مزيج مدهش من السرد الروائي والتوثيق التاريخي
" السراب والقافلة" هو الكتاب الجديد للباحث والكاتب الأردني " إبراهيم غرايبة " الذي صدر حديثا عن " دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع"، و هو الكاتب المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية خاصة جماعة الإخوان المسلمين التي كان عضوا في فرعها الأردني وتركها بعد أن اكتشف ضياع سنوات من عمره وهو يركض وراء سراب خادع. وصفت هذا الإصدار ب " الكتاب "& بشكل مؤقت لحين الوصول لتسمية فنية تناسب مضمونه رغم أنّ المؤلف وضع تحت عنوان الكتاب الرئيسي على الغلاف وصف " رواية "، فكيف يمكن التوفيق بين الوصف ب "كتاب" و "رواية" في عمل واحد؟. و في البحث عن& الإجابة على هذا السؤال يكتشف القارىء أو الباحث المتخصص الفرادة النوعية في طريقة تأليف هذا& السراب الذي ركض وراءه ألاف المعجبين في العديد من الأقطار العربية ليكتشفوا بعد عناء وتجارب مريرة أنّهم اضاعوا عمرا دون اللحاق بقافلة كانوا يأملون أن توصلهم لهدف محدّد وهو المجتمع النوعي الفاضل الديمقراطي بعيدا عن ألاعيب السياسة وتقلباتها بناءا على أجندات محلية أو تابعة لأهداف خارجية.
&هذا المزيج المدهش كما أطلقت عليه يبدأ به الكاتب الصفحات الأولى من كتابه، فإذا أنت قارىء لنص روائي مشدود إلى النهرالذي يطمح للسباحة فيه واكتشاف خبايا ما حوله شرقا وغربا، خليط من بشر حقيقة كما يصفهم الكاتب ( لوحة فسيفسائية ). الدكتور" وائل" مواطن عربي ربما من الأردن، وزوجته أمريكية. وكريم إبن وائل وهو محام وزوجته، وهنا المفاجأة محامية مثله ولكنها إسرائيلية أمريكية ولهما بنت اسمها سارة.والإبن الثاني لوائل هو" سالم" طبيب مثل والده وزوجته "أسماء "وهي بنت - وهنا مفاجأة ثانية - الدكتور وائل الجوهري أحد قاعدة تنظيم "القاعدة" الجهادي عند البعض والإرهابي عند بعض آخر، ولسالم وأسماء ثلاثة أعضاء في العائلة بنين وبنات:أيمن واسامة وتماضر. وليس هؤلاء فقط أعضاء التجمع الفسيفسائي الذين يبدأ الكاتب من خلالهم سرده الروائي المثير حيث تجمعهم أمور كثيرة وتفرقهم أمور هامشية ولو تفكير ونقاش مؤقت، فهناك معهم ولهم& وعندهم "تماضر" المربية الأفغانية..أفغانية أي من افغانستان!!!هل لها علاقة بكون الوالد الدكتور أحمد الجوهري& أحد قادة القاعدة التي نشأت وانتشرت في أفغانستان؟..القاعدة لا تنسينا بقية أعضاء هذه الفسيفساء حيث ما زالت تنتظرنا " يارا" ابنة وائل وزوجها المهندس طارق وولديهما هاني وسلام، ولا تنتهي مفاجآت هذا الفسيفساء البشري فمعهم " أوريت" الإسرائيلية عضو الكنيست الإسرائيلي التي هي والدة "داليا" زوجة كريم.
يصف الكاتب إبراهيم غرايبة هذا الحشد الروائي على لسان "أوريت " قائلة: " كأنّنا نعيد تشكيل العالم هنا في هذا البيت، الأمريكان والعرب والإسرائيليون، والمسلمون والمسيحيون واليهود، والإخوان المسلمون والليبراليون والمحافظون، والقاعدة هنا أيضا " ص 6 . يتجول هذا الفسيفساء البشري عبر أسلوب روائي شيق في أماكن كثيرة من النهر إلى الجبل إلى مدن متعددة، يطرحون أفكارا مشتركة لا تخلو من اختلافات فكرية لا تؤثر في انسجام واستمرار تركيبة هذا الفسيفساء، حيث يتوزعون بين انتماءات إسلامية غير متجذرة واشتراكيين وقوميين وليبراليين واهمين في مجتمع تتجاذبه هذه التيارات خاصة الدينية الإسلامية والمسيحية واليهودية التي جعلت "أوريت" تطلق قنبلتها التي هي من صنع الكاتب: " عندما يحلّ الدين في السياسة يكون مثل قنبلة نووية، ربما توضع بيد طائشين وأطفال جاهلين، وعندما يقبل عليه – أي الدين – غير المتدينين يصير خطيرا، فالدين لا يصلح إلا في المدن وللتمدن " ص 6 .
