القاهرة:quot;إخرجوا من هنا، تراجعوا، تراجعوا، لن أبيعكم!quot; بهذه الكلمات، كان بائع الخبز، إبراهيم علي محمد، يهتف إلى زبائنه. أسنانه بنية اللون، أفسدها التسوّس، قال إنه أصيب بداء السكري من جراء الضغط النفسي الذي رافقه في عمله خلال عشرين سنة. يقف وراء قضبان، شبيهة بقضبان السجن، ويصرخ على حشد من الناس، يتدافعون ويتضاربون ويتقدّمون نحوه رافعين النقود.
وهتف مجددا بعد أن حوّل ناظريه هذه المرة إلى شاب يرتدي سترة زرقاء اللون، كان قد إستدار وضرب الرجل الذي يقف خلفه: quot;لقد سبق وبعتكquot;.
من الصعب أن يكسب المرء في مصر مالا كافيا لشراء الإحتياجات الأساسية، حيث يعيش حوالى 45 في المائة من السكان دولارين أميركي فقط في اليوم الواحد. ولهذا السبب باتت عملية شراء الخبز المدعوم من الحكومة، مسألة عنيفة، تُستخدم فيها القبضات والأيادي، كما يتدافع الرجال ويحاول الأولاد تفادي الجلبة ليصلوا إلى صندوق المحاسبة.
الفساد في مصر منهجي، وهو السبب الذي يدفع الحشد بالتالي إلى العنف لمحاولة شراء الخبز المدعوم. ومن الممكن إعادة بيع الخبز التدني الثمن، غالباً مقابل ضعفي سعره الأساسي.
وأعلن محمد ان quot;ما لم يتغيّر في مصر منذ 50 سنة، لن يتغير الآنquot; ولم يكن واضحاً ما الذي عناه بذلك، أكانت الفوضى الموجودة أمامه، أم الخبز الرخيص الذي يتم تحضيره خلفه.
ويبدو أن أكثر ما يزعج مصر يدور حول قصة الخبز المدعوم. ولا يزال هذا البلد يعيش بأشكال عدة في الماضي، ويناضل لينخرط في المستقبل وهو غير قادر أو لا يرغب في أن يتغلب على الفساد أو حتى أن يقنع الناس بأن يهتموا ببعضم بعضا.
وكيف للمرء أن يحاول إصلاح نظام مفكك يساعد في إطعام 80 مليون شخص، من دون أن يتسبب بخلل إجتماعي؟ ويعتبر ذلك تحديا بالنسبة إلى مصر بشكل عام، وبالنسبة إلى المحل الصغير لبيع الخبز حيث يكسب محمد لقمة عيشه، مع لفافة تتدلى من شفتيه وحشد غاضب يطالب بخبزه.
ويشار باللغة المصرية المحكية إلى الخبز بإستخدام مصطلح quot;العيشquot; الذي يعني حرفيا quot;الحياةquot;، بدلاً من مصطلح quot;الخبزquot; المستخدم في باقي الدول العربية. ولفت حمدي الجزار، مؤلف كتاب quot;السحر الأسودquot;، وهو كتاب شعبي تُرجم مؤخرا إلى اللغة الإنكليزية، إلى أن هذا المصطلح الذي يشار إليه للدلالة على الخبز، يعطي هذا العنصر اليومي صفة رمزية، مضيفا إن علاقة مصر بالخبز ليست مسألة حرية بل مسألة حاجةquot;.
وبدأت مصر بدعم السلع كالخبز والسكر والشاي منذ الحرب العالمية الثانية تقريباً، وظلت على هذا المنوال منذ ذلك الحين. وعندما حاولت أن توقف دعم الخبز في العام 1977، أدى ذلك إلى أعمال شغب. وبالإجمال، لا يعتبر الشعب المصري، شعبا سريع الإنفعال، لكن عندما يعلم بخبر إرتفاع سعر الخبز، يجب أن ينتظر المرء ردة فعل قوية.
ولا تزال عملية دعم بالخبز مستمرة، وهي تكلّف القاهرة حوالى 2.74 مليار دولار في السنة. وتنفق الحكومة بشكل عام المال على الإعانات بما في ذلك البنزين، أكثر من المال الذي تنفقه على الصحة والتعليم. إلا أن تكلفة الإعانة لا تثقل كاهل الحكومة فحسب، بل تساهم في إرتفاع الفساد الذي يقوّض الثقة بالحكومة ولا يشجع الإستثمار ويدعم المقولة التالية quot;كل شخص يُعين نفسهquot;.
