ظلّ الاقتراض عبر التاريخ الاقتصادي أداةً جدلية، تتأرجح النظرة إليه بين كونه محفّزًا للنمو أو مدخلًا لأزمات مالية عميقة. غير أن التجارب الدولية تُثبت أن الاقتراض، حين يُدار ضمن إطار حوكمة واضحة ويُوجَّه نحو الاستثمار المنتج، يمكن أن يتحول من عبءٍ محاسبي إلى رافعةٍ تنموية حقيقية. هذا ما تدركه السعودية ضمن رؤية 2030، التي لا تنظر إلى الدين بوصفه غاية، بل وسيلة محسوبة لتحقيق التحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.
عند مقارنة مستويات الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي لدول مجموعة العشرين، تتضح الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والاقتصادات ذات السياسة المالية المتحفظة. فاليابان تتجاوز نسبة دينها 230% من ناتجها المحلي، بينما تدور الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا حول مستويات تفوق 100%. في المقابل تحافظ السعودية على واحدة من أدنى النسب بين الاقتصادات الكبرى، بمتوسط يراوح بين 23% و30%، ما يمنحها مساحة مالية آمنة للتوسع المدروس دون تهديد الاستدامة.
هذه الأرقام تؤكد أن ارتفاع الدين ليس بالضرورة مؤشر خطر، بقدر ما يعكس فلسفة اقتصادية مختلفة. فالدول المتقدمة استخدمت الدين لعقود لتمويل البنية التحتية، والتحفيز الاقتصادي. لكن التجربة الأبرز في توظيف الاقتراض كأداة للنمو طويل الأجل ظهرت في كوريا الجنوبية والصين آسيا، حيث تبنّت الدولتان ما يُعرف بنظرية النمو بالاستثمار العام. جوهر هذه النظرية بسيط وعميق في آن.
الاقتراض يُبرَّر إذا تحوّل إلى أصول إنتاجية ترفع كفاءة الاقتصاد وتضاعف قدرته التنافسية. في حديث مع صديق، دار نقاش حول قناعة متنامية بأن توسع الشركات الكبرى والبنوك في الاقتراض عبر إصدار السندات ليس خطرًا بالضرورة، بل قد يكون عنصر قوة.
فإصدارات السندات تعزز السيولة طويلة الأجل، وتقوّي القدرة الإقراضية للبنوك، وترفع استقرار التدفقات النقدية، بما ينعكس إيجابًا على التوزيعات النقدية. الأهم أن الأموال المتحصلة تُعاد ضَخّها داخل الاقتصاد المحلي لتمويل مشاريع بنية تحتية وصناعية وسياحية، وهو ما يولّد دورة نمو حقيقية، لا مضاربات قصيرة الأجل. غير أن لهذا التوجه تحديات لا يمكن تجاهلها، خصوصًا على سوق الأسهم المحلية.
فارتفاع جاذبية أدوات الدخل الثابت قد يسحب جزءًا من السيولة من الأسهم، ويغيّر سلوك المستثمرين نحو العائد الآمن. هذا التحول ليس سلبيًا بالضرورة، لكنه يتطلب إدارة توازن دقيقة بين تعميق سوق الدين والحفاظ على حيوية السوق المالية ووضع صغار المستثمرين في الحسبان. من هنا تبرز أهمية الحوكمة.
فالاقتراض، كما أثبتت أزمات الديون في أوروبا وأمريكا اللاتينية، يتحول إلى عبء قاتل حين يغيب الانضباط ، وتضعف الشفافية، ويُستخدم لتمويل الاستهلاك بدل الاستثمار.
رؤية 2030 تعي هذه الدروس، وتبني إستراتيجيتها على “العجز المخطط له”، بشرط أن تكون العوائد الاقتصادية أعلى من تكلفة الدين، وأن تُدار المشاريع وفق معايير كفاءة صارمة. في النهاية، قد نختلف أو نتفق حول بعض النظريات الاقتصادية اليوم، لكن التفاؤل مشروع. فالاقتراض حين يُحسن استخدامه، ويُضبط بحوكمة واضحة، ويُربط برؤية تنموية طموحة، لا يخلق ديونًا فقط، بل يصنع مستقبلًا ونموًا مستدامًا.
