«أريد أن أنزع قناع الفتاة المستهترة وأتحول إلى زوجة صالحة ومخلصة، ولكنني لا أستطيع ولا أعرف وكلما حاولت الاقتراب من زوجي، كي أطلب منه السماح، أتراجع فأنا لا أجرؤ حتى على النظر في وجهه وأتخذ إحدى زوايا غرفتي ملجأ لي كي أذرف الدموع فأنا لا أعرف كيف أتصرف لأني أجهل كيفية تأدية دوري كزوجة صالحة تعرف ما لها من حقوق وواجبات تجاه زوجها وبيتها، وكلما حاولت أفشل وأعود كما كنت في السابق. لقد تملكتني الألاعيب. وتجعلني أضطر لأن أقول له مرة أخرى : سامحني يا حبيبي، سامحني على هفواتي وأخطائي التي ارتكبتها في حقك وأعدك بأنني سوف أتغير وسأكون نعم الزوجة التي ستحبك وستسعدك وستهتم ببيتها وبشؤون زوجها، وأعدك بأنني سأكون لك أمة مطيعة أبد الدهر».
إنها زوجة في ربيعها العشرين وتنحدر من أسرة ريفية ميسورة الحال، منذ أن تزوجت لم يدخر زوجها جهدا ليجعلها تتربع على عرش مملكة قلبه وحياته .. لكنها لم تغفر له، أن أباها زوجها إياه رغما عنها .. تقول إنها عذبته وتفننت في إذلاله .. في حين لم يزده ذلك إلا خدمة لها وتعلقا بها .. وفوق فراش المرض أعادت قراءة أوراقها لتقول له اليوم «سامحني زوجي لقد أخطأت في حقك» .. هذا نموذج لحالة نضج إنساني، تبين أنه من النبل أن يشعر المرء بالذنب في لحظة استيقاظ لضمير، فيرفع صوته عاليا بالإعتذار ويحشد كل تفكيره للبحث عن سبل التكفير عما صدر منه .. قبل سنة من اليوم تقريبا، كانت نوال تعيش حياتها كتلميذة ماتزال مساحات اللعب والإنفلات من قيود الضبط الأسري تحتل مساحة واسعة في نمط حياتها، وفي نفس الوقت، لم تكن ترى في أنوثتها ذاك الرأسمال الوحيد الذي يمكنها أن تستعمله سهما مربحا في بورصة الحياة، فقد صممت على الحصول على شهادة جامعية عليا، ورأت أن الثراء المادي لأسرتها سيوفر لها كل الشروط المناسبة للتفرغ للتعليم دون أن تكون بحاجة إلى التسرع في الإحتماء بحضن زوج يقيها شرور وطأة مستلزمات العيش التي جعلت بعضا من قريناتها تحولن أجسادهن إلى سلع قابلة للتداول في سوق بيع اللذة خلسة وكلما بدت هناك حاجة لبعض المال .. وبينما ترسم نوال خطاطات مستقبلها كما تشتهيه ، كانت هناك أمور أخرى تدور في ذهن والدها، فذاك الرجل الناجح في تجارته والذي غزا الشيب رأسه معطيا إياه لمسة من الهيبة والوقار، لايريد أن يكون في حياته ما يخدش هذا الكبرياء ويزعج تفرغه المهني، ففي منطقة الريف كما في مناطق أخرى من المغرب التقليدي، يصبح جسد الأنثى مشكلة حقيقية بمجرد ماتبرز الأثداء في صدره، ويصبح الشغل الأهم للأهل هو البحث للبنت عن رجل يفك بزواجه منها خيوط قنبلتها الأنثوية قبل أن تنفجر وتتطاير شظاياها لتشعل النار في الشرف والعرض .. في هذه الظروف تقدم لخطبة نوال شاب يكبرها بسبع سنوات، لكن وسامته وثقافته وحتى ثراءه لم يكن ليجعلها تقبل عرض الزواج