شكا رئيس "التيّار الوطني الحر" جبران باسيل رئيس المجلس النيابي نبيه برّي إلى الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله، لأنّه أصرّ، في خطابه بمناسبة الذكرى السنوية لاختفاء الإمام موسى الصدر، على أنّ عدم سلوك الغاز المصري والكهرباء الأردنية دربهما "المنيرة" إلى لبنان "المظلم"، لا يعود إلى "حصار أميركي"، كما تزعم دعاية "حزب الله"- "التيّار الوطني الحر"، بل إلى الامتناع عن تشكيل الهيئة الناظمة للكهرباء، وفق ما سبق أن أكّده، بالوثائق والأدلة، "البنك الدولي" المعني بتمويل هذه العملية التي طال الزمن عليها.
قبل شهر من ذلك، كان برّي قد كشف السبب وواكبه وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال وليد فيّاض، في زمن "الاستفاضة" في الضحك مع الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين الذي سبق حلول استحقاق التدريب على رجم الجدار الحدودي مع إسرائيل بـ"حجر المقاومة"، ولكنّ جبران باسيل، يومها، لم يستنجد بنصر الله، على اعتبار أنّ موقف برّي لم يكن قد اتّضح كليًّا حول المسألتين الحكوميّة والرئاسيّة، كما لم يكن "حزب الله" قد أوكل بَعْد "التفاوض" في الشأن الرئاسي إلى برّي.
وبما أنّ الظروف قد اختلفت، وبات رئيس مجلس النوّاب، بتفاهم سياسي مع رئيس الحكومة المكلّف نجيب ميقاتي ورئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، وبتلاق موضوعي مع رئيس "حزب القوات اللبنانية" سمير جعجع وآخرين، يشكّل عائقًا كبيرًا أمام طموحات باسيل، كان الاستنجاد بنصر الله لمساعدة "ولي عهد ميشال عون" على تخطّي العقبات التي يضعها "العميل الأمبريالي" في طريقه، ضروريًا!
ولن تُحزن نصر الله شكوى باسيل. العكس هو الصحيح، لأنّ الأمين العام لـ"حزب الله" يستاء جدًّا كلّما تراجع دوره كحَكَم بين المرجعيات في لبنان وأصبح طرفًا عاديًا في صناعة القرار الوطني.
ولهذا فإنّ نصر الله يحرص على "رعاية" باسيل، إذ لن يجد أكفأ منه في إثارة الانقسام الوطني وهدر الجهود السياسية، الأمر الذي من شأنه أن يُبقي الأمين العام لـ"حزب الله" في منصب "مرشد الجمهوريّة" نحو نظام بديل يقوم على ركام النظام الحالي.
وباسيل، بصفته الممثّل الحقيقي للحالة العونية، يبدو الأجدر في تهديم "الجمهورية الثّانية"، من دون أن يكون مؤهّلًا لصناعة "الجمهورية الثالثة" التي يعرف الجميع أنّ "حزب الله" قد "هندسها" بإتقان بعدما أنجز "لبنَنة" نموذج "الجمهورية الإسلامية في إيران".
وإذا سارت الأمور على ما هي عليه راهنًا، فإنّ آمال "حزب الله" في الوصول الى "الجمهورية الثالثة" سوف تبدأ بتجسيد نفسها، مع حلول موعد الاستحقاق الرئاسي، في الحادي والثلاثين من تشرين الأوّل( أكتوبر) المقبل.
ذلك أنّ المعايير التي وضعها رئيس الجمهورية ميشال عون لتشكيل حكومة العهد الأخيرة تتناقض كليًّا مع المعايير التي وضعها الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي، بالتوافق مع أطراف سياسية مؤثّرة، الأمر الذي من شأنه أن يُديم حكومة تصريف الأعمال حتى نهاية العهد.
وبما أنّ "التيّار الوطني الحر" يصرّ على اعتبار حكومة تصريف الأعمال هذه لا تملك المؤهّلات الدستوريّة لملء الشغور الرئاسي، فإنّه يجهّز نفسه لـ"حقبة التمرّد" التي يمكن أن تأخذ أوجهًا كثيرة، من بينها، على سبيل المثال لا الحصر، إبقاء الرئيس عون في القصر الجمهوري، في ظلّ انقسام يأخذ مدى طائفيًا.
والنقطة الفاصلة في هذا المسار التهديمي لـ"الجمهوريّة الثّانية" تكمن في منع انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة، ضمن المهلة الدستوريّة، وهذه مسألة يتولّاها باسيل بالتعاون مع "حزب الله"، إذ إنّ "حزب الله" لن يقبل برئيس جديد لا يأخذ مصالح "التيّار الوطنيّ الحر" بالاعتبار، من خلال شراكة كاملة في السلطة التنفيذيّة، فيما باسيل لن يُرضيه أيّ اسم تتوافق عليه القوى السياسيّة التي يُنسّق بري في ما بينها، وما المحاولات التي نجحت كلّيًّا أو جزئيًّا في حرق اسمي الوزير السابق سليمان فرنجية وقائد الجيش اللبناني العماد جوزف عون، سوى... البداية!
وسوف تكون هذه المرحلة مليئة بالطروحات الفوضويّة، مثل الدعوة إلى انتخاب رئيس الجمهوريّة من الشعب.
وهذا طرح سبق أن قدّمه عون منبريًّا، عندما كانت آفاق الرئاسة مغلقة أمامه، ولكنّه، في مرحلة رئاسته "نسيه" دستوريًّا، ليستفيق عليه باسيل، في الأيّام القليلة الماضية.
ويتجاهل هذا الطرح الانتخابي الورشة الدستوريّة الطويلة والمعقّدة التي يتطلّبها على كلّ المستويات، بما في ذلك أخطرها عل الإطلاق، في بلد تعملقت فيه الطائفية عن "عمد سياسيّ": إعادة توزيع الصلاحيات الرئاسية والوزاريّة والنيابيّة.
ولكنّ إعادة طرح هذا التعديل الدستوري الجوهريّ لا يتناقض مع هدف تهديم "الجمهورية الثّانية" الغالي على قلب "حزب الله" الذي يريد أن يبني لبنان جديدًا يتلاءم مع "وجود المقاومة"، كما قال وكرّر كبار الناطقين باسم هذا الحزب المسلّح حتى أسنانه!
وبما أنّ المجتمع الدولي "غارق" في الصراع على النفوذ بين الولايات المتّحدة الأميركيّة، من جهة، والصين وروسيا من جهة ثانية، وبما أنّ "الاتّحاد الأوروبي" يعيش هاجس شتاء قارس في ظلّ غلاء الغاز الفاحش، وبما أنّ الموارد السياسية والماديّة للغرب تُصرف في دعم المقاومة الأوكرانية، وبما أنّ الدول العربيّة معنيّة بالتصدّي للهيمنة الإيرانية، وبما أنّ الشعب اللبناني يصرف جهده على هاجس "السلّة الغذائية"، فإنّ الظرف يبدو مؤاتيًا للانقضاض على "الجمهوريّة الثّانية" والتخلّص منها، نهائيًّا.
في هذه الحالة، يستحيل أن توفّر الظروف لـ"حزب الله" عاملًا مساعدًا أهم من جبران باسيل الذي لا يعتبر أنّ الشكوى لنصر الله... مذلّة!
