استفتاء:
كيف يترجم الشاعرُ شاعرا
عباس بيضون:
بعض المترجم تحول الى اصول كبرى للشعر العربي
![]()
يكاد أن يُجمع جل المترجمين العرب على مقولة صلاح الصفدي، كما وردت في كشكول العاملي: "للترجمة في النقل طريقتان إحداهما أن يُنظر إلى كل كلمة مفردة من الكلمات الأجنبية وما تدل عليه من المعنى، فيأتي الناقل بلفظة مفردة من الكلمات العربية ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى فيثبتها وينتقل إلى الأخرى حتى يأتي على جملة ما يريد تعريبه... الطريق الثاني: أن يأتي الجملة فيحصل معناها في ذهنه ويُعبّر عنها من اللغة الأخرى بجملة تطابقها سواء ساوت الألفاظ أم خالفتها".
بصفتك شاعراً ومترجماً في آن:
أولاً: أتعتقد أن هناك طريقة ثالثة، ما هي، وأية هي الأفضل في نظرك، لإنْجاز ترجمة ناجحة؟
إن الطريقتين اللتين ذكرهما العاملي في كشكوله تستغرقان تقنيًا عملية الترجمة بشكل عام، التي قد تكون من الكلمة المنفردة او انطلاقًا من الجملة و أظن ان الشعر بحد ذاته يختلف كثيرًا، لأن ما نسميه ترجمة للشعر لها خصوصيتها ولا نسميها ترجمة انه بالاغلب اعادة قراءة للشعر المترجم باللغة المترجم اليها، و الشعر ابن لغته ولصق لغته، ولا يمكننا في الواقع اخراجه من لغته، فنحن لا نترجم الشعر بل نستلهم الشعر و نعيد تأليفه في لغة اخرى، او نعيد تشريبه الى لغة اخرى، لانه يجب ان نجد في الترجمة الجوهر الخفي في القصيدة التي نسميها احيانًا ايقاعًا، و لا يمكننا ان نطابق في واقع الامر بين النص الاصلي و بين ترجمته مطابقة حقيقية. و يكفي ان ننظر الى ترجمات عدة للنص ذاته لنقع على ترجمات مختلفة. فعلى سبيل المثال هناك ترجمة ماراتي دوينو لريلكي التي لقيت في الفرنسية بضع ترجمات، و هذه الترجمات مختلفة ليس في الكلمات التي تحملها لكن بالايقاعات التي تحملها، كما ترجمة ادونيس لبيرس فهي تكاد تكون نصًا اخر مختلفًا عن الترجمات التي قام بها اخرون و كأن بيرس هنا غير بيرس الذي هناك، فالترجمة بالتالي ليست اعادة صياغة او اعادة تأليف وليست فقط رؤية النص في اللغة الثانية لكنها استلهام و تشرب و ترجيع و تنغيم النص الشعري بلغة اخرى، و حين تكون اللغة الاخرى مختلفة تمامًا عن اللغة المنقولة عنها، فان عملية الترجمة هي عملية بحث شخصية اذا جاز التعبير.
و بالنسبة لي شخصيًا فأنا لست مترجمًا محترفًا بل من هؤلاء الذين يتشاغلون بالترجمة من وقت لاخر و لم اتصدَّ للترجمة بجد، ثم اني على قلة ما اترجم لا اعمل كثيرا على ترجماتي و قد سبق و ترجمت عن لغة وسيطة، لا اعول عليها لانها تكون نوعا من الاستلهامات لنص شعري، ترجمت قليلا عن اللغة الام الفرنسية ترجمات اتبنى بعضها واهمل بعضها الاخر، لكن المسالة ليست في ممارستي التقنية والعملية للترجمة، و اظن ان ممارستي للترجمة قائمة دائما على المستوى النفسي، فانا اقرا معظم ما اقراه من شعر بالفرنسية و اقرا عن طريق الفرنسية اشعارا من لغات شتى ومن ثقافات شتى، و حين اقرا باللغة الفرنسية لا انسى اني لست فرنكوفونيا، صحيح أني اعرف الفرنسية لكني لم اتربَّ بالفرنسية شان كثيرين في هذا البلد، لقد تعلمت الفرنسية على انها اللغة الثانية و اشتغلت على نفسي لاتقانها بيد انها تبقى بالنسبة لي اللغة الثانية، ما يعني ان جزءا من اسرارها و ايقاعاتها الداخلية و تراكيبها يخفى علي، بمعنى آخر حين اقرأ الفرنسية استشف جزئيا ايقاعات اللغة ولعبتها، لكنني لست محيطا بها، لذا احسب اني حين اقرأ بالفرنسية اقوم بعملية مزدوجة، اقرأ بالفرنسية، احولها للعربية في راسي، واسمع بالعربية، لذلك فان حسي بالايقاع يبقى عربيا.
و بالتالي ان ما افعله، عملية مزدوجة تجمع بين القراءة بالاجنبية و السماع العربي، بهذا المعنى عملية الترجمة قائمة دائما في راسي، و حين لا اترجم النص الذي اقراه فانني ابدأ بتحويل النص الى عربي وهذا ما قد يدخله في شعري و أحيانا اقول مازحا اني اترجم شعراء كثرا في شعري، و هذا على الرغم من كونه مزاحا فيه الكثير من الجد فحين نتكلم عن تاثرات بشعراء فاننا لا نتكلم عن سرقة صورة، بل هذا يعني تشربك لشعر الشاعر، و هذا التشرب لا يمكن ان يكون بين لغتين، فلكل لغة ايقاعاتها او اسرارها، و هذا التشرب يتم بعملية بحت شخصية و ذاتية و هي عملية تحويلك اللغة الام الى ايقاع عربي، وهذه عملية لا نستطيع ان نبت اذا كانت صحيحة اصلا فانها عملية شخصية و ذاتية و هي جزء من ابداعنا الخاص.