هذا، تقول نوال وهي تستعيد شريط تلك اللحظة «رغم أنه بدا لي مثقفا ووسيما ومن عائلة ثرية ومعروفة جدا في مدينتنا، رفضت الارتباط به لأن همي الوحيد كان هو مواصلة دراستي، كما لم يسبق لي أن خطرت ببالي فكرة الارتباط بأي شاب، وعلاقتي بالذكور لم تكن تتعدى حدود الصداقة. ولكن أبي أعجب بذلك الشاب وأرغمني على القبول » .. خضعت نوال لإكراه الزواج هذا حتى دون أن تفهم سر هذا التلهف على تزويجها من جانب والدها، وبدت طيلة الأيام التي تلت موافقة والدها على تزويجها أسيرة أسئلة لا تعرف كيف تفك طلاسيمها، وحين اشتد بها طوق الحيرة لم تجد بدا من أن تفجرها في وجه والد لم تكن إجابته لتخرج في عمقها عن نمط العقلية التي ترى في المرأة عورة ينبغي التخلص منها، هذا رغم محاولته تغليفها بجانب من الإكراهات الأسرية، لم أدر حينها لماذا هذا القرار الجائر ؟ فأنا ابنته الوحيدة التي يحبها ويدللها كثيرا، ولماذا يريد التخلص مني بهذه الطريقة ؟ لا أستطيع التفكير في أن الطمع أعمى عينيه .. لا أبدا !! فأبي حالته المادية ميسورة جدا ولديه العديد من الممتلكات، كما أنه يعيش بإحدى الدول الأوربية، وعندما استفسرته عن السبب الذي جعله يفكر في تزويجي رغما عني، أجابني بأن الزواج سترة لكل فتاة، وبأنه يريد أن يطمئن على مستقبلي ويضعني في أيد أمينة ليتمكن من أخذ أمي وإخواني الصغار للعيش معه بهولندا، وأنا ؟؟ ألا يفكر بي ؟؟ ما الذي سيحصل لي ؟! ودراستي؟؟! ولكن أبي تشبث بقراره، ولم ينفع معه بكائي ولا توسلات أمي ...» هذا البكاء والتوسلات والإحساس بأن والدها لم يعرها اهتماما هو ما سيولد في نفسية نوال عقدة قررت مع نفسها أن تجعل هذا الزوج الذي أرغمها على الإرتباط به يدفع ثمن ذلك .. فبعد أسابيع قليلة من يوم الخطبة تم عقد القران وبعد حفلة الزفاف انتقلت نوال للعيش مع عائلة زوجها. وهي لا تنفي أن صدمة الإكتشاف الأول لمحيطها الأسري الجديد لم تكن صعبة عليها لأنها صادفت «عائلة رائعة .. الكل يحترمني ويعاملني بلباقة. الكل يحسب لي ألف حساب، كما لو كنت أميرة، ولكن لم أبق معهم طويلا، وسرعان ما انتقلت للعيش بمنزل يملكه زوجي قرب مقر عمله، وهنا قررت أن أنتقم من هذا الزوج الذي ضيع دراستي وحرمني من الاستمتاع بأبهى سنوات عمري ... وأقسمت أن أجعله يندم أشد الندم على اليوم الذي تقدم فيه لخطبتي». في هذا البيت الجديد كان على الزوج أن يستعد ليعيش بين جدران شقة قررت أميرته الصغيرة والجميلة أن تجعل منها جحيمه اليومي ، وأن يهيئ نفسيته لتلقي طعنات كل أسلحة الأنوثة الممكنة، تحكي نوال عن حربها هذه قائلة «حين يكون موجودا بالبيت لا أعيره أدنى اهتمام، أستغرق في النوم أو أدحل الحمام مع أنني لا أكون بحاجة للاستحمام، وعندما يخرج للعمل، أبدأ سلسلة جديدة من المغامرات. لا أستيقظ من النوم إلا بعد العاشرة