ننتمي اليوم إلى عالم معولم تتغير قواعده بسرعة، ونعيش أكثر من أي وقت مضى تحت سقف واحد؛ ويعرف الضالعون في العلاقات الدولية أن العالم لم يكن يوماً قارّاً أو ساكناً فانتفض فجأة... لا! ولا الكرة الأرضية على ثبات وإذا هي تتحرك فجأة! ولكن العالم يتراءى لنا وهو يتغير بسرعة كبيرة وبوتيرة أعمق، ولم يستقر على حال يمكن أن يوصف بالديمومة أو الثبات؛ والنتيجة أن الحيرة تصيب المحللين عندما يريدون إجراء تحليل واقعي لنظام إقليمي أو دولي هما في جوهريهما متغيران وانتقاليان على الدوام؛ ويجد المتتبعون أنفسهم أمام محدودية تلك النظريات في مجال العلاقات الدولية التي تذبل قبل جفاف الحبر الذي كُتبت به، والأفكار التي تولَد ميتة؛ والنتيجة أن رؤية المستقبل صعبة جداً، وتحديد معالمها أصعب مما يمكن تصوره؛ والعالم أصبح أكثر ضبابية مع انتهاء الحرب الباردة ونهاية الثنائية القطبية وظهور القوة الاقتصادية متعددة الأقطاب، وتطور مجال العلاقات العابرة للحدود الوطنية، وهي تشمل أطرافاً فاعلين ليسوا دولاً، كالمصرفيين الذين يحوّلون الأموال إلكترونياً، والإرهابيين الذين يتاجرون في الأسلحة، والمتسللين (القراصنة) الذين يهددون الأمن الإلكتروني، والتحديات التي تعد من قبيل الأوبئة وتغير المناخ من دون نسيان وجود بعض الفاعلين العسكريين كـ«فاغنر» الروسية في أفريقيا جنوب الصحراء؛ وأضحت هذه الرقعة الأخيرة أكثر نفوذاً وأكثر وجوداً وهي مؤثرة في النظام العالمي الجديد الذي يعد أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.