العراق ومظاهرات أعداء العولمة

تنطلق هذه الأيام مظاهرات اليسار الأوروبي بمناسبة الذكرى الثانية لحرب إسقاط الفاشية في العراق.هذه المظاهرات، التي تقترن بذكرى مذبحة حلبجة المروعة، لا تجيب على السؤال الكبير: كيف يكون تحرير العراق من نظام غازات حلبجة والأنفال والمقابر الجماعية عملا يستحق التنديد والاحتجاج! ولا يسأل المتظاهرون أنفسهم كيف قرأت أكثرية العراقيين يوم سقوط صدام، وهل هي نادمة على سقوطه أم انتزعت بفضل ذلك حريتها لحد إجراء أول انتخابات حرة في تاريخ العراق.

تتصدر هذه المظاهرات حركات وأحزاب ذات اتجاه يساري، رغم أن البعض يتستر بالبيئة، وآخرين بحركات مناهضة الحرب، وغيرهم بمناهضة العولمة، وهلمجرا. فدعاة الحرب على العولمة في ألمانيا سبقوا الجميع في التظاهر، ولعلهم كانوا في مقدمة جامعي التبرعات لما يسمونه بالمقاومة العراقية، دون أن تروعهم جرائم الخطف والقتل اليومي وقطع الرؤوس، ودون أن يبين لنا قادة هذه المظاهرات، [ التي تنخرط فيها فئات من المواطنين من ذوي النوايا الحسنة والذين ليست لهم أغراض سياسية ولا يحملون إيديولوجيا منغلقة]، في أية حركات مقاومة وطنية في أوروبا استخدم المقاومون تفجير الأطفال والنساء والمدارس والكنائس وقطع رؤوس المدنيين الآمنين!ترى ما الذي يقف وراء هذا العمى الصارخ عن رؤية حقائق الحياة في قضية العراق وغيرها من كبريات قضايا العصر؟!

المفكر الفرنسي الكبير جان فرانسوا ريفيل هو خير من يعطينا بعض المفاتيح الرئيسية لهذه الإشكالية، رغم أنه لم يعالج القضية العراقية بحد ذاتها. ففي عام 2002 [ أي بعد اا سبتمبر وقبل حرب تحرير العراق]، أصدر المفكر ريفيل كتابه المتميز والمتعمق "هوس العداء لأمريكا" عن دار بلون.