صباحا،.. أمارس بعض التمارين الرياضية.. أستمع للموسيقى .. أرقص .. أجلس أمام المرآة لساعات .. أغير لون الماكياج.. ألبس أفخر أنواع الملابس.. أهاتف صديقاتي.. أتابع المسلسلات وأحدث الكليبات العربية والغربية ... وعندما يعود زوجي من العمل وقت الغذاء، لا يجد شيئا ليأكله. أحيانا يضطر للطبخ بنفسه، وأحيانا أخرى يجلب المأكولات معه من السوق، لأنني منعته من إحضار خادمة تقوم بكل شيء، والأكثر من ذلك أني أحرمه من أبسط حقوقه الشرعية، وعندما تكون له رغبة جامحة في معاشرتي يتوسل إلي ويطلب مني أن أمارس معه الجنس، لكنني لا أستجيب لطلبه، لأنني أكره تلك الممارسة وأثناءها أشعر بألم فظيع داخل جهازي التناسلي، وأذكر أنني مارست معه الجنس أربع مرات فقط بعد ليلة الدخلة توجت بحمل لم أكن أتوقعه ...» .. ومع ذلك، لم تشعر نوال بأنها تحقق ما سعت إليه، فهذا الزوج لم ينفعل أمام هذه الحرب المعلنة عليه، بل ظل يزيد من إعلان حبه وتدليل أميرته، يغدق عليها الأموال والهدايا ، وفي عيد ميلادها أهدى لها سيارة فخمة، حتى اسمها لا يناديها به، بل يفضل أن يطلبها بقوله «يا صغيرتي» «يا حلوتي» «يا روحي» «يا حياتي»، وهنا بدأت رأس نوال العنيدة تلين شيئا فشيئا وتجعلها تختار الوصف المناسب للشكل الذي تعاملت به مع شريك حياتها غير المتوقع .. تقول نوال وهي تسترجع لحظة بداية التغيير في سلوكها دون أن تنفي الإزدواجية النفسية التي سقطت فيها حينها «كل هذه الأفعال والتصرفات الصبيانية وزوجي لا يبالي، على العكس فحبه لي يزداد يوما بعد يوم، وأنا كذلك أحبه ولا أحتمل بعده عني وأترقب مجيئه بكل شوق وأعد الساعات كي يصل موعد خروجه من العمل لأراه من جديد، وبمجرد أن يدخل إلى البيت يبتسم في وجهي ويهرع لتقبيلي، أما أنا فعنادي أقوى من كل شيء. وجهي دائما عابس ودائما أسعى لإظهار كرهي الشديد له، ولكنني في قرارة نفسي أحبه لأنه إنسان طيب ورومانسي، يأخذني في حضنه، يلامس خصلات شعري، ويسمعني أحلى وأرق معاني الحب والعشق والهيام ... أما أنا فلا أتحرك كما لو كان يداعب دمية من البلاستيك، وعندما يكلمني لا أرد عليه، ثم يحاول إضحاكي ببعض الحركات أو يدغدغني ولا يتركني حتى أنفجر من الضحك» .. ذات ليلة كان على نوال أن تصارح زوجها بسبب تصرفاتها معه، أخبرته أنه السبب لأنه تزوجها وضيع دراستها وأتى بها إلى بيت الزوجية لسجنها بين أربعة جدران، ولملئ هذا الفراغ الذي يحيط بحياتها أحضر أخته الكبرى للإقامة معهما من أجل مؤانستها والترويح عنها، وكانت الأخت هي من يقوم بأشغال البيت، ومع مرور الأيام انتبهت الأخت لتصرفات نوال ولإهمالها المبالغ فيه لزوجها وبيتها. فاختارت أن تضع حدا لهذا الزواج الموقوف التنفيذ بتحريض أخيها على الطلاق، وهو الموقف الذي استرقت نوال إليه السمع «في إحدى الليالي بينما كنت نائمة