تحاول السلطات الألمانية جاهدة للحد من ظاهرة إدمان الميسر، المتفشية بين الشباب، وخصوصًا على الآلات المنتشرة في كل مكان، مدفوعة بوجود أكثر من 300 آلاف مدمن على الميسر.
كولون: إدمان الميسر أسرع وأصعب من إدمان الكحول والمخدرات، بحسب ميتشيلد دوكمان، مفوضة شؤون الادمان في البرلمان الألماني، quot;لأن القوانين التي تحمي الشباب من أجهزة اللعب الاوتوماتيكة ضعيفة، كما أن الوصول إلى هذه الأجهزة أسهل بكثير من الوصول إلى المخدرات، ناهيك عن أن دورات معالجة إدمان الميسر أطول وأكثر كلفة من دورات معالجة إدمان المخدراتquot;.
لحظر الأجهزة
بسبب وجود 300 ألف مدمن على الميسر في ألمانيا، ونحو 200 ألف مواطن من المترددين يوميًا على أجهزة اللعب الإلكترونية في طريقهم إلى الادمان، أو يقفون على حافة الادمان، طالب مجلس المدن الألمانية بحظر هذه الأجهزة في المقاهي والمطاعم والبارات، ووضع شروط مشددة على المكائن العاملة في أندية اللعب والكازينوهات وصالات اللعب الصغيرة.
وقدر هيلموت ديدي، المتحدث الصحافي باسم المجلس، وجود ثلاثة أجهزة لعب اوتوماتيكية كمعدل عام في كل بار ومطعم ومقهى في ألمانيا، وهذه أجهزة يجد القاصرون طريقهم إليها بسهولة.
وهناك في ألمانيا حاليًا 265 ألف جهاز لعب اوتوماتيكي من كافة الأنواع، منها 70 ألفًا في المطاعم والبارات والمقاهي. عموما هناك 34 ألف مدمن على القمار في العاصمة برلين وحدها، ويشكل الأجانب نسبة 40% منهم أيضًا. وهناك في برلين 600 صالة للعب، فيها 10 آلاف جهاز اوتوماتيكي. وقد حققت شركات توزيع أجهزة اللعب الاوتوماتيكية أكثر من 33 مليار يورو في العام 2012، بحسب مصادر دائرة الاحصاء المركزية، لكن الخسائر الاقتصادية الشخصية والعامة الناجمة عن ادمان الميسر ترتفع تمامًا إلى هذا المبلغ، بحسب مصادر وزارة الصحة.
حلم بالثروة السهلة
طالبت ايلونا كلاينشميدت، رئيسة الاتحاد الألماني ضد الادمان، حكومة التحالف التي تقودها انجيلا ميركل، برفع كافة أجهزة اللعب من الصالونات المتخصصة والكازينوهات. وتعبيرًا عن خشيتها من تفاقم مشكلة الادمان على القمار، ذكرت كلاينشميدت أن 19500 مدمن زاروا مراكز التخلص من الإدمان في العام 2012 بحثًا عن ارشادات، لكنهم لم يدخلوا الدورات العلاجية. وكان عدد هؤلاء لايزيد عن 16800 في العام 2011، ويشكل الرجال 90% منهم.
المشكلة الاجتماعية الأخرى هي أن معظم هؤلاء من الطبقات المسحوقة والفقراء والعاطلين والمتقاعدين. ويقدر الاتحاد، بناء على معطيات مستمدة من آلاف المقابلات، أن المقامر من هذه الفئة يخسر 250 يورو كمعدل في آلات اللعب شهريًا، وهذا يعادل 70% من مصرف جيب متلقي المعونات الاجتماعية، ونصف راتب المتقاعد. ويحلم هؤلاء بالثروة تنزل بغتة على رؤوسهم من خلال اللعب على الآلات، خصوصًا أن بعض هذه الأجهزة تتيح ربحًا قد يصل إلى 100 ألف يورو.
حلقة مفرغة
ينتشر إدمان الميسر بين ذوي الدخول المحدودة وبين أقل فئات الناس قدرة على التأقلم مع المحيط الاجتماعي. فهناك علاقة ظاهرة بين الفقر والميسر، فأحدهما يقود إلى الآخر، مثل الدوران في حلقة مفرغة. ويعاني نحو مليوني شخص يعيشون في ألمانيا، معظمهم من النساء والأطفال، من إدمان معيليهم.