L obsession anti- americaine
Jean-François Revel

لقد استعرض الكتاب في حينه الدكتور هاشم صالح في العدد 17 نوفمبر 2002 في صحيفة "الشرق الأوسط" كما استعرضه الدكتور جورج طرابيشي في عدد 3 نوفمبر من صحيفة "الحياة". ورغم موضوعية ودقة الاستعراضين وتبيان أهمية الكتاب، فإن الأخ طرابيشي عنون مقالته كما يلي" التصدي لوسواس العداء لأمريكا بوسواس الحب لها"؛ والحال أن ريفيل ينتقد السياسة والممارسات الأمريكية في العشرات من مواضع الكتاب. إن ما ينتقده ويدينه الكتاب هو النقد الأوروبي غير الموضوعي والمتحيز في الحديث عن الولايات المتحدة، مجتمعا وتاريخا وسياسة وثقافة. إنه ينتقد الكيل بميزانين، ويفضح ما يستند إليه الموقف الأوروبي غالبا وموقف اليسار على وجه الخصوص، من معلومات مغلوطة ومبتورة وأحيانا متعمدة التشويش. وهو يضرب عشرات الأمثلة على ذلك.
ولعل من بين الفصول الأكثر أهمية ذلك الذي يعالج ظاهرة وحركات العداء للعولمة التي برزت في التسعينات، والمقترنة دوما بالعداء والكراهية العصابيين لأمريكا. فكل ما تفعله هو شر، وبالتالي، فإن سقوط صدام خطيئة كبرى وشر لأنه جرى بمبادرة بوش وتضحيات القوات الأمريكية بعد أن مارس المحور الفرنسي – الألماني – الروسي
كل إمكانياته الدعائية والدبلوماسية والسياسية لتمييع القضية وتطويل أمد عمر النظام الصدامي. أما اليسار الغربي فقد سبق الحرب بعشرات المظاهرات الضخمة التي انخرطت فيها جماهير تعادي الحرب كمبدأ وكانت تخشى الأضرار الكبرى على المدنيين وذلك تحت تأثير آلة الإعلام الأوروبي المعادية غالبا لأمريكا وسياساتها لأسباب من المصالح والاعتبارات السياسية والإيديولوجية للدول الأوروبية مع حالات استثناء عدة.
في رأي ريفيل أن الدافع الأول وراء معاداة العولمة هو العداء للبرالية التي تعتبر أمريكا رمزها الأول وممثلها الرئيسي.
لقد اندلعت الحرب ضد العولمة بشكلها البارز والعنيف عام 1999، ورافقتها أعمال عنف نسبت إلى "أقلية فوضوية"، ولكن هذا العنف [ كتحطيم واجهات البنوك وتعمد المواجهات مع البوليس وحمل كوكتيل مولوتوف]، كان يزداد مع كل مناسبة ينعقد فيها مؤتمر لمنظمة التجارة الدولية أو البنك الدولي أو قمة الدول الصناعية الكبرى. ويتساءل الكاتب كيف لا يستطيع منظمو وحرس المظاهرات ضبط زعران العنف وحاملي المولوتوف مع أن عددهم يزداد من عام لعام؟، بل إن المتظاهرين يستعملون أشكالا أخرى من العنف حين يمنعون جلسات المؤتمر من الانعقاد، وحين يريدون استبدال سلطة البرلمانات والاقتراع الحر بسلطة الشارع المتهيج، حتى أن مظاهرات نظمها أعداء العولمة هؤلاء حملت دمية تمثل بوش "الكاو بوي"، بينما يهتف المتظاهرون "بوش الفاشي"! تأملوا هذا الرئيس الفاشي الذي انتخبه الشعب الأمريكي مرتين في المجتمع الأكثر ديمقراطية وتقدما في العالم! إنهم يستخدمون العنف لمنع رؤساء دول منتخبين ديمقراطيا من الاجتماع، وكأنما لا قيمة للبرلمان عند هؤلاء "الثوريين المزيفين" كما يصفهم ريفيل.
إن حركات العداء للعولمة قد أطلقها يساريون كانوا يحلمون بحصول ثورات في الدول الرأسمالية وفقا لمقولات كارل ماركس، ولكنهم صدموا لأن الرأسمالية استفادت من تجاربها واستوعبت المعطيات الجديدة فقامت بسلسلة من الإصلاحات الاجتماعية وأطلقت الضمانات الاجتماعية للصحة والبطالة والسكن وغيرها، وكانت هذه من مطالب اليسار نفسه. وأما "البروليتاريا الصناعية"، التي كان عليها المعول لإشعال نار الثورة المقدسة، فقد تحسنت أوضاعها وصارت نقاباتها غارقة في مطالب يومية ولا تفكر أحزابها في إشعال ثورة اشتراكية، وكل من شرائح الطبقة تبحث عن مصالحا الفرعية واليومية. والملاحظ أنه بينما خرجت كل إسبانيا مؤخرا في مظاهرات بمناسبة ذكرى مجازر التفجيرات الإرهابية في القطارات، فإن مظاهرة تضامن واحدة ولو صغيرة لم تقع حسب علمنا في دول غربية أخرى، بل سبقت النقابات الفرنسية بيوم واحد تلك المناسبة لإعلان الإضراب دون أن تتذكر واجب التعاطف مع ضحايا مدريد! فأين " التضامن الأممي"؟! لقد اصطدم قادة حركة مناهضة العولمة بانهيار الكتلة الشيوعية وتراجع دور أوروبا، وصعود الدور الأمريكي، هذا الصعود الذي بدأ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وحيث كانت أمريكا هي التي بادرت لمشروع مارشال لإنهاض أوروبا بعد الحرب مثلما لعبت مع بريطانيا دورا حاسما في تحرير فرنسا وإيطاليا واليابان وألمانيا.
