تعد جمهورية الغابون من الدول المستقرة في وسط أفريقيا، فهي منذ الاستقلال لم تشهد قلاقل تؤثر على تطورها، فالسلطة في هذا البلد النفطي، الذي خرج ودخل أوبك عدة مرات، كانت تنتقل بسلاسة. ولذلك، فإن الانقلاب الذي وقع الأسبوع الماضي وأطاح بعلي بونغو أونديمبا، يطرح العديد من التساؤلات حول ما يجري في العالم.
وأول ما يلفت إلى نفسه الانتباه، هو هذا التآكل السريع للنفوذ الفرنسي في القارة الأفريقية، ففي أغسطس الماضي شهدنا أحداث النيجر، وقبله في مالي وبوركينا فاسو المجاورتين، لتفقد فرنسا بالتالي نفوذها في منطقة الساحل الإفريقي. ولذلك، جاء انقلاب الغابون، لينكأ الجراح الفرنسية، التي من الواضح أنها تزداد عمقاً، بعد إلغاء أستراليا لصفقة الغواصات بقيمة 35 مليار يورو، والتي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.
وعلى ما يبدو لي، فإن العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا، قد خلطت العديد من الأوراق وسرعت من التحولات التي تمر بها المرحلة الانتقالية التي يمر بها النظام العالمي. فهذا النظام، يمر الآن بمرحلة حرجة، بحيث أصبحت أغلب الترتيبات التي قام على أساسها موضع تساؤل. وضمن هذا السياق، فإن فرنسا لن تكون البلد الوحيد الذي سوف يتضرر مما يجري. فألمانيا، هذا العملاق الاقتصادي، التي كادت على وشك أن تصبح زعيمة القارة الأوروبية، قبل العملية الروسية، هي الأخرى سوف تتضرر وتفقد العديد من مواقعها الاقتصادية، خصوصاً بعد الضربة التي تعرض لها اقتصادها عقب تفجير خطوط الأنابيب التي تنقل الغاز الروسي الرخيص إليها، والذي سوف يؤدي إلى فقدان هذا الاقتصاد تنافسيته في الأسواق العالمية. إن ما يحدث في الشرق الأوسط وأوكرانيا وأفريقيا، ما هو إلا جزء من إعادة تقاسم مناطق النفوذ في العالم. وهذا يعني من ضمن ما يعني أن الدول المنتصرة في الحرب الباردة عام 1990، سوف تخسر خلال الفترة القادمة العديد من تلك المناطق التي حصلت عليها. ففرنسا وألمانيا معرضتان لفقدان العديد من الأسواق التي تصدر إليها بضائعها، وهذا سوف يشمل الأسواق في القارة الأوروبية، فهذه الأخيرة، والتي كانت وإلى الأمس القريب على وشك أن تصبح ريع ألمانيا الجديد، قد بدأ العديد من بلدانها يشكك في الزعامة الألمانية، بل ويطالبها بدفع تعويضات عن الأضرار التي ألحقتها بهم، خلال الحرب العالمية الثانية، كما هو حال بولندا.
وهذا كله يحدث، على خلفية تقدم الصين ومساهمتها الكبيرة في التجارة العالمية، والتي تعتبر الأضخم في العالم. ولهذا، فإن خرائط الأسواق ومناطق النفوذ سوف تتغير تبعاً لذلك، كذلك فإن الحرب في أوكرانيا، قد أخذت ترسخ الاعتقاد بالقوة الروسية، باعتبارها موازية للقدرة العسكرية لدول الغرب مجتمعة، وهذا بدوره يشجع العديد من البلدان والأسواق لإعادة ترتيب أوضاعها وفقاً للمعايير الاقتصادية والعسكرية الجديدة.
