( 1- 2 )
حتى وإن انبثقت من ذات غير مؤنّثة، تبقى الكتابة فعل أنوثة، كما يستشعرها غاستون باشلار. وهي بالنسبة لهيلدا اسماعيل قيمة تعبيرية مضاعفة، إذ تستولد من الصور الشعرية ما يشبه المراودات للفرار من سجن أنوثتها الفردي، ولكن دون أن تغادره، فهي تتحقق داخله بايماءات مفرداتية مرسلة، تتكئ على كفاءة الدال اللغوي، وتحيل إلى بذخ المدلول كما يتمثل في متعلقات أنثوية مصرح بمسمياتها ( كحل، مرآة، خلخال، فستان، بنطال، عباءة ) فقصيدتها " أشياء أنثى " وكل عناصر النص تشير إلى " أنثى محلاة .. تذوب في رداء مبلل " كما تتوضح في مجموعتها الشعرية " أيقونات " الصادرة حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. هكذا تتحشد هيلدا في ذات شديدة التماس بالغامض من أحاسيسها، فكل تلك المرجعيات المجسدة بحسيّة تنقل إلى النص بكثافة، أقرب إلى " الفيتشية " حسب العقيدة البارتية للذة النص. ولأن القراءة " إنجاز حسي " لا ينفصل عن الثقافي، يصعب مقاربة أيقوناتها خارج هذا المكمن الإنتقائي المركب، فلا قراءة حقيقية، دون علاقة حسيّة، وبالتالي فإن التماس مع متوالية جمل النص يلتبس مع القبض على حميميات الشاعرة، فالأيقونات كنص ليس مجرد فكرة أو عبارة، بقدر ما هو شبكة من الشفرات المنفتحة على معنى متعدد الأبعاد، أو هذا ما يفترضه فعل القراءة.
يتأكد هذا المنزع الرصدي عند تأمل المعنى المصعّد بميلودرامية، ليتحقق حسّيا من خلال كثافة الطرق على الإستيهامات التفصيلية، وصراحة التلميحات لمكونات " الأنا " ودقة التوصيف الشعوري، ومن خلال معادلة ( المرأة/الأنثى ) بالقطة، أو مماثلة ( الكتابة/القصيدة ) بالمواءات، فالمواء بتصورها " ليس ترفاً!! المواء صرير قلب " وبرأيها هو " نحيب قصيدة " وهو أيضا، أي المواء :
... صوت أنثى
تتقطر برودة
تحتمي في فراء قطة
ثمة حركة حسيّة استحواذية وكثيفة إذا داخل أحاريك النص، تحفّز الحدس للتماس به، بما هو - أي النص - جناس أو صورة تصحيفية للجسد، ففي أيقوناتها من " الإشارات الغامزة " ما يكفي لتحقيق مقروئية تنهض على الكتابة الحسية، وبالتأكيد تضع تلك العلامات القارئ قبالة جسد يتنصص من خلال كثرة التكرارات على المتشيء ماديا " شعري، عيني، فمي، أصابعي، جسدي، كتفي، يدي، قدمي، خاصرتي، جبهتي، ظهري، أظافري، ساقاي، جلدي، ركبتي، شفتي، جديلتي، صدري " خصوصا عندما تستعرض تلك العلامات بلغة تتفنن في دس المعنى داخل جرعة حسيّة مضاعفة. في هيئة قطة " تتماثل للعق " مثلا . أو امرأة تتدثر فراءً وتدر " مواااااءً ". أو طفلة تغرس قبلة لتثمر يوما " ويقضمها " رجل. هذا الرجل هو ذاته الذي همست إليه بذاتها الخطّابة:
كلمة ما ..
نفختها في فمي
تمثّلت لنا..
