صورة الكون بين الأمس واليوم
كان العلماء الرواد في مجال الكوزمولوجيا يعتقدون أن الكون محدود بنظامنا الشمسي أو يتحدد بحواف مجرة درب التبانة، لكن القرن العشرين قلب المفاهيم الكونية كلها على عقب، ولعبت الفيزياء الحديثة دوراً جوهرياً في تغيير المفاهيم والمعارف منذ تبلور الدعامتين الرئيسيتين للفيزياء المعاصرة، وهما نظرية الكموم أو فيزياء الكوانتا theacute;orie de la meacute;canique ou la physique Quantique ونظرية النسبية theacute;orie de la relativiteacute;.
ومنذ بداية القرن العشرين صار الناس ينظرون الى السماء نظرة مغايرة عما كانوا يألفونه في الماضي، وقدم لهم العلم صورة مذهلة للطبيعة والكون وأسرارهما وألغازهما، ورؤية مختلفة للظواهر الفيزيائية وتفسيرها. لم يعد الكون نتاج رغبة أو إرادة ربانية وعملية خلق مباشر على يد كائن علوي صممه وخلقه في ستة أيام كما ورد في النصوص الدينية للأديان التوحيدية الثلاثة. لقد قدم العلم رواية مختلفة ومغايرة في الجوهر والتفاصيل والمدة الزمنية التي رافقت ولادة الكون المرئي أو المنظور. من هنا ظهر مفهوم الانفجار العظيم أو البغ بانغ Big-Bang الذي حدث كفرادة singulariteacute; كونية قبل 13،820 مليار سنة ضوئية. ولكن ما هو البغ بانغ؟ تصور الناس على خطأ أن البغ بانغ هو فعلاً انفجار يشبه انفجار القنبلة النووية. لكنه في الحقيقة لم يحدث في مكان ما في الوجود بل حدث في آن واحد في كل مكان إذا جاز لنا التعبير لأنه لم يكن هناك مكان ولا زمان بالمعنى المتعارف عليه لدى البشر اليوم. فلم يكن هناك مكان مستقل عن الزمكان لكوننا المرئي الذي بدأ مع البغ بانغ. كان قصورنا وعجزنا العلمي والتكنولوجي يحول بيننا وبين سبر أغوار الكون ومعرفة مكوناته وتاريخه وهندسته وجغرافيته وطوبولوجيته وهيكيليته وأصله ومصيره. بيد أن عمليات الرصد والمشاهدات الحديثة للكون اليوم أتاحت لنا الولوج إلى أعماقه والعودة إلى بداياته، الى فترة زمنية قريبة جداً من البغ بانغ. لا نعرف لحد الآن على وجه الدقة ما إذا كان هذا الحدث يتوافق مع اللحظة البدئية المفترضة أو المحتملة لنشأة الكون المرئي المادي أم كانت هناك حالة سابقة لهذا الكون المرئي لم نبلغها بعد بأجهزتنا الرصدية والقياسية وصارت تعرف بين العلماء بحالة الــ KMS. تأكد العلماء المعاصرون من صحة افتراضاتهم النظرية السابقة في أن البغ بانغ يتعلق بمرحلة بالغة الكثافة والحرارة أو السخونة مر بها الكون المرئي منذ حوالي 13،820 مليار سنة ضوئية.
كان بوسع العالم العبقري البرت آينشتين Albert Einstein (1879-1955) أن يتوقع أو يتنبأ، من خلال معادلاته ونظرياته، بوجود البغ بانغ وبكثير من الأمور الأخرى في الكون كالتوسع والتمدد والثقوب السوداء الخ.. إلا أنه لم يكن يعتقد في بداية القرن العشرين أن الكون يتطور ويتحرك. لقد سبقه في هذه الفرضية الراهب البلجيكي وعالم الفيزياء جورج لوميتر Georges Lemaicirc;tre (1884-1966) والعالمان السوفياتيان آلكسندر فريدمان Alexandre Friedmann (1888-1925) وجورج غاموف Georges Gamow (1904-1968) وهؤلاء كانوا المهندسين الأوائل للسيناريو العام للانفجار العظيم البغ بانغ الذي يتفق عليه اليوم شبه إجماع بين العلماء.
تركزت أغلب جهود علماء الكونيات cosmologistes على إعادة رسم وتشكيل مراحل تلك الحقبة الكثيفة والساخنة بأكبر قدر من الدقة والتي ما تزال الى يومنا هذا غامضة ومليئة بالأسرار. لذلك فإن من مهمات تلسكوب الفضاء المتطور جداً بلاك هي تقديم معلومات علمية دقيقة عن حالة الكون عندما كانت درجة الحرارة حوالي 100000000000000000000000000000 درجة، أي واحد يتبعه 29 صفراً. وكما هو معروف فإن تعبير الانفجار العظيم البغ بانغ أطلقه تهكماً وسخرية من الفرضية والخصم الكبير لها العالم فرد هويل Fred Hoyle الذي انتشر كالنار في الهشيم.
