بعيدا عن ضوضاء الإنتخابات الرئاسية والتشنجات والإنقسامات الخطيرة التي تشهدها تونس، وبين شوطي هذه الإنتخابات، انطلقت فعاليات مهرجان قرطاج السينمائي أو أيام قرطاج السينمائية مثلما يصرون على تسميتها، في دورة جديدة يتمنى عشاق السينما والمهتمون بالشأن الثقافي في الخضراء أن تكون في مستوى الحدث شكلا ومضمونا وأن تقدم الإضافة التي غابت عن الدورات الأخيرة.
الإفتتاح كان بفيلم "تمبكتو" للمخرج الموريتاني عبد الرحمان سيساغو، الذي عرض في قاعتين، وبالتوازي، وذلك لتمكين أكبر قدر من المولعين بالسينما من مشاهدته. ويبدو عنوان الفيلم مغريا وجذابا للمشاهدة خاصة مع الصيت الكبير الذي رافقه باعتباره حائزا على جوائز من عدة مهرجانات، وشارك مؤخرا في مهرجان أبو ظبي ونال الإستحسان.
وتمبكتو هي لؤلؤة الصحراء الإفريقية وكبرى مدن إقليم أزواد وبلاد الطوارق التي وزعتها فرنسا على دول الجوار بعد رفض أمرائها التعامل مع المستعمر وضمان مصالحه في الثروات الطبيعية التي تزخر بها المنطقة. فكان نصيب مالي من هذه الكعكة إقليم أزواد وحاضرته تمبكتو التي ذاق أهلها من "الرجال الزرق"، كما ينعتون، الأمرين على يد حكومات مالي المتعاقبة التي اضطهدت هذا الشعب المغاربي قتلا وتهجيرا واغتصابا وتهميشا وحرمانا من التنمية.
لقد وصل الأمر بالجيش المالي في عهد الرئيس موديبو كايتا إلى حد تسميم الآبار التي يرتوي منها الأزواديون ودوابهم& في تلك الصحراء القاحلة، كما تم تدمير مخازن الغذاء الخاصة بالإنسان والحيوان وهو ما أجبر السكان على النزوح إلى الجزائر لدى أبناء جلدتهم، وهي انتهاكات موثقة لدى عديد المنظمات الحقوقية وتضمنتها دراسات أكاديمية من باحثين مغاربيين وغربيين. واستمر الإضطهاد على حاله مع الرئيسان موسى تراوري وآمادو توماني توري، ولم تتحسن أوضاعهم إلا مع وصول ألفا عمر كوناري إلى سدة الحكم في باماكو سنة 1992.
واستغلت الجماعات التكفيرية وعصابات التهريب هذه القضية العادلة لتقدم نفسها نصيرا لشعب الطوارق في محنته التي تسبب فيها حكام مالي والنيجر لأنها باتت بحكم استيطانها لمنطقة الصحراء الكبرى الأقدر على فهم شعوبها. وانساقت جماعات قتالية طارقية وراء هذه الدعاية ومكنت التكفيريين من احتلال الأزواد ودحر الجيش المالي ما تسبب في كثير من الخراب.
لقد دمر التكفيريون زوايا ومقامات الأولياء الصالحين التي تعج بها تمبكتو باعتبارها وعلى غرار كامل بلاد المغرب معقلا للفكر الصوفي الذي وحد بلاد المغرب في وقت ما، كما أتلفوا مخطوطات وكتب قديمة تعتبر كنوزا نفيسة ونادرة. فتمبكتو كانت مدينة علم وعلماء يؤمها طالبوا العالم من شتى أصقاع الدنيا، وهربت إليها مؤلفات موريسكية أندلسية عديدة في زمن سقوط الحواضر الإسلامية بشكل متتابع بيد فرديناند وإيزابيلا ملكي قشتالة والأراغون.
وتسبب استقرار التكفيرين بتمبكتو وغاو وكيدال وغيرها من مدن إقليم أزواد في عودة فرنسا بقوة إلى المنطقة من خلال جيشها المسنود من بلدان إفريقية في طليعتها تشاد إدريس دبي. وكانت ذريعة باريس للتدخل في أزواد هي حماية الدولة المالية التي أنشأتها وخطت حدودها بالمسطرة والقلم دون مراعاة الإختلافات العرقية التي تمثل قنابل موقوتة بإمكانها أن تفجر الأوضاع في كل زمان.
فتاريخ عروس الصحراء هو تاريخ نكبات بامتياز، فقد ابتليت بداية بالإستعمار ثم بحكومات مالية عنصرية اضطهدت الأزواديين واتهمتهم باسترقاق الماليين الأوائل في الماضي وبيعهم عبيدا في بلدان إفريقيا الشمالية. ثم جاءت نكبة التكفيريين لتزيد الطين بلة وتجعل قدر المدينة المحتوم هو السقوط المستمر فريسة للغزاة والحاقدين وأصحاب الأجندات الهدامة.
لم تتحرر تمبكتو إلى يوم الناس هذا، منذ أن غزاها الفرنسيون الذين أقاموا الحواجز الوهمية وفصلوها عن محيطها المغاربي وأعاقوا أهلها عن الترحال بحرية عبر القوافل التي تجوب الصحراء الكبرى باحثة عن الملح في تودني وغيرها. ولم يعرف أهل عروس الصحراء السكينة وتوارثوا الآلام والمآسي جيلا بعد جيل ولم يهتم محيطهم العربي والإسلامي بقضيتهم التي اعتبرها المؤتمر العالمي الأمازيغي دون غيره قضيته الأولى.
لقد اقتصر الفيلم الإفتتاحي لمهرجان قرطاج على تسليط الضوء على مأساة المدينة بعد السيطرة عليها من قبل التكفيريين فقط، ولم يتعرض إلى التاريخ الطويل من الآلام والمعاناة التي لا يمكن اختزالها بأي حال من الأحوال في بسط الجماعات الجهادية لنفوذها على الإقليم. قد يفسر البعض ذلك بضيق المساحة الزمنية المخصصة للفيلم، أو برغبة مخرجه في التركيز على زاوية بعينها، وقد يفسره البعض الآخر أيضا بالرغبة في حصد الجوائز من خلال دغدغة مشاعر الرافضين والمعادين للتيارات التكفيرية في شتى أصقاع الأرض.
وبقطع النظر عن الإتفاق أو الإختلاف مع مضمونه، فإن ماهو أكيد أن اختيار لجنة الأفلام الخاصة بالمهرجان لهذا الفيلم يبدو صائبا ويوحي بأن أعرق المهرجانات العربية والإفريقية على الإطلاق بقي وفيا لتقاليده ولم يدخل في خانة المهرجانات السينمائية التجارية العربية التي انتشرت في السنوات الأخيرة انتشار النار في الهشيم. فتونس أرض حضارة وبصمة قرطاجها في البحر المتوسط وفي إفريقيا جنوب الصحراء مازالت بادية للعيان ومواعيدها الثقافية يجب أن تكون دائما في مستوى هذه العراقة.
&