ضمن بيئة سياسية عالية التعقيد، يتقدم ميثاق السلام كإطار انتقالي يعيد تنظيم فكرة إنهاء النزاعات خارج منطق التهدئة المؤقتة، فالمشهد الدولي المثقل بتداخل الأزمات وتراجع فاعلية الأدوات التقليدية، بات يتطلب صيغ عمل تمسك بالمرحلة الانتقالية بوصفها مساراً سياسياً قائماً بذاته، له تفويضه، وحدوده، وآليات ضبطه، بعيداً عن الخطابات العامة التي فقدت قدرتها على الإقناع.

في هذا الإطار، يكتسب توقيع المملكة العربية السعودية على ميثاق تأسيس مجلس السلام دلالة تتصل بموقعها داخل معادلة النظام الدولي، وبالرهان على الحوكمة الانتقالية كخيار عملي لإدارة النزاعات المركبة، وحضور سمو وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان مراسم التوقيع يعكس اتساقاً مع نهج دبلوماسي يقوم على الدبلوماسية الوقائية، ويعلي من شأن الشرعية الدولية، ويؤكد مركزية الاستقرار الإقليمي كقيمة سياسية قابلة للبناء المؤسسي.

الميثاق بمرجعيته المعتمدة في قرار مجلس الأمن، يطرح إطاراً ذا تفويض محدد، ويضع السلام ضمن منظومة الأمن الجماعي، من دون إغفال متطلبات الأمن الإنساني وإعادة بناء المجال المدني، هذا الطرح يتعامل مع النزاع بوصفه حالة سياسية متعددة المستويات، تتطلب إدارة متزامنة لمسارات التهدئة، وإعادة الإعمار، وترتيبات ما بعد النزاع، ضمن تصور للاستقرار المستدام يمنع الفراغ المؤسسي ويحد من تشظي الفواعل.

دعم المملكة لمهمة المجلس يندرج ضمن رؤية تعتبر إعادة الإعمار مساراً موازياً لترسيخ السلام، لا إجراءً لاحقاً عليه، وتؤكد أن الحوكمة، وإعادة بناء الثقة، وضبط الفجوات الأمنية عناصر لا تنفصل عن أي ترتيب سياسي قابل للاستمرار. وفي حالة قطاع غزة، يتقدم هذا الفهم بوصفه مقاربة عملية لإدارة مرحلة انتقالية دقيقة، ذات حساسية عالية للتوازنات الإقليمية.

الحضور الدولي في حفل الإطلاق، وفي مقدمته الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أضفى زخماً سياسياً على المجلس، وأكد اتساع الإجماع حول الحاجة إلى أدوات غير تقليدية، قادرة على إدارة التحول، وتنظيم الممكن السياسي، ومنع ارتداد الأزمات، غير أن جوهر المبادرة ظل مرتبطاً بالإطار المؤسسي.

بهذا المعنى، يأتي ميثاق السلام بوصفه أداة سياسية منضبطة في لحظة إعادة تشكيل، ومحاولة جادة لإعادة ترتيب المسار داخل نظام دولي يبحث عن استقرار قابل للحياة، لا عن تسويات مؤقتة.