يصعب على الكثيرين في مصر وسائر أنحاء المنطقة العربية، تصديق أن كل ما نرزح فيه من بلايا، يرجع لفشل بل وللسموم التي تحقنها النظم التعليمية والاجتماعية والثقافية في عقل النشء. يتصور كثيرون أن الشباب الذي يخرب ويدمر، ويحترف الإرهاب والذبح والنكاح باسم الله، هو مجرد شباب مخدوع بأفكار وأيديولوجيات مأفونة، يمكن بالإقناع أو بالقبضة الأمنية إعادته لجادة الصواب. هذا صحيح جزئياً بلاشك، لكن الأخطر هو أنهم شباب لم يتم تربيته وتهذيبه، بما يعطيه مناعة طبيعية ضد الانجراف إلى الوحشية البدائية، ولا نقول يؤهله ليكون إنساناً حداثياً متحضراً مبدعاً. ومن لم تختطفه جماعة الإخوان أو السلفيون أو حزب الله والقاعدة وما شابه، قد يقع في شراك اليسارية والعروبة والفوضوية والعدمية، ويمكن أن تصدر عنه ذات الممارسات المخربة للحياة. أو قد يتجه للمجون واللهو، يبدد فيه شبابه وسنوات عمره، أو يتحول إلى فاسد أو طبال وزمار للفاسدين والطغاة.
ما يحدث في مصر الآن من شباب الجامعات، المفترض أنه الأرقى، وأنه الأمل في مستقبل أفضل، يمكن أن يدلنا على موطن الداء، ليس في مصر وحدها، ولكن في سائر الدول التي حكمتها أنظمة ديكتاتورية أو ثورية. تلك التي ادعت التحديث والنهضة بالشعوب، بديلاً عن سلطات رجعية بائدة. فالمدقق يستطيع أن يخرج من المشهد، بأن استيعاب طلبة الأزهر مثلاً لمقرراتهم الدراسية وإجادة تطبيقها، يدعو للدهشة والإعجاب، فنظرة عابرة إلى هذه المقررات، وإلى منهج التدريس أو بالأصح منهج التلقين المنغلق المتبع مع هؤلاء الشباب، كفيلة بأن تضع أيادينا على موطن الداء.
من ناحية أخرى نستطيع أن ندرك، أن أسهل طريقة لكي يحترم الشباب أو الشعب حكومته أو دولته، هي أن تكون الدولة بمؤسساتها جديرة بالاحترام. قليل من الإنصاف قد يدفعنا للقول، بأنه من الصعب أو من الكرم المفرط، أن يحترم أي طالب، جامعات هي بالأساس غير جديرة بالاحترام. نعم هؤلاء الشباب في حد ذاتهم مشكلة، لكن المطلوب منهم هو احترام من وما هو غير جدير بأي احترام. . تلك هي المعضلة. فبغض النظر عن الحالة الخاصة لجامعة الأزهر، والتي لا ينبغي التوقع من طلابها غير ما يفعلون الآن، لو كان طلاب باقي الجامعات يكنون من الأساس أي قدر من الاحترام لأساتذتهم وجامعاتهم، ويرون فيها بالفعل مكاناً محترماً لتلقي العلم، لما فعلوا ما نشهد منهم الآن، مهما كان التحريض والشحن الأيديولوجي. طلبة الجامعات الذين يصطنعون المشاكل بدلاً من الحرص على تلقي العلم، هم تجسيد للفشل في تربية وتهذيب وتعليم أولادنا. هم فشلة أبناء فشلة أحفاد فشلة!!
في بلادي يحرص الآباء والأمهات، على إرضاع أبنائهم ذات السموم التي يرزحون تحت نير بلاياها. هل يمكن أن نتجرأ على محاكمة الفكر والرجال، الذين تسببوا في إفساد الآلاف بل والملايين من أبناء مصر من خريجي التعليم الأزهري، فيصلون إلى مرحلة الجامعة، وهم لا يصلحون لغير مهنة "مخرب" أو "إرهابي"؟!!. . جهاز الأمن في الجامعات المصرية الآن، هو الجهاز الذي يتولى ملاحقة طلاب الجامعة، الذين أفسدناهم بتعليم منحط ومتخلف في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية.
تحت شعار الاستقرار والأمن، سيحاول النظام الحالي قمع وكبت التفاعلات الاجتماعية والصراعات الفكرية. قد يستطيع هذا جزئياً. لكن عجلة التاريخ في هذه البقعة الميتة من العالم قد بدأت تدور. فأقصى ما يستطيعه الحكم الراهن في مصر، هو تأجيل لحظة التصدع والانهيار الشامل للمجتمع المصري، ما لابد وأن يسبق شروق الجديد المسجون وراء أسوار الجمود والانغلاق، الذي طال أكثر مما تحتمل الحياة المعاصرة.
