المملكة تحالفت مع أميركا بلا تردد لتصفية الإرهاب
المخابرات الأردنية لجمت عاطفة الشارع فوراً

عامر الحنتولي من عمان: لم تكن شمس العاصمة الأردنية عمان قد غربت ذلك اليوم بعد حينما تحولت شوارع وأزقة عمان الى مايشبه الزار بسبب رغبة الجميع في العودة إلى منازلهم على نحو عاجل. فالحدث ليس عاديا أبدا ذلك المغيب "أميركا انضربت" يأتي الرد متهكما يرزح تحت تنافر لأنواع ونغمات شتى لأبواق السيارات "مين المجنون ايلي ضربها؟!". نعم الحدث ليس عاديا، والدليل ذلك الضغط الهائل الذي مورس على شبكات الإتصال الخلوية لنقل الخبر وتداوله والتيقن منه، والنتيجة واحدة "سيب ايلي بإيدك وأرجع عبيتك" لأن أميركا تحترق. هكذا جاء الخبر ليلف الأردن كله من أقصاه الى أقصاه. ملايين الأسئلة تاهت وطفت من جديد في زحمة التفكير... كيف؟! وأين؟! ومتى؟! ولماذا؟! أسئلة ظلت برسم الإجابة في حين شوارع العاصمة الأردنية عمان بدأت تخلو من السيارات وأبواقها شيئا فشيئا الى حد يشبه حظر التجول الليلي تماما. الكل تسمر حول الفضائيات وحدق بصمت في أجساد تهوي من فوق.. من فوق تلك الأبراج المحترقة التي فضلت ان تغوص في رحم الأرض. ياإلهي كم بدت الصورة مرعبة "كمن يستجير من الرمضاء بالنار". مالذي يحدث؟ ثمة مدرعات وعربات عسكرية تجر همتها في شوارع ليست مخصصة لتنقلها لتحيط قلعة السفارة الأميركية في الأردن... هل من أشياء اضافية؟!في ساعات المساء ذلك اليوم هدأت عمان حد الذهول والنشوة السرية المختلطة بترقب للآتي المجهول انه "الثلاثاء 11 سبتمبر 2001.

الملك عالق وقلق

كانت طائرة العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني تتهادى في الأجواء الدولية على بعد أميال جوية قليلة عن احد المطارات النيويوركية حيث كان ملك الأردن سيلقي في اليوم التالي خطابا أمميا بمناسبة الذكرى السادسة والخمسين لإنشاء منظمة الأمم المتحدة، لكن قائد الطائرة الملكية حاد عن مساره بعد احاطة عاهل الأردن علما بأن أراضي الحليف الأميركي لعقود طوال تتلظى بنار الإرهاب . وكان الأردن أحد السباقين في الشرق الأوسط الذي اكتوى بنار الإرهاب فيما هو أحبط مئات المخططات التي خاب فألها وطاش سهمها، طائرة الملك الأردني هبطت في مطار شانون بأيرلندا لإستجلاء الصورة واجراء محادثات واتصالات لإستيعاب الأمر، قبل ان تصفو الأجواء الدولية وتعود الطائرات للملاحة حيث عاد ملك الأردن الى بلاده قاصدا في خاطره تمتين الجبهة الداخلية واستفتاء قدرة وجاهزية جنده وضباطه على لجم كل معتد أثيم، فبعد أميركا لم يعد بوسع أحد القول أنه معصوم أو محصن من فايروس الإرهاب الذي استجرأ واستنمر بعد الثقة التي اكتسبها جراء الإطلالات القصيرة لخلايا الإرهاب من الكهوف والمخابئ حيث فجر سفارة هنا.. وأزهق أرواح أبرياء هناك، في عمليات ارهابية صغيرة ومتفرقة لم يأخذها المجتمع الدولي على محمل من الجد.

