حاورته نادية أبرام: إذا كانت اللغة هي ذلك المفتاح السحري الذي اخترعه الإنسان للتعبير والتواصل وخلق جسور من التقارب وفهم الآخر، فإن اختيار المستعرب الإسباني إيغناسيو فيراندو وقع على اللغة العربية للغوص في عوالم الحضارة العربية الإسلامية وجعلها جواز سفره عبر ثقافتها وتاريخها القريبين من وجدانه. فبأسلوب سلس ولغة أنيقة وشفافة تغذيها لكنة شرقية عبر فيراندو أستاذ اللغة العربية بقسم الدراسات العربية والاسلامية بجامعة قادس في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء عن شغفه الكبير الذي بلغ حد العشق باللغة العربية التي يجدها بحرا ثريا من المعاني والمفردات والرموز والدلالات. وقال فيراندو في هذا السياق، "لقد بدأ عشقي لهذه اللغة منذ مدة طويلة، وكلما اتسعت في البحث في ثنايا جملها إلا واكتشفت قيمتها وغناها من الناحية اللغوية والنحوية وفي معانيها ومفرداتها التي أعتبرها معينا لا ينضب من التعابير، وهي جميلة أيضا حتى من حيث الإيقاع".
وأبرز فيراندو، أنه من باب اهتمامه بالحضارة العربية ومعرفتها أكثر اختار الدراسة في شعبة اللغة العربية بجامعة مدريد وشارك في دورات تكوينية في الرباط حيث تلقى دروسا مكثفة في اللغة وأصولها وانتقل إلى جامعة عمان وأمضى بها سنتين لاستكمال التكوين إلى أن حصل على شهادة عليا مكنته من الالتحاق بالتدريس بجامعة قادس. وأوضح أن رحلته الاستكشافية في دروب اللغة العربية وعوالمها انطلقت مع دراسة كتاب النحو لأبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، الملقب بسيبويه الذي أطلق العلماء على مؤلفه عنوان "الكتاب"، وهو يراه ضروريا للتمكن من هذه اللغة كوسيلة لبحث مبني على أسس علمية صحيحة والتواصل بشكل أفضل مع العرب. وقال فيراندو إن هذا الاختيار "فسح الطريق أمامي للغوص في الدراسات العربية والإسلامية وأعطاني مفاتيح للبحث والاطلاع على أسرار وعظمة هذه الحضارة الإنسانية العميقة".
وأضاف "ارتأيت بعد أن قطعت مراحل هامة في دراستي والتحقت بجامعة قادس بقسم الدراسات العربية والإسلامية أن أتجه إلى الترجمة واعتمادها كوسيلة ناجعة لمعرفة الآخر، خاصة من خلال جنس الرواية واعد بدار النشر "كواروم" في قادس يحمل عنوان "الغربية" وهي كلمة تجمع بين "العربية والعجمية" والمقصود بها اللغة العربية والاسبانية، يهتم بترجمة كتب من الوالقصة القصيرة والشعر لأن ما يكتب في هذه الأجناس أعتبره نتاجا يعكس حقيقة المجتمع ومرآة تبرز وجه حضارته وثقافته وتركيبته وتفكيره". وأشار إلى أنه انخرط حديثا في مشروع عربية إلى الإسبانية ومن الإسبانية إلى العربية.
وأبرز إيغناسيو فيراندو أن البعض من هذه الكتب تعود لمؤلفين مغاربة، ومنها على الخصوص "دراسة في مؤلفات وأفكار مولاي بوعزة"، وهي دراسة علمية حول المذاهب والطرق الدينية الصوفية في المغرب، ومجموعة قصصية من الجزيرة العربية للمترجم المغربي عبد الله جبيلو. وأضاف أن دار النشر "كواروم" تهتم أيضا بترجمة كتب لمبدعين من السعودية والإمارات والأردن وغيرها من الدول العربية معربا عن أمله في أن يساهم في تطوير هذا المشروع عبر ترجمة روايات مغربية لكتاب متميزين يمثلون المغرب بشكل يمكن من تقريب القراء الإسبان من المجتمع المغربي ومن ثقافته المتعددة والغنية.
وأعلن في هذا الصدد أنه سيصدر قريبا ترجمة لرواية "الساحة الشرفية" للكاتب والناقد عبد القادر الشاوي الذي يقوم في الوقت الراهن بمراجعتها، وقاموس للجيب "إسباني عربي وعربي إسباني" لتسهيل عملية تلقين اللغة العربية للراغبين في تعلمها في إسبانيا مشيرا إلى أنه يحاول أن ينتقي للترجمة كتبا تفيد القارئ الإسباني وتطلعه على الثقافة العربية وتساعده على محو الصورة النمطية والمغالطات التي قد يحملها عنها.
ولاحظ أن كل ما ينتج في المغرب من كتابات حول الأدب والفنون والثقافة على سبيل المثال "شبه مجهول في إسبانيا" رغم التواصل القائم بين المثقفين بالبلدين وبعض المبادرات المحتشمة أو الاستثناءات التي لا يمكن أن تفي بمعرفة المستوى الحقيقي للكتابة في المغرب كرواية "الخبز الحافي" للراحل محمد شكري التي لقيت إقبالا مهما من طرف القراء الإسبان وذلك راجع، في رأيه ، إلى الضعف الكبير لحركة الترجمة.
كما عبر الأستاذ فيراندو عن رغبته في ترجمة كتب ودواوين شعرية مغربية إلى الإسبانية مشيرا إلى أنه بصدد البحث عن أسماء متميزة في مجالات متعددة من خلال زياراته المتكررة للمغرب، هذا البلد الجار الذي أصبح مصدر اهتمامه وبحثه. وقال من جهة أخرى إن التسجيل في شعبة اللغة العربية بجامعة مدريد أصبح يشهد إقبالا لابأس به واهتماما يتزايد سنة بعد أخرى من قبل الطلبة الراغبين في تعلمها ودراسة حضارتها ومكوناتها الثقافية.
وكان المستعرب فيراندو الذي يحب كثيرا الشعر العربي، مرافقا للوفد الصحفي المغربي خلال انعقاد أشغال الملتقى التاسع الذي نظمته جمعية صحافيي الجزيرة الخضراء بتعاون مع النقابة الوطنية للصحافة المغربية مابين25 و28 نونبر، وتحمل عبء الترجمة إلى الإسبانية وإيصال صوت الصحفيين المغاربة إلى نظرائهم الإسبان.
العربية بحر من المعاني والمفردات والرموز
هذا المقال يحتوي على 674 كلمة ويستغرق 4 دقائق للقراءة