استيقظت صدفة وذهبت إلى الحمام وجدت زوجي وأخته في الصالون وهما يتحدثان عني وسمعتها تحثه على تطليقي، لأنني لست الزوجة المثالية التي يستحقها، ولكن زوجي لم يأبه بكلامها ومازلت أتذكر ذلك الكلام الذي وجهه إليها : لن أطلق زوجتي، لأنني أحبها كما هي ولا أستطيع العيش بدونها وقريبا ستنجب لي طفلا ومن يدري ربما تتغير و"تتعقل" عندما تصبح أما». هذا الطفل الذي راهن عليه الزوج لتغيير تصرفات زوجته لم يكتب له المجيء إلى هذه الدنيا، فقد فقدته نوال وهو جنين في بطنها، وكان مصيره الإجهاض إثر الزلزال الذي ضرب مدينة الحسيمة في ليلة 24 فبراير من العام الماضي. كانت ليلة رهيبة ومؤلمة، فبينما كانت نوال نائمة فوجئت بسماعها دوي الهزة الأرضية فأصيبت بالهلع وانتابها رعب شديد، فأحست بالجنين ينتفض في بطنها بقوة، ثم أغمي عليها ونقلت إلى المستشفى وهي في غيبوبة و حالتها جد خطيرة نجت منها بأعجوبة .. ذات صباح وبينما نوال ترقد في فراشها بالمستشفى، فتحت عينيها ووجدت زوجها بجانبها يبكي بكاء مريرا وهي ترمقه بنظراتها فقط، «لما كف عن بكائه ومسح دموعه، أطلقت أنا العنان لدموعي. لقد بكيت وبكيت كثيرا وذرفت من الدمع ما لم أذرفه طوال عمري. كان زوجي يواسيني ويضمني إلى صدره ويقول لي : «سوف يعوض لنا الله»، لكنني لم أكن أبكي على فقدان الطفل، فأنا أؤمن بالقدر خيره وشره، وإنما كنت أبكي على نفسي وعلى الأيام التي قضيتها في تعذيب زوجي الطيب والمسكين و"الملاك"، وفي كل مرة أحاول أن أتكلم وأنطق بصعوبة وأقول له سامحني، يطلب مني السكوت لأن الكلام قد يؤثر على صحتي. لقد استيقظ ضميري ولأول مرة أحسست بالذنب وأدركت كم كنت مخطئة في حق زوجي وعرفت أن ما يجمعني به رباط مقدس يجب أن أحافظ عليه ووعدت نفسي بأن أتغير وأهتم بزوجي وبيتي».
إنها زوجة في ربيعها العشرين وتنحدر من أسرة ريفية ميسورة الحال، منذ أن تزوجت لم يدخر زوجها جهدا ليجعلها تتربع على عرش مملكة قلبه وحياته .. لكنها لم تغفر له، أن أباها زوجها إياه رغما عنها .. تقول إنها عذبته وتفننت في إذلاله .. في حين لم يزده ذلك إلا خدمة لها وتعلقا بها .. وفوق فراش المرض أعادت قراءة أوراقها لتقول له اليوم «سامحني زوجي لقد أخطأت في حقك» .. هذا نموذج لحالة نضج إنساني، تبين أنه من النبل أن يشعر المرء بالذنب في لحظة استيقاظ لضمير، فيرفع صوته عاليا بالإعتذار ويحشد كل تفكيره للبحث عن سبل التكفير عما صدر منه .. قبل سنة من اليوم تقريبا، كانت نوال تعيش حياتها كتلميذة ماتزال مساحات اللعب والإنفلات من قيود الضبط الأسري تحتل مساحة واسعة في نمط حياتها، وفي نفس الوقت، لم تكن ترى في أنوثتها ذاك الرأسمال الوحيد الذي يمكنها أن تستعمله سهما مربحا في بورصة الحياة، فقد صممت على الحصول على شهادة جامعية عليا، ورأت أن الثراء المادي لأسرتها سيوفر