمر جدة الشعبي في أكتوبر كل عام، فالمؤتمر أنقذ الكويت وطناً ونظاماً من الغزو العراقي عبر اصطفاف كل القوى السياسية والأطياف الاجتماعية مع القيادة السياسية الشرعية بأفضل الصور وأبلغها.. لكن تمر الذكرى من دون وقفة حكومية تستوعب اهميتها التاريخية.
منذ تحرير الكويت في 1991 والكويت تمر عليها ذكرى الغزو ومؤتمر جدة الشعبي من دون مواجهة حكومية جادة في تحمل المسؤولية ومواجهة الواقع من خلال الاتصال بشكل هادف مع الشعب الكويتي والاكتفاء بشغف الوعود الواهمة والبيانات الإنشائية!
ثمة تقصير رسمي، بل تجاهل لا لبس فيه في ذكرى الغزو العراقي ومؤتمر جدة الشعبي، في حين تتباهى الحكومة بالاحتفاء بحضور رئيس الحكومة صباح الخالد في العيد الوطني وقليلاً منه في عيد التحرير!
مضى على مؤتمر جدة الشعبي ثلاثة وثلاثون عاماً، ولم نلحظ مبادرة رسمية تحتفي حكومياً بهذا المؤتمر التاريخي، بالرغم من أهميته المحورية، كويتياً ودولياً، وهو ما يثير استفهامات مشروعة حول هذا الموقف السياسي المبهم والمجهول الهدف!
يجب على رئيس الحكومة صباح الخالد إدراك أن المواطنة والانتماء لا ترسخهما بهرجة بذخ الاحتفالات بالتحرير ورفع الأعلام وترف الحياة، وإنما بالأفعال الوطنية وليس الشكلية، فالكويت تزدان بتاريخها الدستوري وحجم المحافظة الرسمية عليه.
حدد الدستور الكويتي الفصل الواضح بين السلطات الثلاث.. وهو ما يعني أن التنازل عن الصلاحيات التنفيذية أو تركها عرضة للتجاوز خطر داهم على الحكومة، ما يستوجب التصدي لأي عبث أو تجاوز لهذه الصلاحيات التنفيذية.
ينبغي على صباح الخالد إدراك مسؤوليته تجاه ما يحاك ضده، ويُروج ضد الشيخ احمد الفهد والشيخ عذبي الفهد وغيرهما، وما يتردد من وهم عن مؤامرات تحاك من «شقة لندن»، فالجميع من مكونات المجتمع الكويتي ولا يجوز التشكيك في الانتماء والولاء.
يجب على الحكومة تجنب ارتداء عباءة الدوغمائية، أي التأييد الأعمى لمطالب ومزاعم واتهامات وغض النظر عن مسؤوليتها تجاه ما يجري في الساحة السياسية.. فمن العبث أن يستمر سيناريو التشويه لتاريخ الدولة الدستوري ومستقبلها ومكونات المجتمع عموماً.
يتحمل صباح الخالد وحده الثمن السياسي لسكوته عن الترويج لمزاعم عن الشيخ أحمد الفهد وأخيه الشيخ عذبي في مجلس الأمة أخيراً، في حين لم يتردد بالاعتراض علناً الشيخ حمد جابر العلي.. فالسكوت يعني الموافقة المبطنة على ادعاءات لا أساس لها من الصواب.
ينبغي أن تتوقف الحكومة من التبجيل للمناسبات الوطنية شكلياً، والالتزام بحقيقة ذكرى الغزو والتحرير، حتى لو كانت مرة وصعب الاعتراف في كواليسها، فهي جزء من التاريخ البشري والكويتي بصورة خاصة.