( شعراً ) سوياٍّ
هكذا تتصعد العلامات الحسية لتتمازج أو تتعادل ربما مع جوهر عاطفتها، إذا ما تم تفكيك نظام العلاقات داخل النص، وعدم الاكتفاء بتقصي الملفوظات وحسب، فهنالك بذخ مفرداتي، مؤكد عليه باستئناس لفظي " لوح الشوكولا، القهوة، الحلوى، السكر، الشاي، السجائر، الخبز، والليمون ". وكل تلك المتوالية من المذاقات ( التعبيرية/الحسيّة ) المتباينة معبر عنها بلغة فارطة في الحسيّة أيضا، فهي ليست مجرد طعوم منذورة للفم واللسان، بل معادِلات شعورية وحسيّة لامرأة " تصرخ شعرا " وتتعمد ارباك الحواس بالحديث عن الإرتشاف، وتدخين إكليل من الورد، أو بتسييل القرنفل من جنباتها، وفتح مسامات جلدها كل ليلة، لتتبادل مع ذاتها المعطّلة فائض أحاسيسها، أو تنادم رجلا " سكر الحديث يذوب في حواراته " فالقضم، واللعق، والإرتشاف، والنفخ أفعال ذات دلالة تعمل كمكونات بنيوية داخل البنية الحسيّة، وربما لهذا تعلن بشيء من الإباء الأنثوي:
سأشعل
كل الحرائق..
كي
تتبعنـ..ي
ويبدو أن تلك الخفة الشعورية، هي وسيلتها لصد كآبة متأتية في الأصل من المفارقة ما بين الواقعي والمحلوم به كما تتمتم باعتداد المنكسر مثلا " بعض الجروح .. أهنتها بابتسامة ". وإن كانت تموضع النصوص على حافة تكاد أن تؤدي إلى " تلفيظ الأنوثة " نتيجة المكوث في البؤرة الحسيّة حيث يكمن فيها السر الأدبي، أو الطزاجة اللغوية بمعنى أدق، ففي أنسجة النصوص امرأة تعيش " هزيمة مؤقتة " فشلت لمرات " في حياكة حب جديد ". قلبها يسكن " بين الجرح والجرح ". روحها " مدعوكة بالضوء ". تتقاسم الألم مع نفسها، وهو ما يجعلها " تموووء .. كأنثى وحيدة ". تلوم جسدها الذي " من أجله ترتكب البدايات ". فهذا الديالكتيك العاطفي، بكل تموجاته وتعرجاته، الخفي منه والمرئي، هو ما يحرضها على توليد المفارقات العباراتية:
على نعش حلم ..
أحفر دعابة ..
أفقأ أمنياتي
وأجهش
بالضحك
هكذا تترهف كلما أقتربت من مكامن نرجسية الجرح الأنثوي " حتى الهواء يجلدني ". وتترقق كلما أشارت إلى أناها المتضورة بالألم " اعزفني .. أوتاري مشدودة .. للوجع ". إلا أنها لا تسلم النص لمطلق الحسّي، بقدر ما ترفع توتراته العاطفية بالتأكيد على طابعه الإيجازي، وبالإلماح إلى طرف الذات وهي تتنصص في " توقيعات " أقرب إلى النزق السيوراني، ولكن بتشاؤوم أنثوي رهيف. إذ تعبره بايقاع خاطف، وتؤدي طقس الكتابة بمجازية باترة لتختصر ( مزاجها/وعيها ) الشعري في " أيقونات " تتهيّل من ذات تعتقد بالنص الإختصاري وتتماسك من خلاله، فبرأيها:
أرذل الشعر ..