الحكومة تتأهب والرعية منقسمة
يمكن القول بدون أدنى مواربة ان حكومة المهندس علي أبوالراغب الأولى التي لم يكن عام قد مر على تشكيلها قد تجرعت المرارة لأنها أمست مجبرة على التضحية بمخططات لترميم الحال داخليا بالإستعداد لتحصين الأردن، والتناغم مع مخططات جديدة للمنطقة بدأت دوائر القرار العالمية رسمها بعد انهيار البرجين. كأن البرجين كانا يثبتان كوكب الأرض!
وبات واضحا ان حكومة أبوالراغب تعاملت مع الموقف بكل جرأة حين أعلنت تعاطفها ودعمها الكامل لأي أنشطة دولية لمكافحة الإرهاب من خلال التذكير بأن الوطن الأردني كان عرضة للتلظي بنار الإرهاب بكل وقت وبأي زمان. وحسمت حكومته موقفها حينذاك موقفها بكل جرأة من دعوة بوش لدول العالم قاطبة بأن من لايقف مع أميركا في حربها الآتية فإنه ضدها ، ولأن الأردن كان على الدوام يلتزم سياسة الإعتدال والتعاطي برصانة مع الدعوات والتحركات الأميركية لعقود خلت، كان عليه في هذه الساعات العصيبة ألا يغامر بإعطاء أي موقف رمادي لأنه لايملك ترف الرفض والتعفف فهو الحليف الأكثر مصداقية في المنطقة لكل الإدارات الأميركية المتعاقبة، واليوم أميركا لاتجيد فهم الدبلوماسية الأردنية والمبررات للمواقف الرمادية.
مشكلة صانع القرار الأردني تمثلت في توجه شعبي غير يسير مؤيد لما حل بأميركا، بل أعطى الشارع الأردني صبغة دينية للحادي عشر من سبتمبر بالإشارة الى أن الهجمات هي عقاب إلهي لسكوت واشنطن عن حرب الإبادة التي تنتهجها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في حرب الإنتفاضة التي لم يكن قد مر على انطلاقها عام واحد، ويستند التأييد الشعبي للأردنيين على ان الطائرات والأسلحة التي تستخدم اسرائيليا ضد الفلسطينيين لقمع انتفاضة تفجرت يرون أنها عادلة، هي أميركية الصنع ناهيك بالدعم السياسي الهائل الذي تقدمه ادارة الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن لإسرائيل.
الصورة عموما أقلقت صانع القرار الأردني الذي استاء من ترديد أئمة مساجد وخطباء فيها لمصطلحات يطلقها المتهم الأول زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن مثل (غزوة واشنطن) و(غزوة مانهاتن)، الى الحد الذي دفع علماء دين للإستقواء بمصادفات قرآنية تطابقت رقميا مع هجمات واشنطن ونيويورك للإدعاء بأن يوم القيامة اقترب وأن أسامة بن لادن هو المهدي المنتظر لتولده في مكة المكرمة.
تداعى مجلس الأمن القومي الأردني وهو أعلى جهة أمنية أردنية وغالبا لايلتئم إلا في حالات جلل داخليا وخارجيا وتتشكل عضويته من جميع رؤساء أجهزة الأمن والإستخبارات والجيش ورئيس الوزراء وزير الدفاع للتباحث والتفاهم على كل مايحدق بالأردن من أخطار، حيث أخرج مجلس الأمن القومي ملفا غاية في السرية من أدراجه لإطلاع الأردنيين على ان نهج القاعدة وزعيمها أسامة (بن لادين) لايستند الى الشرع البتة، إذ هو خطط في العام 2000 لإستهداف يخت ملكي في عرض البحر شمال أوروبا بزوارق متفجرات، وذلك اليخت يرتاده عاهل الأردن وزوجته رانيا وأطفاله الصغار وبعض أخوته الأمراء، قبل ان تحبط المخابرات الأردنية العملية بفارق ساعات عن تنفيذها حيث سحبت اليخت الملكي الى الشاطئ ونصحت العاهل الأردني بالعودة الى بلاده فورا لأسباب أمنية.
الرواية الأمنية لم تكن كافية لتغيير مزاعم ، ومزاج، الشارع لكنها كانت كفيلة بنقل أي مؤيد علني (لبن لادين) الى خلف القضبان لأن هذا يعني ببساطة انك تؤيد اغتيال الملك! تدريجيا أخذت الصورة بالإعتدال فالآلاف بدأوا بالتوافد على بنوك التبرع بالدم دعما للشعب الأميركي، فيما كثيرون فضلوا السير صامتين يحملون الشموع الى جوار سفارة الولايات المتحدة الأميركية في الأردن.

