بالرغم من كل العثرات، والنواقص التي عانت منها جولة الرئيس جو بايدن الى المنطقة، بداية الى إسرائيل ومناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، ثم الى المملكة العربية السعودية، يمكن القول إن شيئاً ما قد تحقق على أكثر من مستوى وفي المقابل هناك الكثير مما لم يتحقق على أرض الواقع. والحقيقة أنه يمكن إيجاز بعض النتائج التي أمكن احصاؤها بعجالة، بصرف النظر عن الجوانب غير المرئية للنتائج التي سوف تتظهر في مرحلة مقبلة. فقد كانت الزيارة بشكل عام الى وجهتين، الاولى لإسرائيل، والثانية، لكن الأكثر أهمية، للمملكة العربية السعودية أولاً بهدف إصلاح العلاقات مع الرياض، الشريك الاستراتيجي العربي الأول للولايات المتحدة، التي تردت كثيراً منذ مجيئه الى البيت الأبيض قبل ثمانية عشر شهراً. وثانياً لإصلاح العلاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي التي تشكل حلقة واحدة وإن تكن لكل منها خصوصيتها، بعدما تراجعت العلاقات مع واشنطن بسبب السياسات عينها التي اتبعت منذ أن انتخب جو بايدن رئيساً. ولا بد أيضاً من الحديث عن مصر، وهي الدولة المركزية غير الخليجية، وكبرى الدول العربية التي عانت في علاقاتها مع إدارة الرئيس بايدن بالرغم من كون مصر حلقة محورية لنظام التحالفات الأميركية في المنطقة منذ خمسة عقود. 
 
الى  إسرائيل، أتى الرئيس بايدن لطمأنتها بأنه سيكون أكثر تصلباً، وحزماً في مواجهة البرنامج النووي الإيراني الذي يوشك أن يستحوذ القدرة على انتاج قنبلة نووية في مدى بضعة أشهر. لكن المشكلة أن بايدن استلهم سياسته الشرق أوسطية من إرث سلفة الرئيس باراك أوباما، حيث جرى إهمال علاقات أميركا مع الحلفاء في الشرق الأوسط، من أجل ما سمي بـ"الخيار الإيراني" الذي حوله أوباما الى أولوية الأولويات في واشنطن، معرضاً بذلك أمن الحلفاء القومي، ومصالحهم الحيوية لأخطار كبيرة، جراء غض الطرف عن السياسة العدوانية الإيرانية التي تفشت أكثر بعد التوقيع على الاتفاق النووي في العام 2015.
 
وبدل أن يشكل الاتفاق النووي الإيراني، بسعي أميركي جدي، مناسبة لضبط السياسة الإيرانية، وعقلنتها، عبر المكاسب والمزايا الاقتصادية التي حصلتها من خلال الاتفاق، مما أدى الى دخول عشرات مليارات الدولارات خزائنها، استغلت إيران هذه الأموال من دون أي ضوابط، من أجل تمويل سياستها العدوانية في المنطقة، واستيلاد عشرات الميليشيات المذهبية في العراق، وسوريا وتمويلها وتسليحها لخدمة أجنداتها. ولا يغيب عن البال تمويل الذراع الإيرانية الأكثر خطورة في لبنان، عنينا "حزب الله".
 
شكل التوقيع على "إعلان القدس" الأميركي – الإسرائيلي التزاماً اميركياً بعدم السماح لإيران بأن تمتلك سلاحاً نووياً. لكن بالرغم من ذلك لم يكتفِ الإسرائيليون بالإعلان، ولا بالزيارة لكي يُبدوا بشكل عام شكوكهم الكبيرة حيال سياسات الإدارة الأميركية الحالية إزاء الموضوع الإيراني. فالخيار العسكري الذي لطالما كان موضوعاً على الطاولة، حتى في عهد الرئيس باراك أوباما، سحب تماماً من التداول، في الوقت الذي يعرف فيه الأميركيون أن الإيرانيين لا يقدمون تنازلات جدية إلا عندما يشعرون بأن موازين القوى ليست في صالحهم.
 
في الوقت الحاضر، وبالرغم من أن إسرائيل تعتبر أن استحواذ إيران على القنبلة هو خط أحمر يستدعي منها عملاً عسكرياً، تبدو طهران مرتاحة لكون موازين القوى في صالحها في مكان ما، على قاعدة أن أي عمل عسكري تفكر فيه إسرائيل لن يكون ناجعاً بغياب الغطاء الأميركي، وهو غائب، ويرجح أن يكون في عهد بايدن خارج التداول حتى لو تكونت قناعة راسخة بأن إيران صارت في طور انتاج القنبلة بشكل سري. وهنا يعرف الإيرانيون أن إسرائيل مكبلة نوعاً ما لأنها إنْ استهدفت المنشآت النووية الإيرانية المعلنة والسرية، ستواجَه برد ليس من الأراضي الإيرانية نفسها فحسب، بل ستحرك طهران جميع أذرعها في المنطقة التي تمتلك قدرة إيذاء في المواجهة، بحيث تصبح إسرائيل أمام استحقاق صعب، ومعقد جداً. ومع ذلك يواصل المستوى الأمني الدفاعي الإسرائيلي العمل بجدية على برامج تدريب وتهيئة ليوم المواجهة الذي قد تضطر فيه تل أبيب لاتخاذ قرار كبير، تأمل في أن تتمكن من استدراج أميركا الى جانبها، متى فتحت عدة جبهات، وصارت الصواريخ تمطر من السماء فوق جميع المدن والمنشآت الإسرائيلية. هذا سيناريو "طوفاني" نوعاً ما لكنه سيناريو موضوع على الطاولة، ولا يجوز تجاهله البتة.
 