نص طويييل
لكن هذه العبارة المرسلة، المحمّلة بالدلالات الفنية والشعورية، لا تعني اكتفائها بتقصيف الشريط اللغوي للنص وحسب، بل تصفيته من أي تعبير لا يتطلبه الإحساس، وإن بدى نصها أحيانا عرضة لفورات كلامية، كما تشي بها تلك المساحات الواسعة من الشقوق والسكتات، وكما يتوضح ذلك من خلال استهلال المجموعة الشعرية بنص وثيق الصلة بدلالات " المحو " فبتلك البياضات المستصلحة بالقليل من اللغة تختصر حراكها الشعري، كما تتمثل في امرأة مصلوبة ببهجة منقوصة قبالة رجل وقصيدة:
قصائدي القصيرة
أحلتها شباكا
كم أحب اصطيادك
في ( الشعر ) العكر
هكذا تتكثف - مجازيا - امرأة مصنوعة " من كل النساء " فيما يبدو انحيازا لطراز من الكتابة الشعرية الناهضة على الصورة الشعرية الخاطفة، وابتناء نص شديد التقشف والإقتصاد اللغوي، والتواطؤ مع مخزون القارئ المعرفي وخبراته العاطفية، فيما يعرف بشعرية " اللقطة " أو قصيدة " الومضة " المتناغمة بنيويا مع القصة القصيرة جدا، من حيث اشتراكهما في استبطان السردية، بما هي الركيزة أو الوسيط الدلالي للنصوص الشذرية، مع تأكيدها على التكثيف بما هو اختصار لظاهر المضمون المسبوك لغويا، وغنى المضمر كما يتمثل في المعنى، واستحضار الجرس، كما يبدو ذلك جليا في نص، اشبه بالعبارات الإشراقية:
عزفك ..
أسرع من رقصاتي
لن نلتقي
ضمن هذا التصميم البنائي للجمل، يتأسس مدار لغوي شبيه بالبرقية، أو الرسالة النصية المشفّرة، التي تستمد طاقتها من خبراتها اللغوية واللالغوية، بمعنى أن هذا ( النص/الفلاش ) هو مساحة تداولية بين هيلدا كمنتج للنص والقارئ كمستهلك، فالمعنى مبيت أصلا وموارب ليس في ملفوظات النص وحسب بل فيما يختزنه من خبرات ضمنية تتأكد في مثل هذه العبارات المباغتة " سوى المزاج .. لا شيء يخوووون " حيث رهافة التمازج بين مضمون العبارة وما يذوب في أليافها من إحساس، المؤكد عليه بشكل الكتابة التوقيعية المصوّرة، وهو ما يستدعي تأوين الذات المنتجة للأيقونة/النص لحظة تهجيه، أو ما يعتبره باشلار، قراءة نفسِية ونفَسية، لمقاربته - أي النص - منطوقا من داخله.
ولأن فعل القراءة يستلزم وعيين، تراهن هيلدا من ذات المنطلق التشاركي على إختبار القارئ بانفعالين في آن، من خلال نبرة موغلة في الحسّية، تحيل على الدوام إلى ما يعترض مرغوبية " الأنا " كنقطة ارتكاز للنص، فالقارئ كما تجادله ضمنيا، هو ذات يفترض مراودتها بمختلف المرغبات، إذ من طبيعة هذا النص اغواء الذات القارئة بالقبض على ذات الشاعرة من خلال منطوقها، لإعادة تركيب صورتها وفق استيهاماته، عندما يرتطم بنص يثير الفضول:
عندما أعبر المقهى..
في حقائبهن تفتش الإناث ..
عن مرآة
وإصبع من كحل!!
بموجب ذلك الوعي تنبعث شعائرية نداءاتها إلى صوتين، صوتها كمنتج للنص، وصوت المتلقي كمؤلف تكميلي أو " تأويلي " لخميرة النص، بما يستسر من خبرات واستيهامات، وفي هذا ما يفسر اكتفائها بتصدير نصف المعنى فيما تسلم نصفه الآخر للقارئ ليتأوله داخل ذلك التساوق البنائي، خصوصا عند تأمل الشكل الخطي للأيقونات، فهي منضدة فنيا كعلامة ( تكنو-ثقافية ) بحيث يتأسس النص بمستوى لغوي على درجة من المحايثة بمستوى خطي، له أكبر الأثر في شكل المقروئية، بالنظر إلى كون المجموعة قد كتبت ضمن حاضن نتّي أصلا....
( يتبع )
كاتب وناقد من السعودية
[email protected]
www.m-alabbas.com