منذ الطلقة الأميركية الأولى ضد عصابات طالبان والقاعدة في جبال وكهوف افغانستان بدا الأردن الرسمي والإعلامي كما لو أنه يحتفي بشدة بقرع رأس الإرهاب وتجفيف منابعه، خشية بروز أي تعاطف عربي أو اسلامي معه لأن قادة الإرهاب الدولي اعتمدوا اسلوب "دغدغة العواطف" لإستمالة الشارع، حيث أيدت الحكومة الأردنية فورا الحرب على الإرهاب، وتعاطت بمسؤولية مع الأوضاع والملفات السياسية في المنطقة ،وشاركت بجهد استخباري دولي لتعقب خلايا القاعدة، وصد ولجم أي مخططات لها. ولم يلق الأردن الرسمي بالا لنصائح وتحذيرات بأن العداء العلني مع القاعدة لن يكون مريحا في وقت قريب، حيث عقدت الحكومة الأردنية تحالفات مخابراتية ثنائية لافتة مع دول الجوار لمواجهة القاعدة وتشديد الخناق حولها، اذ أفلحت تلك الجهود في كشف مخططات كثيرة لتنظيم القاعدة كانت تستهدف الأردن حصريا.

أبوالراغب يشكل حكومة أردنية جديدة
في خضم الحدث الدولي الأبرز منذ عقود طويلة كان الأردن يدفع الثمن ويكون الضحية على نحو غير مباشر لهجمات واشنطن ونيويورك فسياسة المواقف الرمادية للأردن لم تعد مقبولة أو رابحة لأن المنطق الذي خلفته نكسة الولايات المتحدة الأميركية في سبتمبر "هو اما انت معي أو ضدي على طول الخط"، لذلك كان الأمر الملكي سريعا لرئيس الوزراء علي أبوالراغب بتقديم استقالة حكومته التي تعمل بكفاءة على مخططات قصيرة لاتصلح البتة للأزمات والنكسات العالمية، واعادة تشكيل حكومة جديدة للنهوض باستحقاقات كثيرة تطرق الباب الأردني، وعليه كان أبوالراغب يستنجد بالقدرات الدبلوماسية البراغماتية للسفير الأردني في واشنطن مروان المعشر لتسلم حقيبة الخارجية حيث كان المعشر وزيرا من قبل وأول سفير أردني لدى اسرائيل، وهو بالضرورة يستطيع على الأقل قراءة المزاج الأميركي المتعكر بشدة والتعامل معه بواقعية، وأسند حقيبة وزارة الداخلية الى اللواء السابق في جهاز المخابرات الأردنية قفطان المجالي، وكان قاصدا من وراء ذلك تحصين الأردن داخليا وخارجيا بخطط دبلوماسية وأمنية جديدة للتعاطي مع "نكسة سبتمبر".

الأردن يفكك شبكات إرهاب
في العام التالي لنكسة سبتمبر الأميركية كانت الدولة الأردنية تتبع المثل الشعبي "وجع يوم ولا كل يوم" أمنيا. فالنصائح بأن الأردن لن يكون مرتاحا بسبب عدائه لتنظيم القاعدة تجسد واقعا، إذ أعلنت أجهزة الأمن الأردنية اعتقالها وتفكيكها أكثر من ست شبكات ارهابية كانت تخطط على الأراضي الأردنية لإستهداف مصالح غربية في الأردن واستهداف فنادق ومقار سياسية واغتيال مسؤولين أمنيين وسياسيين، حيث قدمتهم للقضاء الأردني ، لكن القاعدة نجحت جزئيا في العام 2002 إذ حاولت اغتيال مدير شعبة مكافحة الإرهاب في جهاز المخابرات الأردني العقيد علي برجاق الذي نجا بأعجوبة من تفخيخ سيارته، قبل ان تنجح القاعدة في اغتيال دبلوماسي أميركي كبير في سفارة بلاده في الأردن حيث هو مسؤول عن المنح المالية التي تقدمها الولايات المتحدة للأردن، حيث اعتقلت السلطات الأردنية قتلة الدبلوماسي لورانس فولي، لكن قائدهم ظل هاربا وهو الطريد الأردني أبومصعب الزرقاوي الذي أصبح لاحقا زعيم تنظيم القاعدة في العراق.

