يرى الكثير من السياسيين والحقوقيين أن استمرار العمل في المحاكمات العسكرية للمدنيين في مصر يعتبر انقلاباً على الثورة وارتداداً إلى الخلف، ولهذا يتوجب على المجلس العسكري الحاكم للبلاد العمل على إلغاء هذا القانون بأسرع وقت ممكن.
![]() |
| دبابات أمام احدى المحاكم المصرية |
رغم أن ثورة 25 يناير إندلعت ضد الإستبداد والقمع بالأساس، إلا أن الكثير من مظاهر هذا الإستبداد مازالت مستمرة، ولاسيما المحاكمات العسكرية للمدنيين، التي ترفضها جميع القوى السياسية والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية، ويعتبر مطلب إلغائها قاسماً مشتركاً بين جميع المطالب التي رفعتها التظاهرات المليونية التي خرجت منذ نجاح الثورة في الإطاحة بنظام حكم الرئيس السابق حسني مبارك في 11 فبراير الماضي، ولكن ما زال المجلس العسكري يصر على إستمرارها، ما يراه بعض المراقبين للشأن المصري بأنه quot;إنقلاب على الثورةquot;، أو quot;إرتداد للخلفquot;.
5 آلاف حكم عسكري في شهرين
وفقاً لتقرير لمنظمة هيومان رايتس للدفاع عن حقوق الإنسان فإن خمسة آلاف مواطن مصري تعرضوا للمحاكمات العسكرية منذ تنحي الرئيس السابق حسني مبارك في 11 فبراير الماضي، وحتى نهاية شهر أبريل الماضي، أي خلال أقل من شهرين، فيما تقدر منظمات حقوقية محلية الأعداد بنحو 17 ألف مواطن منذ 11 فبراير وحتى نهاية شهر يونيو الماضي.
واعتبرت هيومان رايتس المحاكمات العسكرية للمدنيين بمثابة quot;خطف لنظام العدالةquot;، وأنها quot;تؤدي إلى وقوع إنتهاكات بالجملة بحق المحالين على تلك النوعية من المحاكمquot;، وانتقد جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومان رايتس ووتش، المجلس العسكري بسبب quot;محاكمة المتظاهرين الشبان أمام محاكم عسكرية غير منصفة، في الوقت الذي يحاكم فيه مسؤولو مبارك السابقون بتهم الفساد وقتل المتظاهرين أمام المحاكم الجنائية العاديةquot;.
وأضاف في تقرير للمنظمة: quot;من المروّع أن أولئك الذين تظاهروا سلمياً ضد مبارك يخضعون حالياً للاحتجاز لأنهم تظاهروا سلمياً ضد السلطات الجديدةquot;. وأضاف: quot;على المؤسسة العسكرية أن تفرج عن جميع المتظاهرين المحتجزين دون وجه حق وإعادة محاكمة الآخرين الذين توجد ضدهم أدلة أمام المحاكم العاديةquot;.
مخالفة للمواثيق الدولية
وحسب الناشط الحقوقي أحمد راغب عضو حركة quot;لا للمحاكمات العسكرية للمدنيينquot;، فإنها تخل بحقوق المواطن في الحصول على محاكمة عادلة، وقال لـquot;إيلافquot; إنها تمثل خرقاً للمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي وقعت مصر عليه، ويشدد على أهمية حق الجميع في المثول أمام محكمة مختصة ومستقلة ونزيهة.
وكان لراغب دور فاعل في الدفاع عن العشرات من الشباب المحتجين المحالين على محاكمات عسكرية فضلاً على دوره في كشف النقاب عن قضية إجراء الشرطة العسكرية لاختبارات عذرية للمتظاهرات، وتابع قائلاً إن المحاكمات العسكرية لا تقتصر على البلطجية فقط، رغم أن هذا الأمر مرفوض أيضاً، ولكنها امتدت لتطال الناشطين السياسيين، وهناك العديد من الشبان والشابات ممن إشتركوا في التظاهرات في 9 أبريل أو التظاهرات التي إندلعت أمام السفارة الإسرائيلية وبعض المدونين خضعوا لها.
وشدد راغب على ضرورة أن تقتصر المحاكمات العسكرية على المخالفات أو التجاوزات التي تصدر من عسكريين فقط، ولا تمتد إلى المدنيين حتى ولو كانوا من البلطجية أو رموز الفساد في النظام السابق.