الثقة أو الأمل في المستقبل القريب للشعب المصري والشعوب المحيطة به، مجرد موقف نظري مفارق لواقع الحال. فالنهج الذي يتم تنشئة الأطفال عليه الآن، سواء في المنازل أو دور الحضانة أو المدارس، لا ينبئ إلا بكارثة أفظع مما نعايشه الآن. يتساوى في هذا الجميع، ولا تختص به فئة دون أخرى. هو الليل الذي نستدل منه يقيناً، على أن فجراً لابد وأن يطرق أبواب الكهوف الرطبة المظلمة. أبداً لن تفلت أو تنجو أي جهة في مصر وما حولها من كيانات من الانهيار، قبل التغيير الحقيقي القادم والزاحف على كل مناحي الحياة. ليس مجرد تغيير النظم السياسية، وإنما التغيير المجتمعي والقيمي العميق. واهم من يتصور أن ينجو من طوفان الوعي القادم، ليكتسح كل ما هو بائد. ويوماً ما وإن كان غير مرئي الآن، سيضطر أساطين وكهنة التخلف والظلامية والخرافات أن يلملموا أوراقهم، لأنهم سيضطرون إلى الهرولة رحيلاً إلى الجحيم!!
المشكلة أن النهضة والتنمية والتطور، لا تتم بقرار من الحكام أو حتى الشعوب. هي تحتاج لمقومات، بعضها مادي على أرض الواقع، وبعضها تربوي وثقافي، يبدأ من السنوات الأولى للطفل. المشكلة أن أغلب مقومات حياة هذه الشعوب، تدفع نحو المزيد من التخلف، بل والخراب الشامل. التحرر الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، لابد أن يكون المقدمة للتحرر السياسي. فالسياسة ليست أمراً مستقلاً بذاته، ولا هي قادرة على إنشاء وضع من فراغ، أو في بيئة مضادة. هي مجرد محصلة لكافة مناحي الحياة. من ينتظرون من الدولة أن تحررهم، هم ذاتهم من يريدونها أن تطعمهم وتسقيهم، وهم من سيبقون عبيداً حتى يوارون في التراب!!
هناك منهجان لتغيير الواقع البائس، إلى حياة أفضل: الأول منهج "التفريغ"، ويعني البدء بهدم الأبنية القديمة، وحرث التربة لتعريضها لنور وحرارة الشمس المطهرة، وإرجاء البحث فيما سوف يقام عليها لمرحلة تالية. الثاني منهج "الإزاحة"، وفيه يتم إزاحة القديم بواسطة الرؤى والأفكار الجديدة. ما يحدث في مصر وسائر المنطقة منذ ما سميناه "الربيع العربي" وحتى الآن، وإن كان أقرب للمنهج الأول، إلا أنه في الحقيقة لا يمت لأي من المنهجين بصلة، وإن كان يمكن اعتباره مقدمة لابد منها، لما هو آت من انقلاب شامل لكل مناحي الحياة. هو أشبه بتشنجات أعصاب وعضلات جسد مضروب بالحمى أو بالصرع. فسقوط النظم السياسية الديكتاتورية لا يؤدي تلقائياً وبالحتم إلى التحرر. فالحرية ليست في مجرد التحرر من القيود والضغوط الخارجية. وإلا لاعتبرنا أن الملايين من شعوب الشرق الأوسط التي تناصر القاعدة وداعش، هي جماهير تسعى للحرية، أو تحررت بالفعل. الحرية هي أن تكون في حالة مادية وفكرية وسيكولوجية، تسمح لكل الإمكانيات الموجودة في الإنسان المعاصر أن تتحقق، إبداعاً واستمتاعاً بالحياة. فليحيا كل كما يريد، لكن لا ينطبق على الإنسان توصيف "إنسان حر"، إلا إذا كان يعيش "حالة حرية".
هكذا تبدو الرؤية بعيداً عن منهج التفاؤل والتشاؤم، أبعد من أن ترى ما يحدث في مصر، وبأكثر عنفاً ودموية في أكثر من بقعة بالعالم العربي، باعتبارها مجرد قلاقل واضطرابات مؤقتة، سنتمكن بالقليل أو الكثير من الجهد السيطرة عليها. كما أنها ليست بأي حال مقدمات لثورات مكتملة المقومات، تؤذن بفجر جديد هناك عند خط الأفق. هو فيما نرى بداية تصدع الأبنية القديمة المتهالكة، اجتماعياً وثقافياً ومؤسساتياً. ما لن يتم بين ليلة وضحاها كما يقولون. هي رحلة ستكون طويلة مع السقوط، علينا ونحن نرصدها، ألا ننسى أن قانون الحياة يحتم، أن كل سقوط لابد وأن يعقبه قيام.
[email protected]
&