مزاج أردني مناهض للإرهاب

بدت الحاجة ملحة أردنياً لمجاراة المزاج الشعبي الآخذ بمناهضة الإرهاب تدريجيا، فأصدرت الحكومة الأردنية عدة قرارات من شأنها محاصرة أي ذيول للتطرف والإرهاب كما انها غلظت أحكاما قضائية لمن اعتقلتهم وكانوا على وشك تنفيذ سلسلة عمليات ارهابية في الأردن، حيث أعلن في الأردن عن تقنين المسيرات والنشاطات السياسية غير المرخصة مع تنامي صيت الإنتفاضة الفلسطينية التي تجد تفاعلا واسعا في الأردن بسبب طبيعة المجتمع الأردني الذي يتكون أساسا من 60% من الأردنيين الفلسطينيين أصولا. كما ان الحكومة الأردنية أصدرت قانون الإجتماعات العامة، وأصدرت قرارا بتنظيم مهام الخطابة في المساجد للحيلولة دون تسييسها وجعلها بيئة خصبة لتفريخ متطرفين من الشباب الأردني المحبط الذي يسهل التغرير به.
وعليه صدرت أوامر رفيعة للحكومة الأردنية بإنشاء قوة جديدة في القوات المسلحة الأردنية لتشكيل جيش ضارب للإرهاب تحت مسمى قوات مكافحة الإرهاب، حيث لقيت القوات الجديدة تدريبات عالمية خاصة وصرفت لها ميزانية خاصة، وبلباس عسكري أسود بالكامل يخفي شخصية مرتديه لمواجهة الإرهاب الذي أخذ يقترب من الأردن أكثر من أي وقت مضى.

اقتصاد أردني مضطرب ومتعثر

رغم ان الإقتصاد الأردني بعد الحادي عشر من سبتمبر كان يسير بسلامة واستقرار ظاهريا على الأقل إلا ان التقارير الإقتصادية كانت تشي بحقائق أخرى خاصة مع انصراف الولايات المتحدة الأميركية بعد نكستها الى شأنها الداخلي وعدم الإهتمام باقتصاديات الدول الحليفة لها في الشرق الأوسط ومنها الأردن بالطليعة، ففي وقت كان فيه الأردن يجاهد لرفع حجم المساعدات الأميركية واقناع الإدارة الأميركية بدعمها لشطب مديونيات خارجية وجدولة أخرى، صار بعد هجمات سبتمبر يلح على صناع القرار في الولايات المتحدة تثبيت حجم الدعم وعدم اللجوء الى انقاصه لأن الموقف في الأردن لايحتمل، فالإدعاء بأن أرقام النمو في الإقتصاد الأردني الى ارتفاع كانت بمثابة "تصبيرة حكومية" لاأكثر لسحب وامتصاص نزق الشارع الذي أخذت الأوضاع الإقتصادية تضغط عليه من غلاء معيشي وبطالة لاسابق لهما في التاريخ الأردني، ولولا النفط العراقي الذي كانت تتناوله عمان بأسعار تفضيلية تقترب من المجان لحدثت كوارث اقتصادية بالأردن علمها عند الله.

