في فرنسا قبل ثلاثة أيّام، عندما "زلّ" لسان المرشحة الرئاسية مارين لوبين بعبارة فُهم منها أنّها لا تكن تقديراً خاصاً للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أدركت، وهي التي سبق لها أن أبدت، في العام ٢٠١١، إعجابها بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أنّها ارتكبت خطأ سوف يرتد سلباً عليها في صناديق الاقتراع، ممّا دفعها، فوراً، الى "تقويم" لسانها لتُطلق موقفاً يمتدح السلوك الوطني للرئيس الاوكراني.
ما حصل مع لوبن، ليس مثلاً من دون أبعاد مهمّة، إذ إنّه نموذج عن حالة عارمة تكاد تعمّ كلّ دول "الإتحاد الأوروبي" و"حلف شمال الأطلسي" وسائر الغرب و"أصدقائه" في العالم، ففولوديمير زيلينسكي لم يعد، في ضوء قيادته لمقاومة الغزو الروسي لأوكرانيا، مجرّد رئيس يقوم بما يمليه عليه واجبه بل أصبح رمزاً للبطولة، فهو، ووفق الصورة الخارجة من سِفر صموئيل الأوّل في "العهد القديم"، يجسّد "الفتى داوود" في مواجهة "رجل الحرْب العملاق جُلْيات".
هذه الصورة، وبغض النظر عن النتائج التي ستسفر عنها الحرب الروسية على أوكرانيا، تلقى هوى في الوجدان الغربي المتأثّر بما يسمّى الثقافة اليهودية-المسيحية، فزيلينسكي الآتي حديثاً الى رئاسة بلاده من عالم التمثيل التلفزيوني يواجه، بلا أيّ تردّد، فلاديمير بوتين المتحكّم منذ أكثر من عقدين بدولته الكبرى، بعدما كان قد أمضى ما يكفي من وقت في أعتى مدارس "الحرب الباردة": كا-جي-بي.
ومنذ الأوّل من آذار (مارس) الجاري لم تفترش سيرة زيلينسكي المفخّمة وأقواله المنتقاة كلّ وسائل الإعلام الغربية، فحسب بل أصبح أيضاً "النجم" الذي تستضيفه، بحماسة كبيرة، البرلمانات العالمية، فهو أطلّ، أمس خطيباً على غرفتي البرلمان الفرنسي، بعدما كان قد جال ب "زيّ الميدان" على البرلمان الأوروبي والكندي والبريطاني والأميركي والألماني والإسرائيلي والإيطالي و...الحبل على الجرّار!
هل يستحق زيلينسكي الذي ثبت أنّه، وخلافاً للتأكيدات الأميركية المتعاقبة، قد استخفّ بإمكان أن يأمر فلاديمير بوتين قواته التي تتجمّع على امتداد الحدود مع أوكرانيا بغزوها، كلّ هذا المديح وكلّ هذه الرّمزية؟
الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال تحتاج الى وقت، إذ إنّ التقييم الواقعي للأشخاص وقراراتهم يُترك، عموماً، لما بعد "حصر النتائج"، ولكنّ سلوك زيلينسكي المقاوم أذهل الغرب الذي اعتاد على مشاهد الرؤساء الهاربين من المواجهة الميدانية الخطرة، وكان آخر نماذجهم الرئيس الأفغانستاني أشرف غني الذي غادر بلاده سرّاً قبل أن يخرج منها أوّل جندي أميركي.
ومردّ الذهول الحقيقي أنّ قادة الغرب عموماً والإتحاد الأوروبي خصوصاً اعتادوا أن يُقدّموا كلّ أنواع التنازلات ويعقدوا كلّ أنواع الصفقات، من أجل أن يتجنّبوا المواجهات المكلفة بشرياً ومادياً، فوعودهم لشعوبهم يكاد يغيب عنها المعطى السيادي، لمصلحة برامج التنمية والرفاهية.
وقد قدّم قادة الغرب، بهذه الخلفية، كلّ أنواع التنازلات أمام فلاديمير بوتين.
وعلى الرغم من "انزعاجهم" من النهج الحربي لنظيرهم الروسي الذي تجلّى في الشيشان جورجيا والقرم وشرق أوكرانيا وسوريا ومالي وغيرها، وثبوت تدخّله المباشر، عبر "مرتزقته الإلكترونيين" و"مصارفه" و"طائفيته"، في شؤونهم السياسية الداخلية التي تهدف الى إضعاف أنظمتهم الديموقراطية وتحالفاتهم العابرة للمفاهيم الوطنية، لم يفعلوا شيئاً لتحقيق استقلاليتهم عنه على مستوى توفير مصادر الطاقة، على سبيل المثال لا الحصر، وهم، عندما اضطروا، سابقاً، إلى فرض عقوبات عليه، اكتفوا بتلك التي لا يمكنها أن تُغضبه أوتُقفل أبوابه في وجههم أو تحول دون أن يفرشوا السجّاد الأحمر له في أفخم قصورهم، كما هي حال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي استهلّ ولايته الرئاسية، قبل أقلّ من خمس سنوات، بفتح قصر فرساي له، بكل ما يقتضي ذلك من مراسيم التكريم والتبجيل.
ولا يُستبعد أن يكون الموقف الحقيقي لغالبية قادة دول الغرب من زيلينسكي شبيهاً الى حدّ ما بموقف مارين لوبن قبل توضيحها المديحي، ولكنّ اضطرارهم الى الإصطفاف خلف أوكرانيا، في محاولة لاستثمار تضحياتها الجسام، في احتواء "النهج الحربي" الذي أخذه بوتين الى مستويات غير مسبوقة، قد اضطرّهم الى التعامل مع بطل مسلسل "خادم الشعب"، وفق الإنطباعات الشعبية عنه، والناجمة ليس عن ضخّ إعلامي هائل لمصلحته، فحسب بل عن حاجة الغربيين أيضاً الى رؤساء أبطال يواجهون ويقاومون ويقودون ويتصدّون بصلابة ونجاح لمن أصبح يجسّد، بنظرهم، وانطلاقاً من فهمهم للحرب العالمية الثانية، هتلر عصرهم.
لا أحد يمكن أن يحسم مآلات الغزو الروسي لأوكرانيا، لكنّ الأكيد، إن استشهد فولوديمير زيلينسكي، فهو سوف يتكرّس أسطورة غربية، وإن نجح في التصدّي، فسوف يُصبح "ضمير العالم"، وإن هُزم، فسوف يكون درساً لا بدّ من أن يستخلص نتائجه قادة الغرب، ويعكسوها في ميزانيات دولهم العسكرية.
وبكل الأحوال، لقد أنجب السلوك العدائي الذي اعتمده فلاديمير بوتين في أوكرانيا بطلاً، في حين حوّل نفسه من شخصية كان الرأي العام الغربي ينقسم حولها، الى نموذج عن خطر حقيقي لا بدّ من شيطنته بدءاً بوسائل الإعلام وصولاً الى كتب التاريخ!
البطل الذي أنجبته عدائية بوتين!
هذا المقال يحتوي على 689 كلمة ويستغرق 4 دقائق للقراءة