وأشار مفتش في الحكومة، طلب عدم الكشف عن إسمه خوفا من العقاب، إلى quot;أن القطاع الأكثر فسادا في البلد هو قطاع التموينquot;. ويكمن عمله في الذهاب إلى الأفران للتأكد من أنها تستخدم الطحين الرخيص الذي تزودها به الحكومة لإنتاج الخبز الرخيص الذي يتم بيعه بالسعر المناسب.
وفسر المفتش لماذا يمكن إساءة استخدام هذا النظام. تبيع الحكومة الأفران 25 باوندا من أكياس الطحين مقابل ثماني جنيهات مصرية، أي ما يعادل 1.50 دولار أميركي. وينبغي على الأفران أن تبيع الخبز بسعر بيع الخبز المدعوم، فتربح 10 دولار أميركي من كل كيس. كما من الممكن أن يبيع الفرّان الطحين في السوق السوداء مقابل 15 دولار أميركي للكيس الواحد.
وإذا تأكد المفتش، الذي قال إنه يتقاضى 42 دولارا في الشهر، من أن الفران استخدم بعد ثلاثة أشهر الطحين لتحضير الخبز، يسترجع الفران دولارا لكل كيس. أما الفران الذي يبيع 40 كيسا في اليوم على مدى ثلاثة أشهر، فيسترجع 18 ألف جنيه أي حوالى 3300 دولار وهو مبلغ جيد، بحسب المفتش، من الممكن تقاسمه مع مفتش يتقاضى أجرا زهيدا.
وأعلن المفتش quot;أنا أتقاضى 230 جنيه، فلنقل إنني أريد أن أطعم أولادي ثلاث مرات في اليوم وأن أرسلهم إلى المدارس الحكومية، فأحتاج إلى ألف جنيه في الشهر لأقوم بذلك فحسب.quot;
ولفت عبد الله بدوي أبو المجد، رئيس مكتب إدارة التموين في الجيزة إلى أن الفساد ارتفع مؤخرا بسبب ارتفاع أسعار القمح والسلع الغذائية الأخرى. وأضاف أن الإداريين أطلقوا برنامجا تجريبيا يقوم على فصل الإنتاج عن التوزيع بغية معالجة المشكلة، مما يجبر الفران على بيع الخبز إلى الموزعين فقط، الذين من الممكن مراقبتهم بشكل أسهل.
ومن الصعب تقييم مستوى الفساد الحالي لأنه لا يتم الإعلان عن ممارسات الفساد بشكل دائم. وصنّف مسح بارز أُجري في العام 2007، 180 بلدا بالإعتماد على quot;نظرة السكان إلى الفسادquot;، فتراجعت مصر إلى المرتبة 105 بعد أن كانت في المرتبة 70 في السنة السابقة.
وسجل الاقتصاد المصري معدل نمو متين بلغ 7 في المائة في خلال العام الماضي، لكن لم يستفد أحد من ذلك. فعوضا من أن تصبح الحياة في الشارع أكثر استقرارا، أزعج أداء الإقتصاد المتين الناس. وصدّقت دراسة جديدة للبنك الدولي مشاعر الامتعاض المنتشرة، مستنتجةً إن معدل الفقر العام الذي سجل بين العام 2004 و2005 تراجع إلى المعدل السابق الذي سجل بين العام 1995 و1996.quot;
وبحسب التقرير، لا يحصل حوالى 14 مليون فرد على الغذاء الأساسي وعلى إحتياجاته الأخرى.
لذا، فهم يناضلون من أجل الحصول على خبز رخيص. يبدأون بالتجمع خارج الفرن المؤلف من غرفة واحدة عند الساعة الحادية عشر صباحا في كل يوم، ما عدا يوم الجمعة، وهو يوم الصلاة.
وذات يوم، أتى محمود أحمد في الرابعة عشر من عمره أربع مرات في ظرف ساعة واحدة إلى صندوق المحاسبة. فأعلن أن عليه أن يسلم الخبز إلى بائع طعام مجاور، يبيع السندويشات. ويبدو أن الفران يسمح له أن يتقدم نحوه للحصول على الخبز قبل الآخرين. فهل من صفقة من وراء ذلك؟ لن يجيب محمود عن هذا السؤال.
وفي الشارع، على بعد خمسة مبان، كان محمد عبد النبي، في الثانية عشر من عمره يبيع الخبز نفسه مؤقتا، على طاولة، مقابل ضعفي السعر الذي يُباع في الفرن، لكن ما من صفوف من الناس تنتظر.