الأردن يتخذ موقفا رماديا من حرب العراق
في الشهور الخمسة الأخيرة من العام 2002 بدا واضحا ان مزاج الحكومة الأميركية ذاهبا لامحالة لخوض حرب جديدة في اطار مساعيها العالمية للقضاء على الإرهاب، مثلما كان واضحا بأن الحكم العسكري البعثي الذي يحكم الجار الشرقي للأردن العراق هو الهدف ويمكن لأي سياسي ليس بالضرورة ان يكون محترفا اكتشاف المرامي الأميركية لحرب تجهز لها القوة العظمى في العالم وتبدو انتقامية أكثر من كونها للجم الإرهاب على اعتبار ان والد الرئيس الأميركي الحالي فشل في مهمة اسقاط النظام العراقي الحاكم في العراق قبل أكثر من عشر سنوات حينذاك. تجهز الأردن لإعطاء موقف واضح من الإستعدادات الأميركية لضرب العراق لأن أميركا منذ نكستها كما أسلفنا لم تعد تقبل من الحكم الأردني أي موقف رمادي، إلا ان الحكومة الأردنية استغلت مناخ الإنقسام الدولي حول جدوى الحرب ضد العراق وهي انقسامات لاتخطئها العين حينذاك لإتخاذ موقف رمادي هو طوق النجاة الوحيد للدولة الأردنية أمام شعب اعتبر جزء غير يسير منه الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين محررا للشعوب العربية وقاهرا لإسرائيل وحاميا للدول العربية. الحرب وقعت لاحقا في مارس 2003 وظل الأردن يلتزم نفيه الكامل والمطلق لتقارير تتحدث عن تسهيلات أردنية للقوات الأميركية، وهي تقارير ظلت مدعاة غضب القيادة العراقية السابقة التي أعلنت فور اندلاع الحرب حرمان الأردن من الأعطيات النفطية التي كانت الأردن تحوزها بالمجان تقريبا، حيث هاجم مسؤولون عراقيون الدور الغامض والرمادي للحكم الأردن من الحرب على العراق.
سقط النظام السياسي والعسكري في العراق تحت الضربات الأميركية في أبريل من العام ذاته، فبدأت معاناة الدولة الأردنية رغم الحبور الرسمي بسقوط النظام وسعادة الشعب العراقي الغامرة لرحيل نظام لم يحرص الحكم الأردني على الود معه.

اقتصاد يحتضر ومنح خليجية لاتفي بالحاجة

من النتائج غير المباشرة لنكسة سبتمبر الأميركية يمكن استخلاص درس الضائقة الشديدة التي لفت الإقتصاد الأردني وضربت أساساته منذ اللحظة الأولى التي توقفت فيها الواردات النفطية العراقية بسبب استمرار الولايات المتحدة في حربها العالمية على الإرهاب الذي ضرب واشنطن ونيويورك، فالهوة التي خلفتها تلك الواردات لايمكن جسرها بسهولة، حيث تنادت دول خليجية ثلاث هي المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات ودولة الكويت لسداد نحو خمس الكمية التي كان يرسلها العراق يوميا للأردن، ورغم أهمية المنح النفطية الخليجية إلا انها بالكاد تكفي سداد جزء يسير من الفجوة العميقة، لكن سرعان ماتخلت تلك الدول عن الأردن بعد عامين مع ارتفاع أسعار النفط عالميا، اذ اعتبرت حكومات الدول الخليجية الثلاث بأن أسباب منح الأردن نفطا قد زال، مما أوقع الأردن في ورطة اقتصادية لايحسد عليها أبدا اذ اضطرت أكثر من حكومة أردنية للرحيل تحت سندان الأوضاع الإقتصادية ومطرقة العضب الشعبي العام المتنامي بالطبع لظروف اقتصادية خانقة، فكل حكومة تأتي تفرض ضرائب جديدة وتقوم برفع أسعار المحروقات لتلافي العجز المتزايد في الميزانيات المالية السنوية لتلك الحكومات، وهو وضع دفع رئيس وزراء أردني للقول في دولة خليجية بأن النظام الأردني في خطر فساعدونا، قبل يؤكد رئيس الوزراء الحالي عدنان بدران أن الإقتصاد الأردني يتجه للإنهيار والإفلاس غداة رفع أسعار المشتقات البترولية.