ماذا طرأ على هذا السرد الروائي؟
قارىء هذا الكتاب يشدّه السرد الروائي المشوق عبر شخصيات تشكل فسيفساء غريبة لكنها متجانسة، ويعتقد متلهفا أنّه سيواصل السير أو الركض مع هذا التشويق السردي الروائي بفنية عالية، وفجأة عندما تطلّ " ذاكرة " وائل أو إبراهيم غرايبة ربما لا فرق، ينتبه القارىء لجرس إنذار ينبهه الى خروج الكاتب من "السرد الروائي" إلى "التوثيق التاريخي" حيث يبدأ في "ذاكرة" و "سيرة" لتهيئة القارىء لمعايشة توثيق تاريخي لصفحات كثيرة مطوية من مسيرة جماعات الإخوان المسلمين ومنها الجماعة الأردنية التي كان الكاتب مسافرا معها سنوات ، ولمّا انتهت صلاحيتها الفكرية والعملية عنده، غادر سرابها بحثا عن قافلة أو مسيرة جديدة له.
هذا التوثيق التاريخي الطارىء على السرد الروائي ( ص 46 -& 70 ) يعيد القارىء لتذكر نشأة جماعة الإخوان المسلمين في مصر وامتداداتها التنظيمية خاصة ما كان يعرف ب " النظام الخاص " وهو في الحقيقة تنظيم عسكري للجماعة. ومن أهم وأخطر معلومات هذا التوثيق كشفه لقيادي من الجماعة المصرية اسمه "نجيب نويفيل" تنقل بين صفوف الجماعة في الأردن وسورية والكويت على اعتبار أنّه ملاحق وهارب من نظام الرئيس جمال عبد الناصر، وفجأة يصبح عميدا ثم لواءا في السفارة المصرية في العاصمة الأردنية له صفة دبلوماسية ومهمته الرسمية الاستخباراتية التنسيق بين المنظمات الفلسطينية والنظام المصري، وربما& خوفا على حياته غادر الأردن أثناء أزمة عام 1970 بين الحكومة الأردنية والمنظمات الفدائية الفلسطينية على طائرة الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري الذي كان قد جاء للوساطة بين الحكومة الأردنية والمنظمات الفلسطينية ، وتمّ موت نجيب جويفيل أو اغتياله في المغرب عام 1974& . يرصد الكاتب في صفحات التوثيق هذه العديد من جوانب الصراع الشخصي في مسيرة الجماعة المصرية خاصة بين قيادات الصف الأول، ويتدرج هذا التوثيق الدقيق وصولا للجماعة الأردنية التي كانت بداية تأسيسها كفرع للجماعة المصرية الأم لكافة جماعات الإخوان المسلمين. ومن شخصيات الجماعة الأردنية التي يوليها الكاتب اهتماما خاصا الشيخ عبد الله عزام الذي تعرض لمضايقات عديدة من أعضاء وقيادات الجماعة نفسها، مما اضطره للرحيل أو الهجرة إلى أفغانستان حيث كان أحد أو أهم مؤسسي تنظيم القاعدة.
مصدر و مرجع مهم عن الجماعة الأردنية
يعود " إبراهيم غرايبة" في صفحات طويلة لطبيعته كباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، وهو يرصد ويوثق مسيرة الجماعة الأردنية من خلال شخصياتها المهمة والعلاقات فيما بينها وبين شخصيات من الحكومة الأردنية بما فيها مدراء سابقين لدائرة المخابرات الأردنية. وحسب إطلاعي وربما أكون مخطئا لم يرصد كاتب قبله هذه القافلة من شخصيات الجماعة الأردنية التي تحتار هل هذا الرصد نتيجة بحث منه أم رواية الشخصيات نفسها لسيرتها الذاتية ومسيرتها في الجماعة، وكلها شخصيات معروفة في الجماعة والمجتمع الأردني: إبراهيم زيد الكيلاني، فاروق بدران، عبد اللطيف عربيات، و يوسف العظم.& ومصدر الحيرة في طبيعة توثيقه لحياة هذه الشخصيات المهمة في مسيرة الجماعة الأردنية هو أنّ الكاتب يبدا التعريف بكل شخصية في سطور تبدو أنّها منه ككاتب، ثم تتدحرج صفحات طويلة كلها منسوبة للشخصيات نفسها " نشأت..تعلمت..سافرت..أصدرت..إلخ صيغة المتكلم هذه مما يعطي الانطباع أنّه توثيق من الشخصيات نفسها لسيرتها الذاتية.