بعد انتشار نظرية الانفجار العظم البغ بانغ تجراً الكثير من العلماء على اعتبار الحدث بمثابة الأصل للكون وولادته ذاتياً دون الحاجة الى خالق يخلقه ومن بين هؤلاء العالم الإنجليزي ستيفن هاوكينغ Stephen Hawking الذي قال ذلك بوضوح وبلا لبس في كتابه الأخير التصميم الكبير laquo;The Grand Designraquo; وإن الكون انبثق ذاتياً بفعل قزانين فيزيائية موجودة بمعزل عن إرادة إلهية أي لا يوجد تدخل إلهي في عمليق نشوء الكون. وتقول إشاعة أن البابا اجتمع بستيفن هاوكينغ وقال له :quot; اهتموا أنتم معشر العلماء بما بعد البغ بانغ واتركوا لنا ماقبلهquot;. وكانت الكنيسة قد ردت فوراً على أطروحة هاوكينغ على لسان رئيس أساقفة كونتربري روان وليام Rowan Williams، أن الإيمان بالله ليس مسألة معرفة كيفية ارتباط هذاء الشيء بذاك في الكون، بل الاعتقاد في حقيقة وجود كائن حي وعاقل يعتمد كل شيء موجود على نشاطه وإرادته وخلقهquot;. فالفيزياء ليست قادرة لوحدها على الإجابة عن التساؤل الأزلي: لماذا يوجد شيء ما بدلاً من لا شيء. بينما رحب أستاذ الفيزياء في جامعة جورج ماسون العالم جيمس ترفيل James Trefil برؤية وقال أن أطروحة هاوكينغ تقتحم أعمق المسائل الكوزمولوجية المعاصرة دون اللجوء الى معادلة رياضياتية واحدة وربما ستشكل بداية لتقديم الدليل العلمي على صحة نظرية تعدد الأكوان univers multiple. شعر بعض العلماء بالحرج لأن نظرية ستيفن هاكوينغ تضعهم بين خيارين إما قوانين الفيزياء وإما الله والحال أن قوانين الطبيعة لا يسعها وحدها أن تزودنا بالتفسيرات الكاملة عن الكون وليس بمقدورها أن تخلق شيئاً لأنها مجرد وصف لما يحدث في ظروف معينة كما قال جون لانوكس John Lennox الأستاذ في جامعة أكسفورد وهو عالم ومسيحي متدين. وأضاف معقبا: ربما تكون قوانين الفيزياء هي السبب وراء انبثاق الكون المرئي لكنني أؤمن أن الله هو الذي خلق ووضع تلك القوانين وأعطاها هذه المهمة. إن جمال وأناقة تلك القوانين تدل على أصلها الإلهي فكلما آمنت بالعلم يزداد إيماني بالله.
فمنذ أن ظهر البشر في هذا العالم وهم يتساءلون ماهو أصل الكون ومن الذي أوجده ولماذا هو على هذه الهيئة وما هي حقيقة الواقع وهل هناك واقع واحدة أم عدة وجوه وماهيات للواقع؟ بالنسبة للمؤمن المسألة بسيطة والحل جاهز فالكون صممه وخلقه إله متعالي ذو قدرات لا محدودة لحكمة خفية لا يعرفها إلا هو، في حين يرى من يفضل التفسير العلمي أن هناك عدة أجوبة ممكنة تتوالى منذ أفلاطون Platon وفيثاغور Pythagore ونيوتن Newton الى آينشتين Einstein وستيفن هاوكينغ والفيزياء الكوانتية أو الكمومية physique quantique، ويعتقدون بوجود نظرية جامعة وشاملة وموحدة لجميع النظريات العلمية التي أفنى آينشتين حياته وهو يبحث عنها وأسماها ستيفن هاوكينغ بالنظرية أم la theacute;orie M. في سنة 1992 اكتشف العلماء كوكباً شبيهاً بالأرض يدور حول نجم آخر غير شمسنا ويقع في المسافة القابلة لاحتضان الحياة عليه واليوم بلغ عدد الكواكب الشبيهة بكوكب الأرض والتي تدور حول نجوم شبيهة بالشمس، أكثر من 800 كوكب وربما سيتم العثور على إحداها أو على عدد منها على حياة سواء في مرحلتها البدائية او تكون متطورة تكنولوجيا بمستوى حضارة البشر أو متفوقة عليها كما يعتقد ستيفن هاوكينغ مما يعني أن الأرض لم توجد لكي تضم الجنس البشري الوحيد في هذا الكون لكنه ينصح بعدم الاتصال بحضارات أكثر تطوراً علميا منا لأن مصيرنا سيكون مثل مصير الهنود الحمر على يد المكتشفين البيض الأوائل لأمريكا الشمالية والجنوبية، أي الإبادة. واليوم صار بوسع البشر بفضل التقدم