الصحافة اللبنانية والنظام السوري في مرحلة ما بعد الانسحاب

جهاد الزين: ربما (ربما) ما أكتبه اليوم من تأملات، كان ينبغي ان يكون جزءاً من نقاشات داخل مجلس التحرير... في "النهار"، او حتى داخل مجلس نقابة الصحافة اللبنانية. لا أعني بذلك ان أضع موضع شك ما اذا كان ينبغي الكلام العلني... على العكس، الهدف هو التأكيد على أهمية فتح النقاش على مستويات متعددة واسعة وضيقة حول كيفية "تعامل" الصحافة اللبنانية مع النظام السوري في مرحلة عودته الى داخل حدود سوريا، أو "انكفائه" داخل سوريا... بعد إكمال انسحابه العسكري من لبنان.

هنا عليّ ان اعترف ان الذي دفعني الى التفكير "السريع" بهذا الموضوع بعض المقالات لكتّاب سوريين قرأتها بعد بدء الانسحاب العسكري في بعض الصحافة اللبنانية حول النظام السوري كنظام سوري، أي حول وضعه في سوريا، ومنها مقال نَشَرْتُه (بتسكين الراء ووضع الضمة على التاء) شخصياً كان حاد اللغة رغم "تخفيفنا" تحريرياً من احدى كلماته وهو ما جعلني أسأل نفسي أولاً: هل هذه هي "اللغة" التي يجب استخدامها بعد اليوم في تناول قضايا النظام السوري ومستقبله؟

كان الكلام الصريح عن النظام السوري خصوصاً اذا كان كاتبه مقيماً في دمشق كان هذا الكلام يعكس في السنوات القليلة المنصرمة التي بادرت خلالها "النهار" الى نشر مقالات لكتّاب سوريين معارضين (وموالين) تعبيراً عن شجاعة أكيدة لا شك فيها تحمل فيها هؤلاء الكتاب مسؤوليات معنوية وسياسية وأمنية، عالية المخاطر. ومع ان معظم المقالات التي نشرت عبرت عن مستوى متقدم لمدى حنكة ودقة وخبرة النخبة السورية، وكلها كفاءات مكبوتة، فإن أولوية معيار الشجاعة، الأولوية الحاسمة في السنوات الماضية، منعت التمييز دائماً بين الغث والسمين في محتوى الكتابة... وهو أمر طبيعي في أي كتابة. أعني تفاوت المستوى. لكن بدون شك كان الانطباع الغالب هو كفاءة الكتاب السوريين، الى حد انني مرةً قلت لعميد الصحافة اللبنانية غسان تويني مازحاً: "من حسن الحظ انه ليست هناك ديموقراطية في سوريا. وإلا كنا نحن الصحافيين اللبنانيين، أعني العديد منا، قد "ذهبوا الى بيوتهم" او فقدوا أجزاء من رواتبهم الحالية، لأن الديموقراطية في سوريا كانت ستتيح لهذه الكفاءات السورية ان تحترف المهنة الصحافية ويعمل بعضها في الصحف اللبنانية برواتب أقل، وكفاءة أعلى، ولربما استغنيتم عنا. اذن لا مصلحة لنا بالديموقراطية في سوريا من هذه الزاوية يا استاذ غسان" !

لم نكن لننتبه كثيراً، أو على الأقل لنركّز على عدد من العبارات "الخفيفة" التي ترد في قلّة من المقالات، بينها مقالات كتاب لبنانيين أيضاً وليس سوريين فقط. أما اليوم وبعد ان بدأت حقبة جديدة تماماً في وضع النظام السوري، ربما كان المطلوب منا ومن الكتاب السوريين تركيزاً، بل مجهوداً أعلى على المحتوى... والرصانة. فالحقبة الجديدة، بكل المعايير، اذا كانت تفتح على آفاق مدهشة للديموقراطية في العالم العربي، وفي مقدمها سوريا الآن، فإنه من البديهي القول انها تفتح بالقدر نفسه، وبالتداخل نفسه على المخاطر الكبيرة... التي وعتها النخبة السورية اكثر من أي وقت آخر بعد الزلزال العراقي، ويعيها معظم النخبة اللبنانية السياسية والثقافية والاقتصادية بعد انجاز انهاء الوجود العسكري للنظام السوري في لبنان، الانجاز الذي أتاحته لنا فرصة قرار دولي استثنائي. الوعي في دمشق والآن في بيروت هو لأهمية النموذج السلمي للتغيير الديموقراطي... عكس النموذج غير السلمي مع الأسف، ولكن بدون أدنى شك للتغيير الديموقراطي فعلاً في العراق.