الأردن يكابد ارهابا بين ديمقراطيتين واحتلالين :

في ظل وضع اقتصادي خانق وأمني مشوب بالحذر الشديد قلنا ان نتائجه تفرعت على نحو غير مباشر من النكسة الأميركية كان الحكم الأردني يكابد على مدار الساعة قلقا من مواجهة تستعر فصولا بين الأجهزة الأمنية الأردنية مع خلايا تنظيم القاعدة التي أقسمت "بروح الغوالي" إلا ان تضرب الأردن في مأمن يقصده الآلاف من خارج الأردن لقضاء الموسم السياحي، لكن الأردن كان يكابد هموما اضافية شتى تقض مضجعه وتغير مزاجه السياسي وتدفعه لخطط جديدة، فرحيل الحكم الديكتاتوري في العراق وفر لجار الأردن الشرقي أول انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة جاءت برئيس وحكومة ديمقراطية، كما ان وفاة رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات الذي ازدرته الولايات المتحدة منذ هجمات سبتمبر وحتى لحظة وفاته الغامضة في نوفمبر الماضي وفرت هي الأخرى انتخابات ديمقراطية جاءت برئيس ديمقراطي جديد هو الرئيس محمود عباس، مما وفر للأردن متاعب داخلية تقوم على أساي ان دول الجوار مقطعة الأوصال والمحتلة عسكريا تقيم ديمقراطيات نزيهة وانتخبات حرة ، فلماذا لايكون لنا في الأردن حكومات تأتي بها صناديق الإقتراع ولايعينها الملك، فجاءت "التنمية السياسية" كثمرة حزينة لإستجابة النظام لضغوط الشارع، وهي تنمية لاتزال تراوح مكانها منذ الإعلان عن وظيفتها ووثيقتها التي ستظل حبرا على ورق في بلد هو الوحيد في العالم الذي يتكوم في ظروف صعبة للغاية بين احتلالين.

الأردن يحشد للجم ارهاب مواطنه الزرقاوي

لاحكم ولاحكومة ولاأجهزة أمنية ولاشعب ولامدينة تشكو الفقر مثل الزرقاء كان في بالها أن عاملا في بلدية المدينة الثانية من حيث السكان بعد العاصمة وذي سوابق أمنية قادته مرارا خلف القضبان يمكن ان يقض مضجع الأردن ودول العالم معا ليكون الطريد العالمي رقم واحد، ومعاون أسامة بن لادين في التخطيط والتنفيذ لإرهاب تتسع رقعته يوما بعد آخر، فأبومصعب الزرقاوي المبتورة ساقه والهارب من حكم الإعدام في الأردن أعلن صراحة انه سيسدد ثأرا وانتقاما في قلبه لبلاده، مما زاد المعاناة الأردنية على اعتبار ان استحكام شخص مثل الزرقاوي في بيئة مثل العراق حيث لاأمن ولاأمان منذ انهيار حكم صدام، هو نتيجة مباشرة جدا لنكسة سبتمبر وان الأردن تقريبا لوحده يدفع الثمن اليوم مضاعفا، وبصورة أكثر استيعابا للفهم فإن الأردن هو خط الدفاع الأول ضد القاعدة التي تمكنت واستحكمت وصارت فعلا جار الأردن الشرقي.. ياللمصادفة ماأقساها.

تدمير المخابرات وقتل مائة ألف بالكيماوي أقسى من "نكسة سبتمبر"

نكسة سبتمبر الأميركية كانت يمكن ان تقود على نحو مباشر الى نكسة أبريل الأردني لولا جهد حثيث لمخابرات الأردن التي صدت سيناريو ارهابيا مرعبا العام الماضي غير مسبوق البتة لجهة جرعة الإجرام فيه، وكان يمكن ان يكون الأقسى عالميا وبما يفوق مضاعفا نكسة سبتمبر الأميركية، فالحديث عن تفجير مبنى المخابرات الأردنية ورئاسة الحكومة بشاحنات مفخخة بمواد كيميائية شديدة الإنفجار كفيلة بقتل مالايقل عن مائة ألف أردني على الأقل هو حتما أمر مرعب ويفوق الحدث الأميركي أهمية، رغم انه تابعا له من حيث النتيجة على الأقل.