للضبط الاجتماعي أهمية كبرى، ولا يمكن الإستغناء عنه في أي تجمع إنساني، حتى وإن كان هذا التجمع رقمي، أو سّيبراني. يحقق الضبط الاجتماعي للمجتمعات التوازن والاستقرار، وينظم العلاقات بين الأفراد، ويعّد وسيلة مثلى لتطبيق الأنظمة والتخلص من الفوضى، كما أنه يساعد على تطبيق القوانين، وفرض السيطرة أيضاً على تصرفات وسلوكيات الأفراد في المجتمع. يركز الضبط الاجتماعي على معاقبة مخالفي القوانين والأعراف والمعايير والضوابط الاجتماعية وسد هذه الثغرات من خلال الإثابة والعقاب، فيمنح الممتثل إمتيازات، ويعاقب المخالف.
إن هدف الضبـط الاجتماعي، كما يقول عالم الاجتماع تالكوت بارسونز هو: "القضاء على الميول المنحرفة في مهدها". ويمكن تعريف الضبط الاجتماعي بأنه "أي تأثير يمارسه المجتمع على أفراده بهدف ضمان الاستقرار والرخاء والحياة الكريمة للجماعة. إنه الطريقة التي يتماسك ويتلاحم ويحافظ من خلالها النظام الاجتماعي على نفسه، وهو الآلية التي يمارسها المجتمع أو الجماعة ككل والتي تحافظ على حالة التوازن والاستقرار داخلها".
مخالفة قطع الإشارة، ضبط اجتماعي. إلتزامك بلبس الشماغ والثوب في المناسبات الاجتماعية، ضبط اجتماعي.
ماهية المجتمع الرقمي
نتيجة للتطور التقني الهائل الذي حصل خلال العقود الماضية، تكونت مجتمعات رقمية، أو افتراضية أو سيبرانية، سمِّها ما شئت. ويمكن تعريف المجتمع الرقمي بأنه المجتمع الذي يعتمد في تطوره وتفاعلاته بصفة رئيسية على المعلومات الرقمية والحاسبات الآلية وشبكات الاتصال، خصوصًا شبكات الاتصال عن بعد.
وأعرفه أنا بأنه: تجمع مكون أفراد يعتمدون على شبكات الاتصال عن بعد، في تواصلهم مع بعضهم البعض وتفاعلهم، وتلقيهم للمعلومات، ولا يكون التفاعل عادةً بينهم وجهًا لوجه، ولا يتطلب الوجود المادي المحسوس.
مفهوم السيبرانية
أما مفهوم السيبرانية وهي كلمة مشتقة من كلمة سايبر وهي صفة لأي شيء مرتبط بثقافة الحواسيب أو تقنية المعلومات أو الواقع الافتراضي. وتعني السيبرانية أيضًا فضاء الانترنت، وخلاصة القول إن كلمة سايبر الأصل لسيبرانية تشير إلى أي شيء رقمي، أو أي شيء له علاقة بالتكنولوجيا، ابتداءًا من (البلوتوث) إلى السيارات التي تسير بلا سائق.
ولأن سلوك الفرد وتفاعله في الفضاء السيبراني ينعكس بشكل كبير على الواقع الاجتماعي، ويؤثر فيه. ويمكن من خلال الفضاء السيبراني، سرقة الآخرين أو الإساءة إليهم، وهذا ينتج عنه الكثير من التوترات والصراعات والمشكلات، ويهدد الاستقرار والسلم الاجتماعي.
يمكن إذًا القول بأن الضبط الاجتماعي، أخذ شكلًا جديدًا، وهو الضبط الاجتماعي في الفضاء السيبراني، ما يعني أن هناك تجمعًا بشريًا، بشكل ما، يتفاعل أعضاء هذا التجمع، وينتج عن هذا التفاعل سلوك ما، قد يكون مرغوبًا وغير مرغوب، قضيتنا ليست السلوك المرغوب، ما يهمنا هو السلوك الغير مرغوب.
هذا ما أقصد به سيبرانية الضبط الاجتماعي ولتفهم أكثر إليك القصة.
قصة مجموعة الواتس أب
أنشأ خالد مجموعة الواتس أب الخاصة بموظفي الشركة (س)، تضم هذه المجموعة، أرقام تعود ملكيتها لأشخاص يعرفهم خالد، يمكن لهؤلاء الأشخاص التفاعل اجتماعيًا مع بعضهم البعض في هذه المجموعة، من خلال الكتابة أو إرسال الصور ومقاطع الفيديو أو حتى إستخدام الرموز التعبيرية (الإيموجي)، ولكن كل واحد منهم في منزله أو في مكان آخر بعيد. طبيعة علاقة أعضاء هذه المجموعة، رسمية، علاقة عمل وزمالة. وضع خالد (المشرف على المجموعة) قواعد وقوانين للمجموعة، منها، أنه يمنع إرسال الرسائل المسيئة أو التي تخرج عن نطاق الهدف الذي أنشئت من أجله المجموعة. حسام زميل خالد في العمل، وعضو المجموعة، أرسل إشاعة ومن ثم أرسل فيديو فاضح، فقام خالد (مشرف المجموعة) بحذفه، وطرده من المجموعة، (أي عاقبه).
وبما أن خالد (مشرف المجموعة) يمتلك صلاحية وسلطة نسبية، إستطاع معاقبة المخالف لقوانين وقواعد هذه المجموعة بالحذف من العضوية، وأزاله.
توضح القصة أن الضبط الاجتماعي أخذ شكلًا جديدًا، غير تقليدي، هذا الشكل هو نتيجة لتطور المجتمعات الإنسانية، ويحتاج هذا الشكل الجديد لفهم طبيعته ودراستها دراسة علمية، لتحقيق التوازن الاجتماعي مستقبلًا، حيث أن الطوفان الرقمي، متجه بسرعة هائلة ينبغي أن يواكبها علم الاجتماع.