من عبد الله عزام إلى تضاريس أفغانستان،
يدهشك ويثير انتباهك الكاتب في سرده الروائي المختلط بحقائق تاريخية وشخصية وتضاريسية عن أفغانستان شعبا وتاريخا وجهادا وصراعا، مما يثيرلدى القارىء سؤال مهم هو: هل عاش الكاتب شخصيا في أفغانستان كي يلمّ بكل هذه التفاصيل بما فيها شخصيات العرب الأفغان كما اشتهروا، أم هي معلومات مستقاة من مراجع تاريخية، رغم عودته من حين لآخر لسرده الروائي واستنطاق شخصيات من تلك الفسيفساء التي جمعتها في بداية المقالة. وكان وجود هذه الفسيفساء مصدر راحة للكاتب حيث ينسب لبعضها ما يريد ويعتنق من افكار عبر سرد روائي لا يجعل الآخرون يعتبرونها أفكار الكاتب شخصيا. والمحير في أفكار بعض الشخصيات هو عدم قدرة القارىء على اعتبارها تداعيات روائية أم أفكار ومعتقدات الكاتب نفسه، خاصة ما جاء على لسان الدكتور الطبيب وائل، والشخصيات الأمريكية الإسرائيلية فيما يتعلق بدولة إسرائيل و مستقبلها ضمن محيطها العربي.
وايضا تنوع شخصيات الرواية عملا وتوجهات،
مما يؤكد ارتقاء وعمق الحس الروائي عند الكاتب رغم شهرته ككاتب وباحث في شؤون الحركات الإسلامية تحديدا، وربما هذه الخلفية عند الكاتب هي ما ألحقت بفنه الروائي لمسات فلسفية وجودية كما جاء& عند رصده الاختلاف بين الراوي و وائل الحاضر الغائب في الرواية، دون أن تعرف هل هذه فلسفته أم تأملات وائل :& " هذا الفاني الذي يصنع الخلود، لست آلهة كما يصرّ على الاعتقاد، ولكن بقدرته على الخلود وهو الفاني علقني به، كيف جعل هذه الصحراء مصدرا للحياة والنماء والبقاء. صمته الطويل الذي يعلم به نفسه ويعلمني. كيف جعل هذا الفراغ وحيا؟ في تأمله يكتشف الأشياء والأسماء والعلاقات والأساطير، كيف يكون الحياة مستمدة في هذا الفضاء المتاح بلا حد ؟ " ص 307 . ولقطات فلسفية وتأملات وجودية أخرى عديدة لا داعي لرصدها لترك مجال لإثارة القارةء للبحث عن الكتاب - الرواية لقراءتها.
نصيحة لمنتسبي جماعات الإخوان المسلمين،
أن يقرأوا هذه الرواية – الكتاب أو الكتاب – الرواية وبعد الانتهاء من قراءته بتمعن خاصة في الشخصيات القيادية والصراع الذي دار وما يزال دائرا بينها خاصة في الجماعتين المصرية والأردنية، عندئذ من المتوقع أن يقرّروا البقاء أعضاءا في هاتين الجماعتين أم يتركوها حيث كانوا يركضون وراء سراب يلخص وضعيته أو نتيجته الكاتب في ص 316 ، ثم يعطي وجهة نظره في الحالة الإسلامية والدينية بشكل عام ورؤيته للمداخل الثلاثة للتشكيل القادم لجماعة الإخوان المسلمين ص 319 . وهذه الرؤية المستقبلية تذكرّنا بالصراعات القائمة في وسط الجماعتين المصرية والأردنية، حيث المصرية تشهد تخبطا في الرؤية والاستراتيجية مما يعطي الانطباع بأنّ هذه الجماعة ما عادت سوى بيانات صحفية متضاربة من شخصية إلى اخرى، وحيث الأردنية تشهد منذ سنوات مبادرات وانشقاقات نتيجة تخبط الجماعة في سياستها الداخلية الأردنية والخارجية مع حركة حماس تحديدا. كتاب – رواية جدير بالقراءة الدقيقة لحصد معلومات وفيرة عن جماعات الإخوان المسلمين وجماعات تعتبر نفسها جهادية، ومن يعمل في صفوفها سنوات سيقرّر البقاء يركض وراء سراب خادع أو الخروج غير نادم.
www.drabumatar.com
&
&

