يروي زميلنا المؤرح المنصف المثابر د. حميد عبد الله نقلا عن مذكرات المرحوم فخري قدوري أنه كان رئيسا للبنك المركزي، وأن البنك أيام رئاسته قام بطباعة ورقة نقدية من فئة خمسة وعشرين دينارا بكميات كبيرة جدا في روسيا، وتم نقلها بالبواخر والطائرات من موسكو إلى بغداد. وعند وصولها اكتشف أن فيها خطأً لغويا يمنع تداولها، فقد كُتب عليها (خسة وعشرون دينارا) وليس خمسة وعشرون دينارا، فأمر بإتلافها، وأمره إلى الله.
ولكنه لم يخبرنا عما إذا كان قد أجرى تحقيقا مع الذي صمم، والذي خط، والذي رسم، والذي نفذ، والذي راقب، والذي أوفد إلى المطبعة في موسكو ليدقق دقق النسخة الأولى (الزيرو) قبل أن يأمر بالبدء بالطباعة. فكل هذا الجيش العرمرم من الفطاحل لم يكتشف سقوط حرف الميم. ولم يقل لنا هل عوقب أحد وتم تغريمه ثمن الورق والطباعة والنقل أم لا.
والمهم هنا هو أن صاحب المذكرات، فخري قدوري، سرد لنا هذا الواقعة كمن يتحدث عن جريمة كبرى لا تحدث إلا في الدول المصابة بالخرف المزمن المعيب.
ونسأل، ماذا لو طال العمر بالراحل فخري قدوري وعاصر دولتنا العتيدة الجديدة، دولة أصحاب الشهادات المزورة، ورأى وسمع وقرأ مثلنا مئاتِ القصص والحكايا عن أعجب المهازل وألعن الكوارث التي تحدث في عراقه وعراقنا، كل يوم وكل ساعة؟
فأنا، مثلا، أعرف واحدا اسمه هادي العامري لم يخجل ولم يخف حين اعترف صراحة على شاشات التلفزيون بأنه ورفاقه المجاهدين الآخرين جعلوا القضاء العراقي غير مستقل، وغير عادل، ولا نزيه. وفسر ذلك قائلا "إننا نهدد القضاة ونجبرهم على ما نريد".
وأعرف زعيما معمما آخر اسمه مقتدى قتل في أول أيام الغزو الأمريكي للعراق في 2003 في النجف شخصية دينية عراقية مهمة، وثبت القضاء عليه الجريمة، وأصدر بحقه مذكرة استقدام، ثم طويت ونامت في الخزائن المعتقة، ثم أصبح اليوم صانع وزارات، ومُوجه زعامات، ومن أصحاب الجيوش والطائرات.
وأعرف رؤساء ووزراء ومدراء وسفراء اختلسوا، أو قتلوا، أو هَرَّبوا، أو أنزلوا كوارث على رؤوس ملايين البسطاء والفقراء، ثم لم يجرؤ أحدٌ على أن يتحدث عن جرائمهم، حتى لو همسا، وبالإشارة.
نعم، يستطيع القضاة عندنا أن يسجنوا لصا سرق مليون دينار، أو شيش كباب، ولكنهم ينحنون، وقد يقبلون يد أحمد المالكي، ويعاملونه باعتباره ولي عهد أبيه.
وأعرف (مجاهدا) آخر كان القتيل قاسم سليماني يعتبره أحد أربعة زعماء يقودون الدولة ومن فيها، واسمه قيس الخزعلي، يصنع وزراء ونواباً وسفراء ومدراء وقادةَ جيوش، يعتقد بأن نهر الفرات موجود في مصر. وأظنه يؤمن أيضا بأن نهر النيل في أبو ظبي.
وعرفت وزير سياحة من وزراء الزعيم الميت الحي نوري المالكي زار بشار الأسد وخرج يتحدث للتلفزيون ويقول إنه (تشرف بلقاء ضخامة الرئيس) وليس فخامة الرئيس.
وأعرف رئيس وزراء حين كان نائبا لرئيس الجمهورية قام بتهريب أفراد عصابة سرقوا مصرف الزوية في بغداد، وتستر عليهم. ثم أصبح رئيس وزراء أجاز قتل المحتجين واعتقاله وإخفائهم حتى وهم مسالمون وبدون سلاح، ولا يريدون سوى الكرامة ولقمة العيش.
أما أخبار الجرائم الإنسانية الكبرى التي يرتكبها قادة أحزاب أو وزراء أو نواب أو أصحاب مليشيات فهي، في موازين قضاء مدحت المحمود وفائق زيدان، مجرد إشاعات بحاجة إلى دليل.
نعم، تُشكل لجان للتحقيق، ولكن يبقى أبناء ضحايا وأراملهم وأقاربهم ينتظرون نتائج التحقيق سنة أو سنتين أو عشر سنوات، ثم تسجل، في النهاية، ضد مجهول.
وكأنه لا يعلم كم قتل ملثمون يقال إنهم تابعون لـ (طرف ثالث)، من شباب التحرير؟، وكم اختطفوا أو اعتقلوا من أبناء الانتفاضة وبناتها، وما زال التحقيق مستمرا؟
وأعرف واحدا كان قد غلط الزمان مرة وأصبح رئيس وزراء (مؤقتا) لشهور لا يتوقف اليوم عن شتم العملية السياسية التي يصفها بالفاسدة، ويهدد أصحابها بالويل والثبور على أيدي المتظاهرين، ولكن بعد أن حلبها إلى آخر نفس، ثم حين شح ضرعها أصبح يقبلها ويدعو عليها بالكسر.
وللمعلومات، فعلى أيام رئاسته القليلة تم قصُّ شريط الاختلاس الرسمي الكبير. ففي أيامه، وربما بتوقيعه، لهَف حازم الشعلان وزير الدفاع وشريكُه زياد القطان 800 مليون دولار. وعلى أيامه أيضا حدثت فضيحة أيهم السامرائي وزير الكهرباء، ولؤي حاتم العرس وزير النقل، ونوري البدران وزير الداخلية.
ثم جاء حزب الدعوة على يد ابراهيم الجعفري فنوري المالكي فحيدر العبادي لتختفي مليارات الدولارات، ولا مَن شاف ولا مَن درى. أما عهد الرئيس عادل عبد المهدي فقد كان، قولا وعملا، خير خلف لخير سلف.
والحقيقة أن أحدا منا لم يكن يعلم، قبل اليوم، بأن الحكومة العراقية، مثلَ سجونها، أصبحت مدرسة تهذيب وإصلاح.
فهي تتسلم الأشقياء، بعد أن يرتكبوا آلاف الجرائم الـ (مخلة بالشرف)، ليتخرجوا، على يديها الساحرتين، سياسيين مرموقين، وقادة محترمين، ومشاركين فاعلين في العملية الديمقراطية الجديدة في العراق.
ترى هل لدى أحد من قرائنا الكرام رأيٌ آخر في ديمقراطية زعماء المنطقة الخضراء وصدق خطاباتهم المجلجلة عن سلطة القانون في دولة القانون؟
