يتحول المشهد التلفزيوني بهدوء نحو نموذج جديد يتجاوز فكرة "البث الخطي"، ويتعامل مع المحتوى بوصفه أصلاً اقتصادياً طويل الأمد، قابل للتوزيع وإعادة التوظيف عبر منصات متعددة، وفق منطق استثماري يقوم على البيانات، وسلوك المشاهد، واستدامة العائد.
لكن في السنوات المقبلة، سيصبح السؤال المرتبط بالقنوات التلفزيونية أقل ارتباطاً بنسبة المشاهدة اللحظية، وأكثر ارتباطاً بقدرتها على بناء نموذج عمل مرن يربط المحتوى بالمنصات الرقمية، وهذا التحول يعكس انتقالاً من قناة تعتمد على تكلفة تشغيل مرتفعة وبنية بث تقليدية، إلى منظومة إعلامية تعمل بعقلية المنصة، وتدير المحتوى كمنتج اقتصادي قابل للتوسع.
وبالتالي فإن البث عبر الإنترنت كلياً ربما يصبح المسار الأساسي، لأنه قادر على تحقيق العوائد، وهذا حالياً واقع قنوات تحولت إلى منصات تقدم لك المشاهدة بالوقت المناسب بمقابل اشتراك شهري، لأن المنصة تتيح معرفة دقيقة بسلوك المستخدم، ونوعية المحتوى القادر على الاحتفاظ بالمشترك، وهي بيانات تفتح مجالاً لإدارة التكلفة بكفاءة أعلى، وتوجيه الاستثمار نحو محتوى يملك قدرة حقيقية على الاستمرار والتطوير، بدلاً من نظام الأقمار الصناعية والبث التقليدي عالي التكلفة، لأن جهاز التلفزيون المرتبط بالإنترنت بات أكثر كفاءة وقدرة على الوصول المباشر للمشاهد.
لكن فرص النجاح في هذا التحول ترتبط بقدرة القنوات على إعادة تعريف دورها، من جهة بث إلى جهة إدارة محتوى ومنصات لأن القناة التي تستثمر في التقنية، وتحليل البيانات، وتجربة المستخدم، ستتمكن من بناء علاقة مباشرة مع المشاهد، وهذه العلاقة ترفع قيمة المشترك الواحد، وتطيل دورة حياته داخل المنصة، وتفتح المجال لخدمات إضافية مثل المحتوى الحصري، أو البث المباشر للأحداث، أو التجارب التفاعلية.
في المستقبل القريب، سيظهر نموذج هجين يجمع بين الاشتراك والإعلان الذكي، حيث يُعرض محتوى مجاني مدعوم بإعلانات موجهة، إلى جانب محتوى مدفوع عالي القيمة للموازنة بين الوصول الواسع والعائد المستقر، ويمنح القنوات مرونة في التسعير والتوسع ويتيح اختبار المحتوى في بيئة ذات مخاطر منخفضة، قبل تحويله إلى منتج مدفوع ضمن باقات الاشتراك.
في المقابل هل من الممكن أن يمتد هذا التحول إلى القنوات الإخبارية التي تقدم محتوى يعتمد على الآنية والتحديث المستمر، حيث يرتبط نجاحها بسرعة الوصول وثقة الجمهور؟ ربما..إذا بُني على نموذج يوازن بين البث المباشر والمحتوى التحليلي، ويستثمر في منصات مرنة قادرة على إعادة توزيع الخبر، وتقديم قيمة معرفية تتجاوز اللحظة.
ثورة الإنترنت ستغير التعاطي الإعلامي خلال السنوات المقبلة من خلال إعادة تشكيل علاقة الجمهور بالمحتوى، وتحويل المشاهد من مجرد متلقٍ إلى شريك.. ومن يبدأ التحول والاستثمار الآن سيضع نفسه في خريطة المستقبل.