ثانياً: ألا تعتقد أن ترجمتك لشاعر ما قد تؤثر على قولك الشعري diction، ثم ألا تخشى أن يؤثر الإكثارُ من الترجمة في أسلوبك الخاص؟
في الواقع ان ترجمتي لشاعر تنبع اساسا من تاثيره على قولي الشعري، يعني اني لا اترجم شاعرا لا احس انه لم يؤثر في أوفي شعري. و الترجمات التي ترجمتها هي ترجمات لاشعار لشعراء تاثرت بهم، فشعر يفعل في شعري، هو شعر احب ان اقوم مجددا بقراءته من خلال ترجمتي له، لان الترجمة في وجه منها تحديد للقراءة، فعندما تترجم انت تضع معنى نهائيا لما تقرأ، فالترجمة هي تصفية حساب مع النص، بمعنى اننا نتخلص من امور هي شديدة التاثير علينا و نعاني من شدة تاثيرها، و نحاول ان نتفاهم مع هذا التاثير بان نجد له حدودا و ان نجد له نهاية.
ثالثاً: يقيناً أنك تترجم شعرَ الآخر لإفادة القارئ العربي، لكن هل ثمة دافعٌ (شخصي- شعري) غير هذه الخدمة الثقافية، يدفعك إلى ترجمة هذا الشاعر وليس ذاك؟
بالطبع حين اترجم فانا اترجم شعراء احبهم و اظن حدسا اني استطيع ان اعربهم اي اني استطيع ان اجد لهم ايقاعًا عربيًا فبعض الترجمات حين يترجم، يتحول الى كتابة شبه صحافية كنصوص كفافي التي تشبه غالبًا نصًا ركيكًا، شبه صحافي و نثري، الى حد فقدان اللمعة الشعرية، وحين ترجمته كان همي ان ابحث عن مقابل له في النثر العربي و ان استخرج من النثر الخالص ما هو موسيقى النثر الخالص نجحت ام لم انجح فهذا ليس مهما، واشير لذلك لاقول ان عملية الترجمة هي على نحو ما تمرين شعري، و في هذه العملية جزء من استيضاح صورة شعرية، ترجمت برنارد نويل لانه في قسوته الشعرية يشبهني وكريتشز ترجمته لاني تاثرت به و اعتبره كاحد معلميّ.
رابعاً: كيف تأتي إلى الشِّعر المراد ترجمته- هل تستفيد مِمّا كتب من دراسات عن هذا الشِّعر وصاحبه؟
لانني لست مترجما محترفا فاني اترجم تقريبا لنفسي، و اقرأ عن الشاعر ما يهمني، أختار بعضًا من النصوص التي تروقني وتؤثر في، بعض القراءات افادني كثيرا، و بعضها يعطيك لغة لمشاعرك.
خامساً: كتب عبد القادر الجنابي في العدد الثاني (2001) من مجلته "أرابويتيكا" الفرنسية ما يلي "الشِّعر العربي المعاصر مدين إلى ما تراءى من نماذج عبر ترجمات مجلة "شعر" أكثر مِمّا هو مدين للإنتاج الأدبي العربي الحديث نفسه"... ما رأيك في هذا التصريح؟
هذا القول صحيح، ذلك أن الفضل الاول يعود لمجلة شعر، و بخاصة الى ترجماتها في اعدادها الاولى، و رغم ان بعض هذه الترجمات كان ركيكًا الى حد بعيد، لكننا لا ننسى ان النصوص المترجمة بالمقارنة مع النصوص الموضوعة في تلك الآونة بدت هي الاساس وهي الاصل، فالنصوص الموضوعة آنذاك كانت في الغالب هزيلة بالمقارنة مع النصوص المترجمة، ففي تلك الفترة كان الشعراء يجربون و في تجربيهم قدر كبير من الابتداء و من الاصطناع و من المحاكاة، بينما كانت النصوص المترجمة في بعض منها منارات شعرية والاغرب، ان بعضا من هذه النصوص المترجمة تحول الى اصول كبرى للشعر العربي.
أجوبة:
1- سهيل نجم: ترجمة الشعر بين الاستحالة والأثر
2- سركون بولص: الترجمة الشعرية وسحر الإيصال
إسكندر حبش: هناك طريقة روبان الثالثة
سلمان مصالحة: لماذا التّرجمة، وكيف؟
د. صلاح نيازي: كلّ نصّ متميز ترجمة خاصّة مفصّلة عليه
صبري يوسف: ترجمة الشِّعر خيانة لذيذة
عقل عويط: لا مفرّ من استضافة الأنهر والضفاف المترجمة
هاتف جنابي: الترجمة بين الأمس واليوم أي: بين الشفة والمشفر
هنري زغيب: ساعَدت الترجمة على صقلِ أسلوبِيَ الخاص
بول شاؤول: الترجمة قبل كل شيء لقاء مخيلتين