المضحك في الأمر هو أن الاسم الألماني السائد، والمخفف طبعًا، للميسر هو quot;ألعاب الحظquot; رغم أن هذا اللعب لا يجلب غير الافلاس والتعاسة والجريمة للاعبيه. ويرتبط الميسر في ألمانيا، كما هي الحال في كل بقعة من العالم، بارتفاع حالات الطلاق وجنوح الأطفال وجرائم القتل.
أحد المترددين يوميًا على أجهزة اللعب هو المواطن ديتر ب. (42 عامًا) من مدينة كولون. ويمتلك ديتر ورشة صغيرة لتصليح الكومبيوترات القديمة وبيعها، لكنه يغادر الورشة يوميًا في السادسة مساء إلى مقهىquot;الفرسان الثلاثةquot;، ليبارز حظه في الكسب السريع على الآلات. واعترف ديتر بأنه يخسر أكثر بكثير مما يكسب، لكنه يعتبر ذلك تمضية للوقت حتى وصول زوجته الممرضة إلى البيت في الساعة الثامنة مساء. سألناه إن كان بوسعه التوقف عن اللعب عندما يكسب، فأجاب ضاحكًا أن المدمن لايعرف كيف يتوقف.
ضروب احتيال
تحدثت ميتشيلد دوكمان، مفوضة شؤون الإدمان في البرلمان، عن ارتفاع عدد المدمنين من 184 ألفًا في 2006، إلى 242 ألفًا في 2001، ومن ثم إلى 300 ألف في 2013. والمشكلة، رغم الاجراءات الحكومية، أن عدد المكائن في ألمانيا زاد بنسب مماثلة، وزاد في الوقت ذاته الفرق بين المال الملعوب به وأرباح المكائن بنسبة 100%، وهي أرباح صافية لأصحاب المكائن.
المقلق في الأمر أن نسبة كبيرة من هذه الأرباح في المقاهي والمطاعم لا تدخل في حسابات الضرائب بسبب تلاعب أصحاب المكائن. وتبدو رقابة الدولة على المكائن في الصالات والكازينوهات أفضل، لكن أصحاب المكائن تحايلوا بشكل ذكي على القرارات الحكومية.
حين قررت الحكومة الاتحادية تحديد الحد الأعلى للعب على الماكنة بمبلغ 80 يورو في الساعة، حولت صناعة الأجهزة أجهزتها الجديدة من نظام عرض نتائج اللعب باليورو إلى نظام عرضها بالنقاط.
وأجرى البروفيسور جيرهارد ماير، الخبير في صناعة أجهزة اللعب في جامعة بريمن، دراسة مختبرية على الأجهزة الجديدة، فوجد أن نظام النقاط يسمح باللعب بمبالغ ترتفع إلى أكثر من 1000 يورو في الساعة. يقول ماير: quot;هناك امكانية اللعب بمبلغ 1450 يورو في 5 ساعات بحسب نظام النقاط، وقد تمكنت بنفسي من اللعب على أحد الأجهزة بمبلغ 480 يورو خلال 9 دقائقquot;.
متفشية بين الأجانب
تواجه الجالية التركية، وتعدادها 2,3 مليون في ألمانيا، مشكلة إدمان الميسر بين أفرادها، وخصوصًا بين ذوي الدخول المنخفضة. ويبدو أن العوامل التي تعزز هذه الظاهرة، رغم تدين الأتراك بشكل عام، ومعرفة المواطن التركي بأن الدين الإسلامي يحرم الميسر، وهي العوامل نفسها التي رفعت نسبة السكر في دمائهم. قدمت quot;شاريتيه برلينquot; دراسة حول أتراك المهجر، تشي بمعاناة 12% منهم من داء السكري، في حين لا تزيد هذه النسبة في الأناضول عن 6%.
وتشير إحصائية اتحاد مكافحة الإدمان الاتحادية إلى نسبة المهاجرين بين المدمنين على الميسر في ألمانيا ترتفع إلى 40% رغم أن نسبتهم إلى السكان في ألمانيا لا تتجاوز 8,3%. يتخصص الباحث كاظم اردوغان في متابعة حالات الإدمان في حي نوي كولن البرليني، الذي يعتبر حي المهاجرين والفقراء في العاصمة الألمانية. وأحصى اردوغان في شارع كارل ماركس، وهو أحد الشوارع الرئيسة في الحي، 44 صالونًا للعب والمراهنات. ومعظم المدمنين هنا هم الأجانب ويشكل الأتراك غالبيتهم. وتثبت إحصائيات اردوغان أن المهاجرين والأتراك يشكلون نصف المدمنين، لأنهم أساسًا يشكلون 66% من سكان الحي. ويحقق كل جهاز لعب مبلغ 3000 يورو كمعدل شهري، لكن حصة الاسد تذهب بالطبع إلى شركات تصنيع وتوزيع هذه الأجهزة.
