الحکم الغريب الذي أصدره قاض في أحدى المحاکم التابعة للنظام الايراني بمدينة مريوان و الذي يقضي بإلباس ثلاثة من البلطجية ملابس نسائية و سيرهم بين الناس کعقاب لهم، أثار حفيظة النساء الکرديات في مدينة مريوان ودفعهن للقيام بتظاهرات صاخبة إحتجاجا على هذا الامتهان غير الانساني و غير المبرر أخلاقيا لکرامة شخصية المرأة، ولاسيما وان السلطات التابعة لقضاء النظام الايراني قد ألبست هؤلاء البلطجية الملابس التقليدية لهن، وهو أمر وضع قضاء النظامquot;الظالمquot;وquot;القمعيquot;في موقف حرج مما أضاف ثقلا جديدا على کاهل النظام المتهالك بفعل الازمات و المشاکل المتزايدة في البلاد بسبب من سوء الادارة.
مظاهر رجم المرأة الايرانية او جلدها و تلك العقوبة الغريبة التي أشرنا إليها آنفا، تؤکد بأن هذه المرأة بالذات تتعرض لهجمة فکرية سياسية شرسة من جانب النظام نفسه منذ أکثر من ثلاثة عقود لکنها و بفعل الاوضاع الحرجة و الحساسة جدا للنظام في المرحلة الحالية، قد وصلت الى مستوى غير مسبوق ينذر بالاحتمالات بالغة السوء مالم يتم تدارك الموقف و الوضع بصورة عاجلة، وإذا ماعلمنا بأن الدور المشهود الذي قامت و إضطلعت المرأة الايرانية به أثناء الثورة الايرانية في 11 شباط 1979، وکونها کانت تمثل محور الثورة و مرتکزها الاساسي من حيث دفع أخيها او أبنها او أباها بالاضافة الى مشارکتها المباشرة للوقوف بوجه نظام الشاه و وضع حد لطغيانه و جبروته، ولذلك فإن النظام الديني القائم و المبني على فلسفة الاستبداد و القمع، قد وضع في حسبانه هذا الامر و بادر منذ الايام الاولى من إستلامه لزمام الامور الى حصر المرأة الايرانية في أضيق زاوية ممکنة و سلبها کل أسباب و عوامل التحرك و النشاط السياسي و الفکري و الاجتماعي بدعاوي و مزاعم متخلفة و بالية وقد خطط النظام لمسير طويل من المواجهة مع هذا المکون الاجتماعي المهم و الحساس و بمختلف الطرق و الوسائل و الاساليب.
لقد کانت المواجهة الاولى بين النظام و المرأة الايرانية في بدايات نجاح الثورة، عندما قام بسن قانون فرض الحجاب على المرأة الايرانية و التي جوبهت بالرفض الکبير من قبل الشريحة النسوية وقتئذ و إندلعت تظاهرة نسائية عارمة جابت شوارع طهران ضد هذا القانون و الملفت للنظر هنا، أن العنصر النسائي التابع لمنظمة مجاهدي مجاهدي خلق و الذي کان يعتبر عماد نجاح الثورة و وقودها الاساسي، قد کان يشارك الى جانب النساء المتظاهرات ضد مبدأ فرض الحجاب قسرا، وهو ماأثبت ومنذ بداية الثورة خصوصية المنظمة و إختلافها الواضح جدا عن الاتجاه الديني المتزمت الذي کان يسعى بصورة محمومة من أجل الانفراد بالسلطـة و إقصاء الاطراف الاخرى التي شارکت بصناعة الثورة و نجاحها.
نظام الشاه الذي کان يحاول عبر المظاهر الشکلية الزعم بأنه يؤمن بحقوق المرأة و يعمل من أجل فرضها، لکن المرأة الايرانية التي کانت ترى بأم عينيها کيف أن النظام الايراني يقوم بقمع و إضطهاد أخيها الرجل و سلب حرية و إرادة الشعب، فإنها لم تنخدع بتلك المظاهر وانما رفضت کل تلك المظاهر و إندفعت بسياق رفض النظام الملکي و العمل على إسقاطه في سبيل إقامة نظام عادل يقوم على أساس الحرية و الديمقراطية، لکن وللأسف البالغ فإن نظام الملالي و عوضا عن مکافأة المرأة الايرانية و الاشادة بدورها الرائد في إسقاط النظام الملکي السابق فإنه قام بتشديد الخناق عليها و تحديد دورها و تحرکها الاجتماعي و السياسي بشکل غير مألوف بحيث أن نظام الشاه لم يقم بإستخدام هکذا اساليب قمعية ضدها.