في خضم التحدي الإيراني الذي تواجهه إسرائيل، والحديث الأميركي خلال الزيارة الرئاسية عن حل الدولتين، تبقى المسألة الفلسطينية عالقة بين ضعف الرغبة الأميركية في الضغط جدياً على الإسرائيليين للذهاب الى مفاوضات سريعة للحل النهائي مع الفلسطينيين على قاعدة الأرض مقابل السلام، وإحياء المبادرة العربية التي طرحها الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة بيروت قبل أكثر من عقدين، والرفض العميق في الوسط السياسي الإسرائيلي برمته لأي تسوية للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الذي يقوم منطقياً على قاعدة منح الفلسطينيين الحد الأدنى من الأرض، والحق في إقامة دولة كاملة الاوصاف. وهكذا بين المواقف اللفظية الأميركية والتعنت الإسرائيلي سيبقى الموضوع الفلسطيني القنبلة الموقوتة القابلة للانفجار المرة تلو الأخرى.
 
وفي النهاية لا في المحطة السعودية حيث قمم جدة المهمة جداً، أراد منها الرئيس جو بادين أن يصلح الأضرار الكبيرة التي أنزلها بالعلاقات مع السعودية، وعدد من الدول العربية. طبعاً لم يكن بايدن أول من ألحق الاضرار بالعلاقات. سبقه أوباما، لكن  بادين كان نائبه آنذاك. ومذذاك كان خيار الرئيس أوباما متهوراً وسطحياً عندما توهم أنه سيقرب إيران بنظامها الحالي من واشنطن. وكم كان الوسط الاستشاري المحيط بأوباما سيئ النية لناحية التفريط بعلاقات تاريخية وراسخة مع دول وقوى رئيسية في الشرق الأوسط على مذبح الأوهام الإيرانية. أكثر من ذلك كان استعداء القيادة السعودية بالشكل الذي حصل في خلال حملة الانتخابات الرئاسية، ثم ترجم في السلطة منذ اليوم الأول من الولاية الرئاسية في مطلع 2021، عملاً متهوراً للغاية، واتخذ طابعاً شخصياً غريباً ضد أحد أركان الحكم السعودي، وانعكس في العديد من المجالات، وشكل في وقت من الأوقات تهديداً لأمن المملكة التي كانت تعتمد بشكل رئيسي على الشراكة الدفاعية مع الولايات المتحدة. ليس هنا مجال الخوض في مسار الاضرار التي ألحقت بالعلاقة. بل من المهم الإشارة الى أن الزيارة كانت ضروية لطي صفحة الإضرار بالعلاقات مع السعودية وشركائها في الإقليم، وفي الوقت عينه للعمل بجدية على إصلاحها، وتنميتها على القواعد الجديدة التي باتت تتحكم بها اليوم.
 
 هنا للإضاءة على القواعد الجديدة يجدر بنا التنويه بمقال للسفيرة السعودية في الولايات المتحدة الأميرة ريما بنت بندر   @rbalsaud الذي نشرته صحيفة "بوليتيكو" الالكترونية الأميركية قبل يوم من وصول الرئيس بادين الى مدينة جدة، جاء فيه أن "الأيام التي كان يمكن فيها تحديد العلاقة الاميركية - السعودية من خلال نموذج (النفط مقابل الأمن) الذي عفّى عليه الزمن قد ولت منذ وقت طويل". وأضافت: "أن السعودية اليوم بالكاد يمكن التعرف إليها من الشكل الذي كانت عليه في السابق حتى قبل خمس سنوات". وأوضحت: "أن السعودية لم تعد رائدة في مجال الطاقة فحسب، ولكن في الاستثمار والتنمية المستدامة".
 
هذه قراءة مختلفة للعلاقات التي كان العديد من مستشاري الإدارات الأميركية المتعاقبة لا يلتفتون اليها. ثمة جديد في السعودية والإمارات، وبقية الشركاء في المنطقة. وهذا ما يجب أن يعيه المسوؤلون الأميركيون الذين كان يجب أن يدفعوا بالرئيس جو بايدن الى القيام بهذه الزيارة قبل الحرب الروسية على أوكرانيا، حتى لا تبدو في أحد جوانبها وكأنها زيارة استلحاقية لتجميع الحلفاء بمواجهة روسيا بوتين، والتحضير للتنافس الاستراتيجي مع الصين.
 
لقد حققت  الزيارة في مكان ما نقلة الى الإمام في الشراكات الإقليمية التي يجري العمل حولها. نفى المسؤولون السعوديون وفي مقدمهم وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان أن يكون قيد البحث "حلف ناتو" شرق أوسطي، لكن هذا لا ولن يمنع (حسب بيان جدة)  قيام تعاون في مجال الدفاع البحري. ومع استعادة السعودية جزيرتي تيران وسنافر، وفتحها اجواءها أمام جميع الشركات العالمية (الإسرائيلية ضمناً) ينطلق مسار لعلاقات استراتيجية مع إسرائيل مشروطة بحل نهائي للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. لكن في الاثناء يتوسع نطاق الشراكات الإقليمية الذي تشكل إسرائيل طرفاً فيه، وليس أدل إلى ذلك بدء تلاشي الحواجز النفسية التي تحول دون ذلك. وقد كان لافتاً الاجتماع عبر تقنية الفيديو الذي سبق قمة جدة بيوم واحد، بين الرئيس بايدن وقادة الإمارات، إسرائيل، والهند مؤشراً إلى أن المنطقة تتحرك بسرعة نحو مجموعة شراكات، وأحلاف  اقتصادية، وتكنولوجية تتقاطع في ما بينها. المهم أن تكون زيارة الرئيس الأميركي، الذي عاد الى واشنطن، قائمة على وعي بالمتغيرات التي طرأت في السنوات العشر الأخيرة، المهم هو اليوم التالي.