لها كل الشروط المناسبة للتفرغ للتعليم دون أن تكون بحاجة إلى التسرع في الإحتماء بحضن زوج يقيها شرور وطأة مستلزمات العيش التي جعلت بعضا من قريناتها تحولن أجسادهن إلى سلع قابلة للتداول في سوق بيع اللذة خلسة وكلما بدت هناك حاجة لبعض المال .. وبينما ترسم نوال خطاطات مستقبلها كما تشتهيه ، كانت هناك أمور أخرى تدور في ذهن والدها، فذاك الرجل الناجح في تجارته والذي غزا الشيب رأسه معطيا إياه لمسة من الهيبة والوقار، لايريد أن يكون في حياته ما يخدش هذا الكبرياء ويزعج تفرغه المهني، ففي منطقة الريف كما في مناطق أخرى من المغرب التقليدي، يصبح جسد الأنثى مشكلة حقيقية بمجرد ماتبرز الأثداء في صدره، ويصبح الشغل الأهم للأهل هو البحث للبنت عن رجل يفك بزواجه منها خيوط قنبلتها الأنثوية قبل أن تنفجر وتتطاير شظاياها لتشعل النار في الشرف والعرض .. في هذه الظروف تقدم لخطبة نوال شاب يكبرها بسبع سنوات، لكن وسامته وثقافته وحتى ثراءه لم يكن ليجعلها تقبل عرض الزواج هذا، تقول نوال وهي تستعيد شريط تلك اللحظة «رغم أنه بدا لي مثقفا ووسيما ومن عائلة ثرية ومعروفة جدا في مدينتنا، رفضت الارتباط به لأن همي الوحيد كان هو مواصلة دراستي، كما لم يسبق لي أن خطرت ببالي فكرة الارتباط بأي شاب، وعلاقتي بالذكور لم تكن تتعدى حدود الصداقة. ولكن أبي أعجب بذلك الشاب وأرغمني على القبول » .. خضعت نوال لإكراه الزواج هذا حتى دون أن تفهم سر هذا التلهف على تزويجها من جانب والدها، وبدت طيلة الأيام التي تلت موافقة والدها على تزويجها أسيرة أسئلة لا تعرف كيف تفك طلاسيمها، وحين اشتد بها طوق الحيرة لم تجد بدا من أن تفجرها في وجه والد لم تكن إجابته لتخرج في عمقها عن نمط العقلية التي ترى في المرأة عورة ينبغي التخلص منها، هذا رغم محاولته تغليفها بجانب من الإكراهات الأسرية، لم أدر حينها لماذا هذا القرار الجائر ؟ فأنا ابنته الوحيدة التي يحبها ويدللها كثيرا، ولماذا يريد التخلص مني بهذه الطريقة ؟ لا أستطيع التفكير في أن الطمع أعمى عينيه .. لا أبدا !! فأبي حالته المادية ميسورة جدا ولديه العديد من الممتلكات، كما أنه يعيش بإحدى الدول الأوربية، وعندما استفسرته عن السبب الذي جعله يفكر في تزويجي رغما عني، أجابني بأن الزواج سترة لكل فتاة، وبأنه يريد أن يطمئن على مستقبلي ويضعني في أيد أمينة ليتمكن من أخذ أمي وإخواني الصغار للعيش معه بهولندا، وأنا ؟؟ ألا يفكر بي ؟؟ ما الذي سيحصل لي ؟! ودراستي؟؟! ولكن أبي تشبث بقراره، ولم ينفع معه بكائي ولا توسلات أمي ...» هذا البكاء والتوسلات والإحساس بأن والدها لم يعرها اهتماما هو ما سيولد في نفسية نوال عقدة قررت مع نفسها أن تجعل هذا الزوج الذي أرغمها على الإرتباط به يدفع ثمن ذلك .. فبعد أسابيع قليلة من يوم الخطبة تم عقد القران وبعد حفلة الزفاف انتقلت نوال للعيش مع عائلة زوجها. وهي لا تنفي أن صدمة الإكتشاف الأول لمحيطها الأسري الجديد لم تكن صعبة عليها لأنها صادفت «عائلة رائعة .. الكل يحترمني ويعاملني بلباقة. الكل يحسب لي ألف حساب، كما لو كنت أميرة، ولكن لم أبق معهم طويلا، وسرعان ما انتقلت للعيش بمنزل يملكه زوجي قرب مقر عمله، وهنا قررت أن أنتقم من هذا الزوج الذي ضيع دراستي وحرمني من الاستمتاع بأبهى سنوات عمري ... وأقسمت أن أجعله يندم أشد الندم على اليوم الذي تقدم فيه لخطبتي». في هذا البيت الجديد كان على الزوج أن يستعد ليعيش بين جدران شقة قررت أميرته الصغيرة والجميلة أن تجعل منها جحيمه اليومي ، وأن يهيئ نفسيته لتلقي طعنات كل أسلحة الأنوثة الممكنة، تحكي نوال عن حربها هذه قائلة «حين يكون موجودا بالبيت لا أعيره أدنى اهتمام، أستغرق في النوم أو أدحل الحمام مع أنني لا أكون بحاجة للاستحمام، وعندما يخرج للعمل، أبدأ سلسلة جديدة من المغامرات. لا أستيقظ من النوم إلا بعد العاشرة صباحا،.. أمارس بعض التمارين الرياضية.. أستمع للموسيقى .. أرقص .. أجلس أمام المرآة لساعات .. أغير لون الماكياج.. ألبس أفخر أنواع الملابس.. أهاتف صديقاتي.. أتابع المسلسلات وأحدث الكليبات العربية والغربية ... وعندما يعود زوجي من العمل وقت الغذاء، لا يجد شيئا ليأكله. أحيانا يضطر للطبخ بنفسه، وأحيانا أخرى يجلب المأكولات معه من السوق، لأنني منعته من إحضار خادمة تقوم بكل شيء، والأكثر من ذلك أني أحرمه من أبسط حقوقه الشرعية، وعندما تكون له رغبة جامحة في معاشرتي يتوسل إلي ويطلب مني أن أمارس معه الجنس، لكنني لا أستجيب لطلبه، لأنني أكره تلك الممارسة وأثناءها أشعر بألم فظيع داخل جهازي التناسلي، وأذكر أنني مارست معه الجنس أربع مرات فقط بعد ليلة الدخلة توجت بحمل لم أكن أتوقعه ...» .. ومع ذلك، لم تشعر نوال بأنها تحقق ما سعت إليه، فهذا الزوج لم ينفعل أمام هذه الحرب المعلنة عليه، بل ظل يزيد من إعلان حبه وتدليل أميرته، يغدق عليها الأموال والهدايا ، وفي عيد ميلادها أهدى لها سيارة فخمة، حتى اسمها لا يناديها به، بل يفضل أن يطلبها بقوله «يا صغيرتي» «يا حلوتي» «يا روحي» «يا حياتي»، وهنا بدأت رأس نوال العنيدة تلين شيئا فشيئا وتجعلها تختار الوصف المناسب للشكل الذي تعاملت به مع شريك حياتها غير المتوقع .. تقول نوال وهي تسترجع لحظة بداية التغيير في سلوكها دون أن تنفي الإزدواجية النفسية التي سقطت فيها حينها «كل هذه الأفعال والتصرفات الصبيانية وزوجي لا يبالي، على العكس فحبه لي يزداد يوما بعد يوم، وأنا كذلك أحبه ولا أحتمل بعده عني وأترقب مجيئه بكل شوق وأعد الساعات كي يصل موعد خروجه من العمل لأراه من جديد، وبمجرد أن يدخل إلى البيت يبتسم في وجهي ويهرع لتقبيلي، أما أنا فعنادي أقوى من كل