الإعلام، شأنه شأن أي نشاط يمارسه الإنسان بمقتضى الحاجة، له انطلاقة تاريخية، له ولادة. ولادة الإعلام يمكن تعقب الطريق التاريخي إلى محطاته الزمنية من خلال السير إلى الوراء وتحسس محطات التطور التي صاحبت الإعلام. المنعطفات التاريخية النوعية في النشاط الإعلامي تتمحور حول ثلاث، وهي التنظيم والأدوات والاهداف. تنظيميًا كان تأسيس الدولة محطة نوعية احتكرت فيها الدولة النشاط الإعلامي، والأدوات من ابتكار الكتابة إلى الكتاب، ما يسر نقل المعلومات والاوامر العليا للدولة وتبادل المعلومات والمعارف بين الناس في المجتمع، والهدف من نقل المعلومة بصيغتها الخالصة إلى التلاعب بالمعلومة بغية التشويه ومن ثم التشويش، وكان لتطور علم النفس وتكنولوجيا الرقمي دور كبير في هذا التحول في الأهداف. بغض النظر عن التنظيم والأدوات، فإن الهدف هو الأساس، وهو المبتغى. من علم النفس استخلص الإنسان الحرب النفسية، ومن تكنولوجيا الرقمي وسع الإنسان كامل مجال الإعلام، من أدوات واهداف، ليكون مشاعًا وتحت تصرف جميع الأفراد في المجتمع على المستوى العالمي، فاختلط الحابل بالنابل بين المرسل والمستلم، فصار الجميع بإمكانه أن يكون المرسل والمستلم والناقل.. ظاهرة شيوع الإعلام، وبمعنى أدق، شيوع أدوات الاستلام والتناقل، لأن هذا هو المطلوب من الجهات التي تستهدف الجماهير وتهدف إلى تفتيت آرائها وإرباك مواقفها، وبالنتيجة دفعها إلى التلاطم والفوضى.

عندما يرى الإنسان أن بيده جهاز (أداة إعلامية) يستطيع من خلاله الدخول إلى مواقع متعددة ومختلفة، من ترفيهية غنية بالمغريات وعقائدية مشبعة بالكراهية وسياسية تحريضية، فإنه ينشغل عن المصادر الاصيلة العقلانية والنزيهة التي تعنى بشؤون المعرفة والعلم والثقافة، ويبتعد عن كل ما هو عقلاني إلى كل ما هو مثير ومحرك للعواطف السلبية. أمام هذا الحشد الجماهيري الكبير، هناك مراكز قيادية توجيهية تفكر وتخطط وتكون المواد الإعلامية بغية توجيه الجماهير، التي تتحول يومًا بعد يوم إلى ضحايا لمواد إعلامية مخطط لها مسبقًا، ولأهداف خاصة لاعلاقة لها بمصالح وحقوق الجماهير. مراكز تكوين وتشكيل المواد الإعلامية، التي تستهدف الجماهير، عديدة ومختلفة ومتناقضة، وهي في حالة حرب إعلامية. دول ومنظمات وأحزاب وتجار وكبار رجال الاعمال، كلها تمتلك قواعد لبث موادها الإعلامية مستهدفة توجيه الجماهير إلى وجهة معينة أو ارباكها، وهؤلاء يخوضون حربًا إعلامية جنرالاتها إعلاميون متخصصون وجنودها الجماهير التي جردت من إرادتها.. الإعلاميون يبثون المواد الإعلامية والجماهير نفسها تنشر تلك المواد، وهي مواد تستهدف الجماهير ذاتها.. إنها فتنة بوجهين، وجه ناتج من الحرب الإعلامية، ووجه مخصص لزرع الفتنة، وزرع الفتنة كذلك فرع من حرب إعلامية. إعلام اليوم، رغم أن أدواته ووسائله هما نتاج تطور فكري عبقري وفي قمة الحضارة البشرية، إلا أنه أشبه بمصنع لإنتاج سلعة فاتنة فتانة تسمى الفتنة.