لهذا فإن تقدم "المحتوى" الآن وأفكاره الخلاقة، هو التحدي الكبير للكتابة السياسية، فكما ان اللبنانيين عليهم ان يثبتوا اليوم قدرتهم على ادارة حديثة وعاقلة وسلمية (اذن موحدة) لحياتهم السياسية الديموقراطية، فإن الكتابة السياسية السورية من أي موقع كان، وبعدما اصبح النظام السياسي السوري "وحيداً" يواجه تحديات مصيره، ومدى مقدرته على التكيف الديموقراطي، بعد الانسحاب من لبنان، تزداد مسؤولياتها (أي الكتابة) الفكرية والوطنية كلما انفتحت آفاق التغيير الديموقراطي... وقد انفتحت الى غير رجعة.


... في هذا "الفضاء" الجديد العالمي والعربي واللبناني، ربما كانت مسؤولية الصحافة اللبنانية في المقدمة في نوع تناولها سواء للعلاقات اللبنانية السورية وبصورة خاصة وهذا موضوعنا اليوم لمستقبل النظام السوري.

ولنضع الأمور هنا في السياق التاريخي للعلاقات بين هذين الكيانين (اللبناني والسوري) اللذين وُلدا يحملان اشكالات حساسيَتَي "شخصية" كل منهما السياسية (حتى عندما اشتكى بطريرك الموارنة للجنرال هنري غورو بين 1921 أو 1922 ان حاكم دمشق الفرنسي لا يأخذ بعين الاعتبار الكافي المصالح اللبنانية حسب مذكراته التي نشرها ابن شقيقه فيليب غورو). هذا حديث يطول. لكن ما أريد ان أقف عنده هو نقطة أساسية في تاريخ هذه العلاقات بين الدولتين.

لقد دخل الرئيس حافظ الاسد الى لبنان عام 1976 بشعار ضمني كان يرضي جزءاً مهما من "المؤسسة الحاكمة" السورية، خصوصاً العسكرية. هذا الشعار غير المعلن يقول: إما لبنان قوي أو سوريا قوية. فلقد أثبت تاريخ العلاقات بين 1920 و1976 كما هو لسان الحال الذي نسبه الى الحكم السوري ان لبنان القوي كان دائماً بيئة تشجيع "الانقلابات" في سوريا خصوصاً بعد 1948، والطريقة الوحيدة لوضع حد لذلك هو السيطرة عليه.

فَعَلها الرئيس حافظ الاسد حتى... العام 2005 أي حتى ما بعد وفاته. وترافق هذا التواجد مع استقرار نظام الحكم في سوريا.

الكثير في الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، (التي غيّر الكثير فيها حافظ الاسد) كانت تعتبر ان مصدر الاضطراب في العلاقات هو ان الحكم السوري على اختلاف الأنظمة كان ينظر الى لبنان كجزء مُقتَطَع من سوريا الى ان سيطر عليه النظام الحالي.

التحدي التاريخي فعلاً في مرحلة ما بعد الانسحاب العسكري السوري الأخير هو ان يظهر اللبنانيون والسوريون ان هناك معادلة ثالثة غير إما "لبنان قوي وسوريا ضعيفة" (1948 1976) وإما "سوريا قوية ولبنان ضعيف" (1976 2005)؟

معادلة ثالثة لا غنى عن ان نواجه تحدي اثبات امكانيتها في القرن الحادي والعشرين:

"لبنان قوي وسوريا قوية".

طبعاً مفهوم الضعف والقوة، لكي يمكن انتاج المعادلة الثالثة، يجب ان لا يُترك تحديده للنظام الحاكم وحده في سوريا ولا طبعاً للطبقة السياسية الحاكمة وحدها في لبنان.

ففي عصر الانبعاث الديموقراطي العربي (المهدد فقط بالاحتلال الاسرائيلي لفلسطين المانع لحل عادل في القدس والضفة والقطاع) فكرة الضعف والقوة، ليست ضعف أو قوة السلطة وحدها، بل بالمعنى الاعمق ضعف أو قوة الدولة في الديموقراطية والتنمية وبالتالي التحديث.

والمشاركة في صناعة المعادلة الثالثة... لا غنى عن ان تبدأها النخبة الفكرية السورية كما اللبنانية... عبر الصحافة اللبنانية حتى اشعار آخر. وقد بدأتها أصلاً... لكن تحديات المرحلة الجديدة أكبر بكثير من السابق، رصانة وشجاعة وخلقاً وحداثة.

هذا همٌ سياسي... ومهني !