يعتبر اعلان الجمهورية التركية عام 1922 بعد خلع السلطان محمد السادس وإنهاء عهد السلاطين العثمانيين نموذج& للدولة الحديثة تجربة حديثة في عالم التناقضات التي نعيشها اليوم وحدا فاصلا بين العلمانية وشمولية هيمنة النظام الديني على مرافق الدولة والحياة الاجتماعية والاقتصادية وحتى الشؤون الشخصية.
&ارجو من قارئي العزيز ملاحظة استخدامي لتسمية تركيا كمصطلح جغرافي ذو دلالة للخارطة الجغرافية السياسية للدولة تركيا الحديثة وليس التركيبة القوميه. ان اي تحليل تاريخي للتطورات يجب ان ياخذ بعين الاعتبار الظروف المحلية والدولية والثقافة والفكر السائد ابان تلك الحقبة التاريخية وعدم انطلاق مما نراه اليوم ونجرى مقايسة بين انذاك واليوم.
&الارث الثقيل الذي تركته الدولة العثمانية التي حاولت جاهدة مع نهايات القرن الثامن عشر الى إجراء تغيرات جوهرية على شكل ادارة الدولة والجيش وصولا الى الملابس العسكرية وتنظيم الجيش وتسليحه والدساتير والقوانين المرعية. باءت بالفشل جميع محاولات الدولة العثمانية في جعل دستور الامبراطورية ملائمة للتطورات الحديثة ورياح التغير القادم من الغرب وخاصة فصل الدين عن الدولة وسن قوانين جديدة على غرار القوانين الاوربية من ناحية ومن ناحية اخرى المحافظة على الخاصية الاسلامية للمجتمع والدولة. مثال على ذلك الزواج في محاكم الدولة ومن ثم عقد القران عند رجال الدين او بالعكس. وقد بدا رياح التغير انذاك منطلقا من الخارج بدعوة بعض مثقفي ألمهجر (العثمانيين الجدد)& الى التجديد ومن العاصمة البريطانية لندن توج دعواتهم تلك لاحقا بانهيار الامبراطورية العثمانية بالكامل و ولادة شرق اوسط جديد مع نهايات الحرب العالمية الاولى حيث تم تعديل خارطة دولها السياسية عدد مرات وخاصة في معاهدة سيفر و لوزان واتفاقية سايكس- بيكو.
الجدير بالذكر ان رياح التغير الحالية التي هبت على الشرق في ما يسمى بالربيع العربي لم يأخذ هذا الامر بجدية اي مسالة الحدود ألمصطنعة والتي رسمها المحتل في تلك المعاهدات الاستعمارية بل تمحور الغضب الجماهيري ضد الانظمة وقيادات تلك الانظمة او الاحزاب الشمولية الحاكمة من ناحية ومن ناحية اخرى كان الشارع ولا يزال بمعزل عن حقائق التاريخية لتكوين تلك الدول نتيجة لتزوير تاريخ شعوب المنطقة.
طبعا تلك الرياح وصلت الى تركيا اليوم ولكن الحالة التركية اكثر تعقيدا فهناك ارثا تاريخيا كبيرا وثقيلا على كاهله تشمل اضطهاد شعوب الاناضول القديمة نتيجة مباشرة للصراع الذي دار على منطقة الشرق الاوسط وتركة " الرجل ألمريض"& اي الامبراطورية العثمانية قبل وإبان وبعد الحرب العالمية الاولى. فنال كل نصيبه فتم قسرا تهجير الروم اليونان من البلاد ومبادلتهم برعايا العثمانيين في اليونان وبلغاريا كما تم ابادة الأرمن بعد مذابح مكررة بدا عام 1915 وهدم مدنهم وقراهم& وعومل المسيحيين بنفس الطريقة البشعة& ونال الكورد نصيبهم بعد ان تأكد قادتهم زيف الوعود التي قطعها لهم قادة ما يسمى ب الثورة التحررية التركية و قائدها مؤسس تركيا الحديث مصطفى كمال اتاتورك تلك الثورة التي اسقطت الخلافة العثمانية وحررت البلاد من الاحتلال اليونانيين وحليفتها بريطانيا و فرنسا وبقت تركيا تحت سيطرة الحزب الواحد ( حزب الشعب الجمهوري الذي اسسه اتاتورك ولا يزال الحزب اقوى احزاب المعارضة الى يومنا هذا) حتى عام 1947. ناهيك عن ذلك وجود خارطة سياسية معقدة تشمل تكوين جميع الاحزاب السياسية الحالية وتاريخها من ناحية ومن ناحية اخرى التطور الفكري ألديناميكي الذي جارى الزمن& في عموم تركيا. جوبهت الانتفاضات الكوردية باستخدام العنف الشديد وإعدام قادتها الابرار. الجدير بالذكر كذلك ان تلك الثورة التحررية اتت على العديد من رجال الدين المسلمين كذلك واعدموا جميعا بعد رفضهم الانصياع الى اوامر الثوار بالعدول عن ايمانهم وبقائهم مخلصين للسلطان.
