السؤال: «لماذا يُقحم القلم الإبداع والتنمية والابتكار والتطور والنهوض... في الموسيقى، ما علاقة الموسيقى بهذه الأمور، فهي مجال مغاير؟». الجواب: المشكلة هي أن العناصر المذكورة لا تشكّل سوى جانب محدود من عناوين الدروس التي تحفل بها الموسيقى. لكن لا أيّ موسيقى، فالمقصود الموسيقى الجادّة العارفة العالمة، كمدرسة فيينّا الأولى، هايدن، موتزارت، بيتهوفن. المسألة ليست استلاباً وعقدة خواجة، فأشكال الموسيقى العربية، الإيرانية، التركية، الهندية، الصينية وما إليها، لا تتوافر فيها الخصائص الكاملة المطلوبة. لهذا على الموسيقيين العرب أن يمتلكوا كل نظريّ وتطبيقيّ في الموسيقى السيمفونية، وأن ينتهجوا سبلاً أكاديمية صارمة في اختبار العازفين وتأسيس الفرق، ورفع السقف حتى تنكشف القامات التي تتظاهر بالعملقة وهي دون الشبر. بعد ذلك هم أحرار في إبداع موسيقى عربية جادّة.

كثيرون هم الذين يرون غريباً الحديث عن الموسيقى حيث البحث في شؤون السياسة، الإدارة، حرية التعبير، الديمقراطية، التنمية... تلوح البراهين دامغة لأول وهلة، فتلك الميادين، في نظرهم، موقعها كليات العلوم السياسية والاجتماعية والبرلمانات، لا في معاهد الموسيقى.

أروع صورة لتوافق الديمقراطية وحرية التعبير، فرقة مكوّنة من عدد كبير من الآلات قد يتجاوز المئة بكثير، من عدد الوزارات عشرين أو ثلاثين، إلى عدد أعضاء البرلمان عشرات أو مئات. لكل واحدة من الوتريّات، النافخات الخشبية والنحاسية والإيقاعيات، صوت ومساحة، وهي حرة في التعبير بطلاقة. البيانو الكامل، بأوكتافاته السبعة، يمثّلها جميعاً، فلا قرار قبل أقصى يساره، ولا جواب بعد أقصى يمينه. غير ذلك ترددات لا تسمعها أذن الإنسان. الفلوت البيكولو الحادة لها حضورها، والباصون العميق (كصوت الخنزير، الخنخنة، القُباع) مسموع ومحترم. روعة الأداء العام تتمثل في رسالة مشتركة واحدة، إنجاح العمل الكلي بالتفاني في خدمة المصلحة العامة. أيّ نشاز يصدر عن أيّ آلة يُخلّ بتحقيق الغاية. ما لا تدركه التنميات المتعثرة، هو أن التنمية الشاملة لا تتحقق بالبعض دون الكل. لا يمكن إهمال البنية التحتية أو الصحة أو التعليم أو العدل أو الزراعة، وانتظار تنمية سليمة. التجربة سهلة: أدخل كماناً غير مدوزن على أداء فرقة. قُضي الأمر. مسألة فيزياء، توافق الترددات. إذا أخلّت آلة إيقاعية واحدة بالإيقاع، فوداعاً لكل الأداء. في الموسيقى الجادة العارفة، أهمية التناغم العام أوضح: في الهارموني يؤدي العازفون درجات صوتية مختلفة في آن، لكن توافق تردداتها محسوب بدقة. وفي الكونترابانط يؤدون جُملاً مختلفة في آن، لكنها متناغمة في نظام دقيق. هكذا يجب أن يكون التنسيق الوثيق بين القوات الجوية والبرية والبحرية في أداء متكامل. كذلك بين الوزارات والمؤسسات.

لزوم ما يلزم: النتيجة السحرية: سئل فون كرايان، قائد الأوركسترا الأسطوري، عن سرّ قيادته الفائقة، قال: أكون مثل الطائر الذي يتقدّم سرباً عظيماً، بحركة صغيرة من جناحه ترى كل السرب مال معه.