إيلاف: لشخصيات البشر وطباعهم سلوكيات متعدّدة، تختلف من شخصٍ إلى آخر. ولكن على الرغم من هذا الاختلاف ثمَّة مسار طبيعيّ يسلكه الجميع. أحياناً وليس دائماً. خاصَّة بوجود طرق ومسارات فرعية سلكها بعضنا.

ولعلَّ أبرز مايميّز كتاب "انحراف في الشخصيَّة" للباحث السوري هايل شرف الدين (الصادر عن دار ظمأ) هو  إخراج الأمراض النفسيَّة والاضطرابات العقليَّة من عالَمها الغامض والمُريب، وذلك من خلال انتشال الحالات النفسيَّة والمَرَضيَّة من موطنها الإكلينيكيّ، وتحويلها إلى حالاتٍ أدبيَّة ومواد معرفيَّة يسهل على الجميع التعرُّف عليها وتداولها.

تناول الكاتب هذا الانحرافات على مستوى الشخصيَّة الإنسانيَّة بطريقةٍ سلسة وبلُغة سيَّالة بعيدة كل البعد عن ثقل المصطلحات الطبيَّة الجامدة.

عندما نقول كتاب في علم النفس، ينتابنا شعور بالقلق من بدء القراءة وخوض هكذا تجربة، وذلك لصعوبة المصطلحات وتعقيد الشرح، إلا أنَّ الكاتب هنا استخدم الأسلوب الأدبيّ الشيِّق في التعريف عن الشخصيَّات الحاضنة للعقد والاضطرابات النفسية كالشخصيَّة الماسوشيَّة والشخصيَّة الحدِّيَّة... إضافةً إلى استخدامه لغة التشبيه لتقريب كل حالة أو مشكلة وإيصالها إلى أكبر شريحة من القُرّاء على اختلاف ثقافاتهم وتوجهاتهم، كتشبيهه الحبسة الكلاميَّة بالموظَّف الكسول المُتقاعس عن أداء واجبه بالزمن المطلوب، وتشبيهه المُصاب بمرض الكذب القهريّ بالحكواتي القسريّ، أو تشبيه المزاج الشهوانيّ لدى الحوامل بساعي البريد الذي أضاع موقع صندوق البريد الخاص بالرسالة التي يحملها.

يتحدَّث الكاتب  أيضاً عن مراحل النمو النفسي - الجنسيّ لدى الطفل، وعن الدور المفصليّ الذي يلعبه الحصر في تحديد شخصيَّة الطفل مستقبلاً.

كما ونتعرَّف من خلال هذا الكتاب على الكثير من الآليات النفسية المؤثِّرة في الإنسان مثل: النكوص والتثبيت والمقاومة والتحويل وغيرها. هذا بالإضافة إلى تعريجه على الصراع الجنسانيّ السلطويّ ما بين الرجُل والمرأة، ومحاولته البحث في أسبابهِ والكشف عن الكثير من أسرارهِ وجذورهِ السيّكولوجيَّة.

وفي هذا الصدد فليسمح لي القارئ باقتباس هذا المقطع: "إنَّ الاختلاف التشريحيّ أدَّى إلى إفراز عقليتين مختلفتين تُكمّل إحداهما الأخرى، ولا ندّعي غياب إحداهما عن أحد الجنسين، ولكن نقصد ترجيح كفّة المنطق لدى الرجُل وترجيح كفّة العاطفة عند المرأة. ولمَّا كانت أرضية عقل المرأة شديدة الحساسيَّة فلا بدّ أن تنعكس على نمط تفكيرها وطريقة تعاملها مع الواقع المحيط. لذلك هي عكس الرجُل في جميع المفاهيم. فتميل المرأة للتشخيص، بينما يميل الرجُل للتجريد، لأن عاطفة المرأة قد حوّلت مفاهيم الرجال المُجرَّدة إلى كائنات من لحم ودم".

ومن خلال معرضٍ آخر في الكتاب يطرح الباحثُ السؤالَ التالي: هل من المستحيل أن يتلامس عالما الواقع والخيال؟ أم أنه قد يغدو ممكناً لمن تاه في طُرقٍ فرعيَّة عن الطريق السليم! وهل الإهمال العاطفيّ والتخليّ وعمليَّة إفلات اليد في منتصف الطريق، قد يتركنا في الجزء المظلم والموحش من غابة الحياة مسبِّباً غُربة أنانا عن ذاتنا.

كل تلك التساؤلات وغيرها ستغزو عقلنا فور إغلاقتا للصفحة الأخيرة. وليست التساؤلات فحسب، بل التخيُّلات التي اصطحبتنا مع كل تشبيهٍ وكل اضطرابٍ قد تمَّ استحضارهُ في هذا الكتاب.