في31 أكتوبر الماضي نشرتُ على هذه الصفحة مقالةً بعنوان «أزمة المنظمة الدولية»، أشرتُ فيها إلى عجز الأمم المتحدة الفادح عن صون السلم والأمن الدوليين، لسببين: أولهما بِنية المجلس التي تُمكِّن أيَّ عضو من أعضائه الدائمين الخمسة من إجهاض أي مشروع قرار، حتى ولو حظي بموافقة الأعضاء الـ 14الآخرين في المجلس. أما السبب الثاني، فهو حالة الاستقطاب التي كنا نتصور إمكان اختفائها بعد انتهاء الحرب الباردة، غير أن ما بدا أنه مقدمة لوفاق يمكن أن يساعد على اضطلاع مجلس الأمن بمهمته الجسيمة، سرعان ما تبخر ليعود الاستقطابُ مجدداً. أما الجمعية العامة فلا حول لها ولا قوة، بسبب الطبيعة غير الملزمة لقراراتها. وقد كانت أحداث غزة الأخيرة خير شاهد على ذلك، إذ فشل مجلس الأمن غير ما مرة في التوصل لقرار بشأنها، للأسباب التي سبقت الإشارة إليها، واتخذت الجمعية العامة في دورة طارئة قراراً في 27 أكتوبر الماضي بأغلبية 121 صوتاً يدعو لهدنة إنسانية فورية دائمة ومستدامة تفضي لوقف الأعمال العدائية وتوفير السلع والخدمات الأساسية للمدنيين في القطاع، فوراً ودون عوائق، لكن قرارات الجمعية العامة مجرد توصيات غير ملزمة، بل إن قرارات مجلس الأمن نفسه يتم تحديها.

وفي الأسبوع الماضي سنحت فرصة جديدة لاختبار فاعلية المنظمة الدولية، إذ فعَّل الأمين العامُّ للأمم المتحدة بشأن أحداث غزة، للمرة الأولى في ولايته، المادةَ 99 من الميثاق التي تخوله لفتَ انتباه مجلس الأمن إلى مسألة يرى أنها قد تهدد السلم والأمن الدوليين. وعلى الفور بادرت بعثة دولة الإمارات لدى الأمم المتحدة إلى تقديم مشروع قرار جديد للمجلس، اتساقاً مع السياسة الخارجية الفاعلة للدولة ومسؤوليتها في الدفاع عن المصالح العربية في مجلس الأمن باعتبارها العضو العربي الوحيد فيه. وتضمَّن مشروعُ القرار مطالبةً بوقف فوري لإطلاق النار في غزة لدواع إنسانية واستجابةً للوضع الكارثي في القطاع وتفاقم معاناة الشعب الفلسطيني الشقيق، كما أورد الأمين العام في رسالته. وأوضحت البعثة في بيان «أن الوضع في قطاع غزة كارثي قد يصل إلى نقطة لا رجعة عنها، ولا يمكننا الانتظار أكثر، كما يتعين على المجلس أن يتصرف بشكل حاسم للمطالبة بوقف إطلاق النار لدواعٍ إنسانية». كذلك أكدت البعثةُ أن مشروعها يحظى بدعم الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، بل أوضح التصويت على المشروع لاحقاً أنه يحظى بدعم دولي كاسح. وقد وافق كافةُ أعضاء المجلس على المشروع عدا بريطانيا التي امتنعت عن التصويت بحجة أن المشروع لا يدين حركة «حماس»، والولايات المتحدة التي تكفَّل اعتراضُها على المشروع بإجهاضه كما فعلت قبل ذلك في مناسبات مماثلة كثيرة لتؤكد انحيازَها المطلق لإسرائيل من ناحية، ولتذكِّر الجميعَ بالأزمة البنيوية لمجلس الأمن من ناحية أخرى. وكانت الحجة الأميركية هذه المرة أن وقف إطلاق النار سيكون بداية لحرب جديدة، بمعنى أنه من دون القضاء على «حماس» فإن الحرب سوف تتجدد، والأصح أنه من دون إنهاء الاحتلال فإن الصراع سوف يستمر.
ولم تكتف الإدارة الأميركية بالدعم الدبلوماسي لإسرائيل، وإنما وافقت على صفقة جديدة لذخائر الدبابات الإسرائيلية بقيمة 500 مليون دولار، ذكرت تقاريرُ أن الإدارةَ قد تتجاوز الكونجرس في تنفيذها ولو جزئياً بموجب صلاحيات الطوارئ.