كأنه الأمس يعيد نفسه. الصورة المظلمة ذاتها، صورة الموت يخطف الأبرياء في كل زمان ومكان. ها هي روح عبد الرحمن طقوش تحوم في الأنحاء.. تواكب روح علي شعبان شهيدين في حب الوطن.
هي دموعي ينثرها حسين خريس وعبد خياط على رفيق دربهما علي شعبان.. توأم دموع ذرفتها منذ 12 سنة على رجل لم أعرف عنه إلا اسمه.. quot;عبد طقوشquot; سائق البي بي سي الذي لم أسمع منه إلا أنين أصابني بالعجز المطلق.. عجز غير القادر على إنقاذ رجل ترك يحترق على الملأ تحت وابل من القصف الإسرائيلي، بينما نحن محاصرون في محطة وقود على مرأى من عيون العدو.. يومها شعرت بمعنى موت الأبرياء.. يومها ارتجف القلب حزناً بل هلعاً..
الغصة نفسها شعرت بها مرتين في أيار العام 2000، واليوم في نيسان 2012.. هي أكبرمن غصة هي شعور بالاختناق كلما تذكرت تلك الصور التي لا تمحى لساعات قليلة عند الحدود الجنوبية عند أطراف بلدة العديسة، قبالة المستعمرة الإسرائيلية.. هناك حيث كان الربيع اللبناني منثوراً على كل الجنوب..
سقط علي على هامش ربيع لم يزهر إلا موتاً.. ربيع أينع موتاً عند أطراف النهر الكبير.. هناك حيث لا عدو مفترض بل على العكس شقيق.
في الماضي اقتلع عبد طقوش من قلوبنا فرحة التحرير لزمن طويل.. حزن سكننا على شهيد لم يكن ذنبه إلا أنه شق طريقه في أرض بكر محررة.. فاصطادته النيران الإسرائيلية..
واليوم وبعد سنوات وفي المقلب الآخر من الوطن، عند الأطراف الشمالية حيث الحدود اللبنانية السورية، سقط علي بنيران الأخوة دون ذنب أيضاً إلا أنه حمل كاميرته لينقل الصورة.. فبات هو الحدث عندما اسنشهد عبد توقفت الدمعة في عيوني لأيام قبل أن تجد طريقها إلى الحرية.. مع علي كان الوضع أسهل.. فلم يعد من السهل أسر العبرات في المقل.. باتت أقوى على سجن النفس.
عندما استشهد عبد الرحمن كبر أطفاله في غياب الأب.. فرح بهم إلى حين.. وحين استشهد علي ترك الأهل والخطيبة مع حرقة لأفراح كانت تنتظرهم ولم يدركونها..
بين عبد وعلي سنوات إثني عشرة إلا قليلاُ.. بينهما وطن على امتداد 10452 كيلومترمربع.. بين عبد وعلي دموع لم تستطع سنوات السلم محوها.. بينهما ظلم كبير يعبر من القلب إلى العقل وبالعكس دون أن يجد الإجابات..
بين شهيد الجنوب وشهيد الشمال علامات استفهام كبيرة.. بينهما مهنة المتاعب المحفوفة بالموت في كل حين..
من روح عبد الرحمن طقوش إلى روح علي شعبان سلام وأمل بغد يزهر ربيعه وروداً لا دماء.. غد تتقمص البنادق فيه روح الورد.
من عبد طقوش إلى علي شعبان.. بنادق لا تتقمص روح الورد
هذا المقال يحتوي على 374 كلمة ويستغرق 2 دقائق للقراءة