التكنولوجي الذي حققوه وبالذات المرقاب أو التلسكوب الفضائي بلاك Planck الذي أطلقته وكالة الفضاء الأوروبية ESA رصد وتصوير ودراسة وتحليل الترددات الموجية الماكروية freacute;quences micro-ondes لدراسة الأشعة الكونية الخلفية المنتشرة في الكون le rayonnement cosmologique fossile (RCF) والذي سوف يزودنا بمعلومات علمية دقيقة جداً عن كتلة وعمر وهندسة ومكونات ومصير الكون المرئي أو المنظور masse، lrsquo;acirc;ge، la geacute;omeacute;trie، la composition et le destin de l'Univers observable ووضع خارطة كاملة ومجسمة ثلاثية الأبعاد للكون المرئي وسوف يوفر معطيات أساسية لكل علماء الفلك والفيزياء الفلكية كتوزع الغازات الباردة في مجرتنا وبنية المساحات ما بين النجوم المجرات، كما سيكشف لنا أين ومتى وكيف تتكون النجوم. إحدى ميزات تلسكوب بلانك الفضائي الأساسية هو قدرته على كشف درجة حرارة الجسيمات ما دون الذرية وجزيئات الغبار الكوني الأكثر برودة لأن درجة الحرارة مؤشر فيزيائي مهم كونها تعكس توازن الطاقات eacute;quilibre des eacute;nergies الموجودة في وسط مابين نجمي interstellaire خاصة عندما يكون هذا التوازن غير متناسب ومتماثل بين منطقة وأخرى مما يساعد على كشف تطور عملية تشكل النجوم. وفي خضم بحثه عن حشود وتجمعات الغازات الأكثر برودة في المجرات يدلنا على مناطق تشكل النجوم أو التي في طريقها للتكون والولادة. وهي معلومات أدق وأوضح تضاف لما تم كشفه في هذا المجال من قبل مسباري هيرشل Herschel التابع لوكالة الفضاء الأوروبية ESA ومسبار سبايتزر Spitzer التابع لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا NASA وكذلك آيراس IRAS الذي صور السماء بأطوال موجات أقصر حيث يتوفر للعلماء اليوم كنز هائل من المعلومات وباتوا يعرفون على وجه الدقة كيفية تكون النجوم في مجرة درب التبانة بأكملها. فالفضاء الكائن بين النجوم ليس فارغاً بل يحتوي على غيوم وأغبرة وغازات متداخلة تملأ الوسط ما بين النجمي milieu interstellaire. ولقد زود تلسكوب بلانك بجهاز التردد العالي l'instrument Haute Freacute;quence (HFI) الذي يغطي ستة رقع للذبذبات ما بين 100 و857 غيغاهيرتز وجهاز التردد المنخفض GHz l'instrument Basse Freacute;quence (LFI) الذي يغطي الرقع بين 30 و70 غيغاهيرتز GHz. تعتبر الأشعة الكونية الماكروية الخلفية المنتشرة Le rayonnement fossile منبع المعلومات الرئيسي عن الكون المرئي في بداياته الأولى وتخيل منظره فاللوحة الكونية تبدو كأنها ذات تباين هندسي أو معماري مكون من مجرات وخليط غير متجانس من المركبات الأخرى كالغازات والأغبرة والغيوم، في حين كان الكون متجانساً في الفترة بين البغ بانغ الانفجار العظيم وظهور أول أشعة خلفية 380000 سنة بعد الانفجار ولم تكن هناك تقلبات كبيرة مما يسمح بمتابعة تطوره رياضياتياً.
كان هناك تضخم lrsquo;inflaton هائل ومفاجيء في الكون البدئي قبل ظهور المادة وهو حقل لا موجي champ scalaire مثل بوزونات هيغز boson de Higgs التي أكتشفت مؤخراً في مسرع ومصادم الجزيئات LHC وكانت الجوهر الوحيد الذي يحتويه الكون قبل تكون المادة التي نعرفها اليوم في 10-32 من الثانية بعد البغ بانغ ولقد تمكن تلسكوب بلانك من رصد مسلك التضخم خلال التمطط الذي سببه التوسع الكوني الذي افرز التقلبات les fluctuations التي نشاهدها الآن على الصورة التي التقطها بلانك للأشعة البدئية. وهكذا تتيح لنا الأشعة الكونية الخلفية الماكروية المنتشرة معرفة الكون لفترة زمنية طويلة قبل أن يبدأ ببث هذه الأشعة. يتبع
Jawadbashara0yahoo.fr

