المحكم الشعبي أو العارفة مرجع لإيجاد حلول للمنازعات في المجتمعات الزراعية
ثائر الفرحان ولمياء الرداوي من دير الزور: رغم التطور الذي شهده العمل القضائي والقانوني إلا أن العارفةأو القاضي الشعبي ما زال يلعب دورا في كثير من المجتمعات المحلية ليحل في كثير من المواقف محل القضاء.
وتشير الدراسات الاجتماعية الوصفية للمجتمعات المحلية إلى أن هذه المجتمعات طورت بعض أشكال معالجة النزاع باستخدام أسلوب التفاوض ويظهر هذا بشكل واضح في ميل المجتمعات الزراعية الرعوية في محافظة دير الزور إلى الحلول الرضائية بين الأطراف المتنازعة وفق نظم معيارية تتمثل في مجموعة من القيم والعادات والأعراف كوسائل ضبط اجتماعي غير رسمية تقوم مقام السلطات التنفيذية حيث يتشكل لدى تلك الجماعات ما يشبه المحاكم الخاصة والتي تسمى مجالس العرف والتحكيم.
ويعتبر العارفة أو المحكم الشعبي شخصا مخولاً لدى تلك المجتمعات لحل النزاعات وفق خبرات توارثها عن الآباء والأجداد.
ويشير العارفة حميدي الهنداوي البالغ من العمر 75 عاماً من قرية مظلوم بديرالزور إلى أنه اكتسب خبراته من والده الذي اكتسبها بدوره من أجداده حيث يقوم بعد تقدم الطرفين المتنازعين بعرض الصلح عليهما فان رفضا يطلب من المدعي أن يدلي بادعائه ثم يطلب من المدعى عليه أن يقدم دفاعه عن نفسه ثم يستمع إلى شهادة الشهود وهنا ينبغي عليه التأكد من صدقهم وأن يطلب تزكيتهم من أقربائهم وشيخ عشيرتهم.
وأوضح الهنداوي أن العارفة لا يتسامح مع الشهادة الكاذبة حيث يمنع من ثبت عليه الكذب في الشهادة أن يدلي بشهادة بعدها وتهبط منزلته الاجتماعية ويدعى بما يعرف محليا بالمقموع وهو الشخص الذي لا تقبل شهادته أبداً.
وأضاف الهنداوي أنه بعد سماع المدعين والشهود يصدر حكمه في القضية المتنازع عليها متوخيا الحذر ومرضاة الله عز وجل فإن رفض أحد المتنازعين الحكم يزود الطرف الثاني بنص الحكم ليتقاضى الطرفان عند عارفة آخر بما يشبه محكمة الاستئناف فان لم يرض أي من الطرفين بالحكم ذهبا إلى عارفة آخر ليكون حكمه هو الفصل في القضية أي ما يشبه محكمة النقض في القانون الحديث.
وتابع الهنداوي إن أغلب القضايا التي يتم عرضها على العارفة تتعلق بالمنازعات على الأراضي الزراعية وقضايا الثأر والدية والزواج والطلاق والمهور وغالبا ما يبت بها بجلسة واحدة ترضي الطرفين إذ ان واجب العارفة هو إقامة القسط أي توفير العدل والأمان لجميع الأطراف بما في ذلك الشهود.
ويتلقى العارفة أجراً على عمله أو يقبل هدية أو قد تكون المكافأة مجرد دعوة على الغداء من الأطراف المتنازعة.
وبين الهنداوي أن المنازعات الجماعية تستغرق وقتا لا بأس به لأن على العارفة الصبر من أجل إقناع جميع الأطراف المتنازعة بالحل حيث توجد التباسات كثيرة في مثل هذه النزاعات.
وأضاف الهنداوي أن مجلس العرف تحكمه قواعد محترمة وصارمة حيث يشترك الجميع في الجلوس على الأرض بمعزل عن المنزلة الاجتماعية وعليهم التزام الصمت حتى يتكلم العارفة فيطلب من الجهة المدعية الكلام وحينها يتقدم المدعي ويجثو على ركبتيه أمام العارفة ويدلي بحجته دون أن يستخدم يديه في الإشارة ويتجنب الألفاظ البذيئة والشتائم.