إن مناهضة العولمة تحمل تناقضات عميقة وعجيبة: إنها تحارب الرأسمالية الديمقراطية اللبرالية التي تقدم العون للدول الفقيرة، وتحارب منظمة التجارة الدولية التي تعمل على جعل التجارة الدولية غير وحشية، في حين لو طبقت البرامج العاطفية وغير الواقعية لدعاة مناهضة العولمة: كغلق الحدود، ووضع الحواجز في وجه السفر والفيز، لما كانت مظاهراتهم الشهيرة في سياتيل وغوتبرغ ومونبيلية وجين وغيرها! وهم تظاهروا بعنف كبير ضد مؤتمر لقمة الدول الصناعية كان ضيوفه البارزون زعماء إفريقيا الذين جاءوا لطلب زيادة المساعدات، وكان بوش بالذات من طالب بزيادة المنح والقروض لشؤون الصحة والتعليم لإفريقيا. وهذه الدول لا تطالب بغلق الحدود بل على العكس تطالب بفتحها أكثر لتسويق منتجاتها وخصوصا الزراعية منها.
إن جوسبان الاشتراكي الفرنسي حيا المظاهرات عندما كان رئيسا للوزراء واعتبرها بشيرا بحركة دولية جديدة لصالح الشغيلة، والمجلة اليسارية النوفيل أوبزرفاتور كتبت عام 2001 إن " أممية جديدة تولد". إن "الأممية" الشيوعية سابقا كانت هي الأخرى عولمة ولكن بلا اقتصاد سوق بل وبتخطيط مركزي من الدولة. وأعداء العولمة ليسوا ضد العولمة السائدة إلا لكونها ليبرالية ولأن أمريكا تتصدرها، وهي في المقدمة لا بسبب الغطرسة والإملاء بل جراء تطورها الاقتصادي والتقني والعلمي ومتانة نظامها الديمقراطي، بينما راح الدور الأوروبي يتراجع بعد الحرب الثانية. ويستخدم مناهضو العولمة مغالطة كبرى عندما يخلطون بين مقولة "الهوة بين العالمين الغني والفقير" ومقولة "الغني يزداد غنى
والفقير يزداد فقرا" مستشهدين بمقولات ماركسية قديمة قيلت في ظروف ومراحل مغايرة تماما. ويبرهن ريفيل، وهو يستند لآخر الإحصاءات المعتمدة دوليا، أنه إذا كانت الهوة لا تزال كبيرة، وهذا أمر طبيعي، فإن "الفقراء" لم يزدادوا فقرا بل وقع تحسن كبير في ظروفهم الاقتصادية ومستوى المعيشة والتعليم والدخل الفردي. أما الاستثناء فهو عدد من الدول الإفريقية التي لا تعود مشاكلها للعولمة بل لكونها طبقت النماذج السوفيتية والصينية في التنمية تخطيطا وتأميما وكلخزة، ففشلت عمليات التنمية فشلا ذريعا. كما أن هذه الدول تعاني من الحروب القبلية والعنصرية حيث هي في حروب مستمرة أهلية وإقليمية، ضحاياها بالملايين مثلما تعاني من رؤساء فاسدين يضعون معظم المساعدات الدولية في جيوبهم. وكان آخر مثل ما نشرته إيلاف في عدد20 فبراير الماضي عن فساد ملك سوازيلاند الإفريقية الفقيرة وتجييره المساعدات الأمريكية والبريطانية وغيرها لزوجاته وقصوره ومباذله.
قيادات ونشطاء حركات العداء للعولمة، الذين شهدت بعض مظاهراتهم رفع الأعلام الحمر والمنجل والمعول، يتصدرون اليوم مظاهرات الاحتجاج على نشوب حرب إسقاط صدام بينما مروا دون مبالاة بكشف المقابر الجماعية ولم يتوقفوا ولو من باب رفع العتاب أمام ذكرى حلبجة، ولم يقفوا أمام مغزى انتخابات الثلاثين من يناير الماضي في العراق. إنهم أصدقاء مؤدلجون لفقراء العالم، يصفهم ريفيل بالأصدقاء المزيفين لكونهم يطرحون برامج غير واقعية ويحاربون مؤتمرات تنعقد لصالح البلدان الأقل تقدما؛ كما أنهم أصدقاء مزيفون لشعبنا لكونهم يمجدون القتلة والمجرمين الإرهابيين ويصفون عملياتهم الوحشية ب"المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الأمريكي". وما دام الشبح الأمريكي يطل في كل مناسبة فلابد أن القضية وبال على الشعوب!
إن استدراكا هاما مطلوب وهو أنه إذا كانت هذه هي حقيقة الحركات اليسارية الغربية المؤدلجة المذكورة، فإنها ليست من طبيعة واحدة مع عداء الأصولية الإسلامية لأمريكا ولا لذات الأهداف، وإن التقيتا عمليا أو موضوعيا في الموقف من العراق. وسبق لنا معالجة هذا الموضوع، وحيث أن الأصولية الإسلامية المسؤولة عن حرب الإرهاب الدولية تحمل عداء أعمى وشاملا للحضارة الغربية كلها ولكل القيم الديمقراطية والعصرية.
إن كتاب ريفيل غني بالأفكار، ويشحذ التأمل والتفكير، وسنعود إليه في مناسبة أخرى ولاسيما في الفصول التي تعالج النواحي الثقافية من العولمة والضجة القائمة حول "طمس الهوية الخاصة" بسبب العولمة والتفوق الأمريكي دوليا والأسطورة الشائعة حتى في أوربا عن خطر "بلع" الثقافة الأمريكية لغيرها، وحيث لم توجد أية ثقافة "ابتلعت غيرها"، بل كان لاتصال الثقافات وتفاعلها دور حاسم في إثراء الثقافات الوطنية.