إيران التي أنجبت عناصر نسائية مشهود لها بدورها ومن ضمنهن ملکات قديرات و کاتبات و شاعرات و فنانات و ناشطات سياسيات بارزات، ليس بالامکان أبدا حصرهن في هذا المجال الضيق، لکننا نجد من المناسب جدا الاشارة الى بعض منهن نظير:
ـ آذرآناهيد، ملکة ملکات الامبراطورية الايرانية في عهد الشاه شهبور الاول مؤسس السلالة الساسانية، وقد تکرر اسم هذه المرأة من حيث اسهاماتها و نشاطاتها في الکتب التأريخية کثيرا و أثنوا على دورها.
ـ برين، العالمة الايرانية المشهورة وهي أبنة کيقباد و قامت في العهود الايرانية السحيقة بجمع الالاف من نسخ کتابquot;الآفستاquot; المقدس باللغة البهلوية من أجل أن تکون في خدمة الاجيال الاخرى وتؤکد مصادر تأريخية إيرانية بأنه قد کانت لهذه المرأة مؤلفات عديدة لکنها فقدت لأسباب مختلفة.
ـ فرخ رو، يقترن اسمها بإسم اول وزيرة في تأريخ إيران القديم، وقد کانت من الطبقة العامة للشعب وتمکنت من الوصول لمنصب الوزير بجهدها و ذکائها الخاص.
ـ آرياتس، واحدة من أبرز النساء الايرانيات المقاتلات في التأريخ الايراني القديم قبل الميلاد، وقد ورد ذکرها من جانب المؤرخين الاغريق في عدة کتب.
ـ هلالهzwnj;، إمبراطورة إيران والتي جلست على العرش الامبراطوري الايراني و کانت سابع إمبراطورة في سلسلة کياني الملکية، وقد کان لها إنجازات إنسانية مشهودة ولم تذکر لها کتب التأريخ أية مساوئ او مظالم.
ـ بورانداخت، إمبراطورة إيران في في العهد الساساني، وهي امرأة کانت تحکم أکثر من 10 دول آسيوية.
ـ سيمين دانشور: کاتبة و مترجمة إيرانية بارزة وکانت متمکنة من اللغة الفارسية و متسلطة عليها وهي من أعلام الادب و الثقافة في التأريخ الايراني المعاصر.
ـ بروين إعتصامي: شاعرة إيرانية معاصرة و تعتبر من رموز الشعر الفارسي الحديث.
ـ فروغ فرخزاد: شاعرة إيرانية معاصرة أثارت جدلا کبيرا بققصائدها و اسلوبها الشعري المميز ولها خمسة دواوين مطبوعة، وهي بعد نيما يوشيج في صف أحمد شاملو و مهدي اخوان ثالث و سهراب سبهري، من رائدات الشعر الفارسي المعاصر.
ـ أشرف ربيعي(رجوي): من النساء الايرانيات المناضلات البارزات وقد کانت منضوية ضمن تشکيلات منظمة مجاهدي خلق وقد دفعت حياتها ثمنا لمقاومتها البطولية لهجمة اللجان الثورية التابعة للملالي على المقر العام للمنظمة في طهران الى جانب موسى خياباني القيادي البارز في المنظمة، ويشار الى أن معسکر أشرف في العراق قد سمي نسبة إليها.
والجدير بالملاحظة و الترکيز هنا، هو أن لواء المقاومة و الصمود ضد النظام من أجل تغييره و قيام نظام قائم على مبادئ العدل و الحرية و حقوق الانسان، تحملها إمرأة إيرانية برزت کزعيمة تجسد طموحات و آمال النساء بصورة خاصة و الشعب الايراني بصورة عامة، هي السيدة مريم رجوي رئيسة الجمهورية المنتخبة من قبل المقاومة الايرانية و التي أثبتت جدارتها و براعتها و حنکتها و درايتها بهذا الخصوص ولاسيما وان لها طروحاتها و أفکارها و توجهاتها الخاصة بشأن التصدي لقضية المرأة في إيران في ظل نظام الملالي، وهو أکثر شئ يتوجس منه ملالي طهران توجها و خوفا، ذلك إنهاquot;أي السيدة رجويquot;، تسعى بکل جهدها الى إعادة ثقة المرأة الايرانية بنفسها و إستعادة الدور الريادي و القيادي الذي إضطلعت به أبان الثورة الايرانية في 11 شباط 1979، ذلك أن النظام الديني المتطرف قد سعى ومنذ الايام الاولى من حکمه القمعي البغيض الى تحجيم المرأة و تحديد دورها بما يکفل له تحقيق السبل الافضل للسيطرة على الاوضاع و التحوط من مختلف الاحتمالات ولاسيما عودة الدور الريادي للنساء.
[email protected]
ممارسات مشينة ضد کرامة و إنسانية المرأة
هذا المقال يحتوي على 1025 كلمة ويستغرق 6 دقائق للقراءة