من جهته بين الشيخ إياد النقشبندي مدير الأوقاف السابق بدير الزور أن تحكيم العارفة ظاهرة إيجابية تسعى إلى الصلح وفض المنازعات بين المتخاصمين مبينا أن على العارفة أن يمتلك القدرة على الفصل في القضايا والنزاعات من خلال خبرته وثقة الناس به وان يحكم بالقسط ويوفر الطمأنينة للجميع ويعامل كل الأطراف بنفس السوية وان يتحرى العدل ولا يتعجل في حكمه مبتغياً في ذلك مرضاة الله ودون مخالفة القانون والشريعة.
وأضاف النقشبندي أن الأمية تنتشر على نطاق واسع في المجتمعات المحلية ولذلك يساء تفسير الأحكام القضائية وتصبح الصيغ القانونية مبهمة لدى العامة وقد تتسبب أحيانا في زيادة حجم النزاعات لذلك تلجأ السلطات المركزية في كثير من الأحيان إلى حل المشكلات والنزاعات التي تحدث بين التجمعات المحلية قبل وصولها إلى المحاكم القضائية.
وأشار النقشبندي إلى أن ارتباط المجتمعات المحلية الوثيق بالسلطات المركزية التي قدمت لها الخدمات والتعليم ومنحتها الأمن والاستقرار والدعم المادي والمعنوي لا يمنعها من تفضيل حل مشكلاتها وفق الأعراف والتقاليد.
بدوره أوضح المحامي سحبان الحرويل أن قرارات أو صكوك التحكيم التي تصدر عن العارفة ليس لها أي حجة قانونية ولا يؤخذ بها أمام المحاكم إطلاقاً لأن القانون لا يعترف بمثل هذا النوع من التحكيم.
وأضاف الحرويل إن التحكيم المأخوذ به في القانون هو التحكيم الذي يجري وفق أسس وأصول قانونية ويرد النص عليها في قانون أصول المحاكمات المدنية ولكن أحيانا قد يستدعى القاضي العارفة بصفته شاهدا للاستماع لأقواله حول واقعة القضية المعروضة أمام القضاء على سبيل الاستئناس شرط أن يجيز القانون إثبات الواقعة بالشهادة وموافقة المتداعين على ذلك.
من جانبه أشار الباحث الاجتماعي آصف شويخ إلى أن بعد هذه التجمعات عن المركز وبالتالي عن المحاكم القضائية من جهة وأصول المحاكمات التي تتضمن التأجيل وطلب الدفوع والمصاريف الباهظة المترتبة عليها يدفع تلك الجماعات إلى اللجوء إلى أسلوب التفاوض لأنه الأسرع ويمكن أن يرضي الجميع ولا ضير في ذلك إذ أن الصلح يظل سيد الأحكام.
وأضاف شويخ أن معظم الدراسات الاجتماعية المتعلقة بالمجتمعات المحلية تتجه إلى تفسير واقع تلك المجتمعات الراهن بالرجوع إلى رموزها الحضارية المتمثلة بالقيم والعادات الاجتماعية التي تؤثر في سلوكها الاجتماعي.
ولفت شويخ إلى أن هذه الأعراف كانت نتيجة خبرات وتجارب طويلة لها عمقها التاريخي والحضاري فقبل وجود القانون لا بد من وجود وسائل لضبط السلوك وحل النزاعات وبالتالي فهي توفر القسط للمجتمع عن طريق تطبيق العدل وتوفير الأمن لجميع الأطراف وهنا لا يمكن حصر آليات التحكم الاجتماعي بالمؤسسات القضائية وحدها ولذلك لا بد أن تكون أساليب معالجة النزاع جزءا من إرادة اجتماعية لا كجزء من نظام قضائي بحت.
إن بقاء ظاهرة التحكيم الشعبي قائمة في مجتمعاتنا المحلية يدل بعمق على مدى التزام مجتمعاتنا صغرت أم كبرت بالمثل والقيم الاجتماعية التي توارثتها منذ آلاف السنين ولا يقتصر ذلك على محافظة دير الزور وحدها بل يشمل المحافظات كافة.