خلال عدده عقود راقبت عن كثب التطورات السياسية على الساحة التركية لكن الملاحظ في الوقت الحاضر ان هناك حالة من الشفافية في قبول الاخر. هذا التطور يوازيه تطور موازي في نبذ القوى الكردية للعنف والتوجه الى السلام من ناحية ومن ناحية اخرى التطورات ألاحقة والمتسارعة على الساحة العالمية والأوربية منذ انهيار جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق وتأسيس وتطور الاتحاد الاوربي. يجب عدم نسيان الهيمنة العسكرية على الحياة السياسية في تركيا اخذت ابعادا جديدة منذ تولى حزب رئيس الوزراء الحالي السيد رجب طيب اردوغان حيث تم التخفيف من شدة تلك الهيمنة وإضعاف رموزها الاساسية.
لقد فوجئت بوجود قناة الاتحاد الوطني الكوردستاني بين القنوات التي يمكن اختيارها في غرفتي في الفندق الذي اقمت فيه خلال تواجدي في انقرة منذ اسابيع. الحالة الكوردية التي كانت منذ البدايات الاولى تعتمد على الكفاح المسلح والفكر اليساري المتناقض دوما مع الفكر الراسمالى الحاكم في تركيا بدا ومنذ سنوات تأخذ منحى جديدا في الحديث عن السلام وتأسيس احزاب سياسية تنادى بالديمقراطية وتنبذ العنف. هذا الخط المسالم عانى ما عانى داخل الحركة الكوردية ومنذ سنوات وقدم العديد من الضحايا ومن المؤسف وجود تركيبة ثنائية في معاداة هذا التيار فمن ناحية كانت السياسة الرسمية الحكومية رغم اختلاف الحزب الحاكم ينكر الوجود الكوردي بملاينه كان التيار المسلح الكوردي كذلك يعادي هذا التيار المسالم. المستقبل كفيل حتما بالإفراج عن القائد الكوردي السيد عبد الله اوجلان كي يحل السلام ربوع الاناضول ويدخل الطمأنينة القلوب ويسود الامن الاجتماعي وبذلك ينال الشعب الكوردي حقوقه التاريخية في العيش الكريم.
يجدر الاشارة الى ان قضية الارمن وما جرى عليهم من ظلم وتهجير من ديارهم لا يزال يجابه رفضا سياسيا في قبول تلك المذابح رسميا رغم الاعتراف الضمني ببشاعة تلك الجريمة والاعتذار الى الشعب الارمني وكان الشهيد الصحفي الارمني هرات دينك من اكثر الدعاة الى ايجاد قاسم مشترك للتعايش السلمي ضمن الدولة التركية. هذا المناضل واحد ابرز المثقفين الارمن اغتيل ومع الاسف الشديد غدرا امام بوابة الصحيفة التي كان يعمل فيها ناشرا الاخاء بين بني البشر بايدي شاب قومي عنصري بغيض.
التيار الديني لم ينطفئ وهجه في المجتمع منذ ألاف السنين وبقى الحركة الاسلامية ذو نفوذ في الحياة العامة للناس رغم الفتور الذي واكب تأسيس الدولة التركية الحديثة والتوجه الى الغرب وتغير سلوك وأسلوب حياة الناس بما يلائم المقاييس الاوربية.
هذا التناقض مستمر لحد يومنا هذا بين قبول اسلوب حياة عصرية والمحافظة على الموروث وليس من& الغريب ابدا ان تلتقي بشاب يتأبط ذراع حبيبته رغم انها محجبة في شوارع مدن تركيا اليوم.
&