صناعة الفتن، أو زرعها، أو بتعبير أدق اشعالها، لأن الفتنة حرق متبادل بين الإنسان وأخيه الإنسان في البيت الواحد وفي المجتمع الواحد وفي الوطن الواحد، انها حريق لا تبقي أخضرًا ولا يابسًا.

سلاح فتاك يسهم بشكل فعال في تحقيق اهداف شريرة مبطنة دون الحاجة إلى استخدام أدوات العنف أو أدوات القوة والقهر أو الحرب التقليدية أو دبلوماسية الوعد والوعيد، وهذه الوسيلة أو السلاح قديمة قدم صراع الإنسان ضد الإنسان، وهي مرتبطة بالمصالح العليا، وفي جميع الدول وبين جميع الشعوب. طالما هناك مصالح غير شرعية تتخطى الخطوط الحمراء لحقوق الأكثرية أو لحقوق الشعوب الضعيفة، فإن صناعة الفتن تكون ضرورة مصلحية، تبيحها الانانية وتشرعن جميع أنواع الموبقات.. في العصور السابقة كانت الفتن تدبر على الأرض وبأدوات مادية، وكانت المهمة مكلفة وخطرة وقابلة للفشل. من اجل تفكيك المجتمع وجعله لقمة سائغة للأطماع الاستعمارية، وعلى سبيل المثل فقد كان الإنجليز في الهند يلقون القاذورات في المساجد ويتهمون الهندوس، ويلقون أبقارًا مذبوحة في معابد الهندوس ويتهمون المسلمين.. وهكذا استطاع الإنجليز أن يقسموا الهند الموحدة إلى هند مقسمة.. واليوم العداء المستفحل بين الهند وباكستان قضية من الصعب إيجاد حلول لها.

في عالمنا العربي والإسلامي يلعب الإعلام دور التحريض المتبادل بين اتباع المذاهب والأديان، وهذا يسهم، بتخطيط أو غير تخطيط، في بث الكراهية والحقد بين أبناء المجتمع الواحد والوطن الواحد، وعندما يتمزق المجتمع والوطن فإن كلفة الحياة تصبح باهظة وغير آمنة، بل وقابلة للاحتراب الداخلي. من السهل جدًا اليوم فبركة سيناريوهات مسرحية تنسب لهذا الجانب أو لذلك الجانب بغية إغاظة الطرفين وتأليبهم على بعض، والأدهى في هذه المؤامرات أن المواطن بمبادرة فردية من ذاته يسهم في المؤامرة بجهل مطبق منه عندما بنشر الفبركات على انها حقائق. الجهات التي من مصلحتها زرع الفتن لا تستطيع أن تنفذ مشروعها الإجرامي من جانبها منفردة، فهي في حاجة إلى بعض من أبناء الطرف المستهدف لتمرير وتسويق وتشويق الفتن.. الإعلام اليوم لا يعرض الحقائق، ولكن ينشر الأكاذيب ويلفق الحقائق من أجل اثارة الفتن.. يجب ان نكون حذرين حتى لا نكون ضحايا مؤامرات تحيكها جهات مصالحها مرتبطة بتفكيك الشعوب والأمم والأوطان، حتى يسهل ابتلاعها.

إعلام اليوم يؤدي مهمات تحرض على الكراهية وإشعال الفتن وتمزق المجتمعات وتصيب الإنسان الفرد بالكآبة وتفقده الاهتمام بالحياة.. إعلام اليوم، وعلى المستوى العالمي، مسخ له طابع مميز يفوق جميع أشكال المسوخ في التاريخ.

أدوات الإعلام ووسائلها اليوم هي نتاج عبقرية أرقى حضارة عرفتها البشرية، وهذا المنتوج الحضاري إن لم يتم احترامه وتقديره وتنزيهه عن الموبقات وإدارته بعقلانية، بمعنى عدم العبث به وعدم استخدامه أداة لحروب نفسية وعدم استثماره تجاريًا وعدم استخدامه لترويج الإثارة والمغريات، وإلا فإن البشرية ستدفع ثمنًا باهظًا يكلفها مصيرها.