ونوه راغب بأنه ومجموعة من الناشطين إلتقوا ممثلين عن المجلس العسكري وتلقوا وعوداً بإعادة محاكمة المحتجين المعتقلين، والنظر في إحالة ملفات المدنيين الذين حوكموا عسكريا على محاكم مدنية، بالإضافة إلى التحقيق الجدي في انتهاكات الشرطة العسكرية والجيش، مشيراً إلى أن أعضاء المجلس لم يحددوا موعدا لإنجاز تلك الوعود.
ضغوط شديدة
تعرض المجلس العسكري للكثير من الضغوط للعدول عن إحالة المدنيين على المحاكمات العسكرية، وشارك فيها نشطاء وسياسيون ومنظمات مصرية ودولية، غير أن الضغط الأكبر كان أثناء مليونية 8 يوليو الماضي، وخرج بيان للمجلس في اليوم التالي مؤكداً إقتصار تلك المحاكمات على قضايا البلطجة والإغتصاب والإعتداء المسلح على الشرطة، ونفى خضوع أي من المدنيين أو شباب الثورة لها، وطلب كل من لديه أسماء مدنيين أو نشطاء تعرضوا للمحاكمة العسكرية بتقديمه إليه، ووعد بالإفراج الفوري عنهم، أو إحالتهم على القضاء العادي.
وبلغت المواجهات بين المجلس العسكري وشباب الثورة ذروتها عندما حضر اللواء طارق المهدي عضو المجلس العسكري إلى ميدان التحرير للتفاوض مع المعتصمين والمضربين عن الطعام من أجل فتح الميدان وفض الإحتجاج، فطالبوه بالإفراج عن المحكوم عليهم عسكرياً، ووقف المحاكمات، ومنهم ضباط في القوات المسلحة الذين إنضموا إلى المحتجين أثناء الثورة، فرفض واصفاً الضباط بquot;الخونةquot;، وثار ضده الشباب وطردوه من الميدان.
مبارك لا يحاكم عسكرياً
ووصف رمضان بكري ـ أحد مصابي الثورةـ محاكمة المدنيين عسكرياً بأنه quot;إنقلاب على الثورةquot;، وأضاف متسائلاً: quot;كيف تجري محاكمة البلطجية ومن قتل فرداً واحداً عسكرياً، في حين يحاكم من قتلوا 846 مصرياً من خيرة الشباب أمام القضاء العادي؟quot;. وزاد قائلاً: quot;لا بد من محاكمة الرئيس السابق ووزير داخليته حبيب العادلي عسكرياً، هؤلاء عسكريون وليسوا مدنيين، هؤلاء يستحقون صدور أحكام سريعة وعاجلة، وليس البلطجيةquot;.
وأضاف بكري الذي يعتصم في ميدان التحرير إحتجاجاً على بطء محاكمة قتلة الثوار ورموز النظام السابق. وأشار بكري إلى أن المحاكمات طالت العديد من شباب الثورة، وهناك مخاوف من أن تطال الرموز السياسية أن تتحول إلى جزء من نظام الحكم فيستخدمها النظام المقبل ضد المعارضين في المستقبل، كما حدث في ثورة 23 يوليو في قانون الغدر الذي صدر ضد أعضاء النظام الملكي ثم تحول إلى صدور معارضي حكم جمال عبد الناصر.
تعارض مع مبادئ الثورة
يعتبر المجلس القومي لحقوق الإنسان أحدث المنضمين لحملات رفض المحاكمات العسكرية للمدنيين، ودعا في بيان صدر أمس، وحصلت quot;إيلافquot; على نسخة منه، إلى quot;عدم محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية واقتصار نطاق اختصاص القضاء العسكرى على ما نص عليه في قانونه فقط quot;، مشيراً إلى أنه quot;سيتقدم للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بكشف بأسماء المحكوم عليهم بأحكام عسكرية للمطالبة بالإفراج عنهم أو إعادة محاكمتهم أمام القاضي الطبيعيquot;.
ووفقا لما يقوله حافظ أبو سعدة عضو المجلس فإن محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية أمر ترفضه المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، لأنها تفتقر إلى توافر الحد الأدنى من الإجراءات القانونية وضمانات المحاكمة العادلة، وقال لـquot;إيلافquot;: quot;إن استمرار إستخدام القضاء العسكري بحق المدنيين يتعارض مع المبادئ التي قامت من أجلها ثورة 25 يناير، مطالباً المجلس العسكري بضرورة إعادة النظر فيها، لأنها لا تتناسب مع مكانة مصر، ولاسيما أنه تؤسس دولة جديدة على أسس من الديمقراطية وإحترام الحقوق والحريات، معتبراً أن المثول أمام القضاء الطبيعي من أهم مبادئ حقوق الإنسانquot;.

