ينتظر اللبنانيون في المساء الأخير من العام الحالي تنبؤات نجوم الفلك، وهم يعرفون سلفاً أنّ الويلات التي سيبتلون بها أفظع وأعظم بكثير مما يمكن أن تحمله التوقعات. الإشارات لا تحمل من الخير حتى فتات تفاؤل. الاشتباك السياسي وصل إلى حدّ استباحة كلّ المحظورات في قلة الأدب المتحكمة بالتخاطب بين أركان السلطة.
ما يعني أنّ لا لزوم لاستخدام حسابات الفلك للتوصل إلى مثل هذه التوقعات. على أي حال تمّت مصادرة الأسلحة الفلكية لضرورة المعركة، والتراشق بالنجوم بات بين أيدي السياسيين. ولا لزوم للاعتراض، فهذه الأسلحة تقتصر أضرارها على خدش الذوق العام، أو أنّها محاولة تضليلية لتجاهل الامعان في استخدام الأساليب ذاتها التي تؤدي إلى الموت المحتّم المقبل للبنان، من خلال جذب الانتباه إلى المعارك اللفظية الوهمية، ما دام المايسترو لا يزال يتفرج ويقدّم نصائح تذكرنا بما جرى، فتلبية دعوة رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي إلى جلسة وزارية يجب أن تستوفي شروط توصية «حزب الله» بأنّ «يبحث ميقاتي الأمر مع «التيار الوطني الحرّ» أولاً، ومن ثم يناقش الأمر مع «الحزب» الذي لن يمانع إن أفضى البحث إلى إيجابيات».
بالمختصر، وليّ الأمر ينصح أحد رعاياه بالتفاهم مع من يستحيل التفاهم معه، ليؤكد أنّ الدوران في الحلقات المفرغة مستمر في العام 2023، وما يقود إلى رمي كل المؤشرات المصطنعة عن بوادر خطط إنقاذية وحلول يبحثها بعض أركان المجتمع الدولي بشأن الأزمة اللبنانية.
ما يعني أنّ قواعد اللعب لا تزال على حالها منذ اتفاق الدوحة وممارسة النائب جبران باسيل ومعه عمه الرئيس السابق ميشال عون دورهما الهدام في شل المؤسسات الرسمية، ومن أعلى الهرم إلى قواعده المهترئة.
والأخطر في توقعات العام 2023 غير الفلكية أنّ تقنية تفريغ مؤسسات الدولة من أي حيثية فاعلة بموجب أصول العمل الإداري أصبحت قيد التنفيذ، بالتالي لن يقتصر نعيق البوم على كرسي الرئاسة، وإنّما سينسحب على المؤسسات العسكرية والأمنية والمالية والقضائية والدبلوماسيّة والإداريّة.
ويمكن للمنجّمين أن يجتهدوا ويبهروا من يستمع إليهم بأنّ لا مدير عاماً للأمن العام في المدى المنظور بعد وصول اللواء عباس إبراهيم إلى سن التقاعد، وللسبب ذاته لا رئيس للأركان في الجيش، وبالطبع لا حاكم لمصرف لبنان بعد انتهاء ولاية رياض سلامة، والحبل على الجرار.
هي فوضى عارمة يجرى الترويج لها ولا تحتاج إلى قارئ طالع من هنا ومسترزق يدّعي أنّه يخدم البشرية بتنبؤاته من هناك، في حين أنّ ما يرتكبه أهل السلطة من جرائم فعلية هو ما يخيف أكثر بكثير من المجهول والمغيّب مع تحوِّل الاستعصاء السياسي والدستوري إلى لعبة خطرة، لا يمكن توقع مساراتها ونهاياتها.
أيّ فلك ينفع مع التهديد المستمر بالعتمة الشاملة، والإرغام على الإقامة الجبرية مع صعوبة الحصول على جواز سفر، والصمت تسهيلاً للسرقة المشرعنة لتكاليف التخابر، مقابل الخدمة العاطلة، إن لجهة الإرسال أو لجهة الإنترنت، أو أدوية السرطان المزورة التي تؤدي إلى موت الأطفال، أو الانقطاع المستمر للمياه على الرغم من موسم الأمطار التي تغرق الطرق وتحولها بحيرات؟
بهذا المعنى، سيحمل المساء الأخير من العام الحالي محاكاة ساخرة تعكسها ركاكة التوقعات لنجوم العلوم الفلكية على الطريقة اللبنانية، مقابل تفاقم هموم المساكين الذين يقبعون بلا ضوء وبلا مستقبل، في حين يتم تقويض أسس دولة فقدت حيويتها وحيثيتها، وأصبحت حقيرة، يهتز تحتها كوكب الأرض الحقير بدوره وسط هذا الفضاء الهائل والمهدد بالانفجار بسبب رداءة اللاعبين. وربما قذارتهم. ومع هذه الوقائع سيطل العام 2023... يا للهول!