شيء. وجهي دائما عابس ودائما أسعى لإظهار كرهي الشديد له، ولكنني في قرارة نفسي أحبه لأنه إنسان طيب ورومانسي، يأخذني في حضنه، يلامس خصلات شعري، ويسمعني أحلى وأرق معاني الحب والعشق والهيام ... أما أنا فلا أتحرك كما لو كان يداعب دمية من البلاستيك، وعندما يكلمني لا أرد عليه، ثم يحاول إضحاكي ببعض الحركات أو يدغدغني ولا يتركني حتى أنفجر من الضحك» .. ذات ليلة كان على نوال أن تصارح زوجها بسبب تصرفاتها معه، أخبرته أنه السبب لأنه تزوجها وضيع دراستها وأتى بها إلى بيت الزوجية لسجنها بين أربعة جدران، ولملئ هذا الفراغ الذي يحيط بحياتها أحضر أخته الكبرى للإقامة معهما من أجل مؤانستها والترويح عنها، وكانت الأخت هي من يقوم بأشغال البيت، ومع مرور الأيام انتبهت الأخت لتصرفات نوال ولإهمالها المبالغ فيه لزوجها وبيتها. فاختارت أن تضع حدا لهذا الزواج الموقوف التنفيذ بتحريض أخيها على الطلاق، وهو الموقف الذي استرقت نوال إليه السمع «في إحدى الليالي بينما كنت نائمة استيقظت صدفة وذهبت إلى الحمام وجدت زوجي وأخته في الصالون وهما يتحدثان عني وسمعتها تحثه على تطليقي، لأنني لست الزوجة المثالية التي يستحقها، ولكن زوجي لم يأبه بكلامها ومازلت أتذكر ذلك الكلام الذي وجهه إليها : لن أطلق زوجتي، لأنني أحبها كما هي ولا أستطيع العيش بدونها وقريبا ستنجب لي طفلا ومن يدري ربما تتغير و"تتعقل" عندما تصبح أما». هذا الطفل الذي راهن عليه الزوج لتغيير تصرفات زوجته لم يكتب له المجيء إلى هذه الدنيا، فقد فقدته نوال وهو جنين في بطنها، وكان مصيره الإجهاض إثر الزلزال الذي ضرب مدينة الحسيمة في ليلة 24 فبراير من العام الماضي. كانت ليلة رهيبة ومؤلمة، فبينما كانت نوال نائمة فوجئت بسماعها دوي الهزة الأرضية فأصيبت بالهلع وانتابها رعب شديد، فأحست بالجنين ينتفض في بطنها بقوة، ثم أغمي عليها ونقلت إلى المستشفى وهي في غيبوبة و حالتها جد خطيرة نجت منها بأعجوبة .. ذات صباح وبينما نوال ترقد في فراشها بالمستشفى، فتحت عينيها ووجدت زوجها بجانبها يبكي بكاء مريرا وهي ترمقه بنظراتها فقط، «لما كف عن بكائه ومسح دموعه، أطلقت أنا العنان لدموعي. لقد بكيت وبكيت كثيرا وذرفت من الدمع ما لم أذرفه طوال عمري. كان زوجي يواسيني ويضمني إلى صدره ويقول لي : «سوف يعوض لنا الله»، لكنني لم أكن أبكي على فقدان الطفل، فأنا أؤمن بالقدر خيره وشره، وإنما كنت أبكي على نفسي وعلى الأيام التي قضيتها في تعذيب زوجي الطيب والمسكين و"الملاك"، وفي كل مرة أحاول أن أتكلم وأنطق بصعوبة وأقول له سامحني، يطلب مني السكوت لأن الكلام قد يؤثر على صحتي. لقد استيقظ ضميري ولأول مرة أحسست بالذنب وأدركت كم كنت مخطئة في حق زوجي وعرفت أن ما يجمعني به رباط مقدس يجب أن أحافظ عليه ووعدت نفسي بأن أتغير وأهتم بزوجي وبيتي».