على الانترنت
دخلت أجهزة اللعب الاوتوماتيكية، وبينها البوكر والروليت، إلى غرف المراهقين والقاصرين في ألمانيا، من خلال quot;ألعاب الحظquot; المطروحة في الانترنت، فلا يحتاج المراهق للخروج إليها، ولا إلى موافقة أهله كي يخسر نقوده فيها. ويعرف الجميع أن غرف أطفال اليوم لا تخلو من لابتوب أو آي فون.
ترتفع نسبة المدمنين على آلات اللعب الالكترونية، وبينها ألعاب بريئة، إلى 3% بين القاصرين، وهذه النسبة ليست بقليلة. ويتفق المحللون النفسيون على أن سحب المال اتوماتيكيًا على الانترنت وتبذيره أسهل من صرف مال حقيقي في الجيب.
تقف الحكومة الألمانية حائرة ازاء مكافحة القمار في المطاعم والمقاهي فكيف سيتسنى لها اخضاع الميسر الافتراضي لرقابتها؟ لاشك في أن هذا يفترض جهدًا إضافيًا، لكن ليس قبل وقف تفاقم حالة الادمان على الأجهزة الواقعية. وتعرف الحكومة أن فرض المنع على القاصرين سيدفعهم للعب على الانترنت.
الإجراءات الحكومية
رفعت الحكومة الضرائب على أرباح المكائن من 12 إلى 15 بالمئة، ووقف وزير الاقتصاد الاتحادي السابق فيليب روزلر، من الحزب الليبرالي، ضد مقترح حزب الخضر الداعي إلى رفع الضريبة إلى 20 بالمئة. وتقدمت دوكمان ببرنامج من عدة نقاط لمكافحة الادمان على الأجهزة الأوتوماتيكية، ينطلق من quot;الوقاية خير من العلاجquot;، وتخطط لوضع المزيد من الشروط المتشددة على أصحاب الصالات والمقاهي. وضمن المقترحات تفكيك أجهزة اللعب الإلكترونية في المقاهي والبارات ومحطات التزود بالوقود وفي المحطات والمطارات في الحال، ومنع الشباب تحت سن 17 سنة من اللعب على صالات اللعب المتخصصة والكازينوهات. ومن حق الشرطة السرية مستقبلًا التدخل لوقف أي شاب تحت سن 18 سنة يمارس هذه الألعاب، كما يمكنها منع الشخص البالغ من اللعب، في كافة أرجاء ألمانيا، لو تردد للعب على نفس الصالات وتكررت خسائره.
فضلا عن ذلك، تفيد خطط الوقاية بضرورة عدم منح إجازة نصب أجهزة لعب الميسر في الأحياء السكنية، ولا إجازة لصالة لا تبعد أقل من 1000 متر عن صالة أخرى.
كما تخطط دوكمان لإجبار شركات إنتاج أجهزة اللعب الإلكترونية على تقليل الحد الأقصى للكسب من 500 يورو إلى مجرد 150 يورو، بهدف تقليل شهية الرواد للعب الميسر.
خسارة ومحاكمة
في كازينو مدينة بادميغنهايم الصغيرة، قرب مدينة شتوتغارت، لكم شابٌ عمره 20 سنة زجاج آلة اللعب، بعد أن خسر 400 يورو خلال ساعة واحدة.
قاوم الشاب رجال الشرطة حينما حضروا لتهدئته، وكانت النتائج تغريمه تعويضات قدرها 2000 يورو عن الأضرار التي لحقت بالجهاز، ونقله إلى المستشفى لتجبير كسر في يده، وابقائه ليلة واحدة في السجن تحت الرقابة بسبب الثمالة، وتقديمه إلى النيابة العامة بتهمة تهديد الأمن الاجتماعي ومقاومة الشرطة.
ولم تحتسب الشرطة الخسائر النفسية والعائلية التي تنعكس على المقامر الشاب.

