نصر المجالي من لندن: دخلت حملة الإعلام السورية المضادة يومها الثاني عشر على التوالي حاشدة كل أسلحتها المسموعة والمرئية والمقروءة وأقلام الكتاب وألسنة المحللين من داخل سورية أو تمددا نحو كتاب وصحافيين وسياسيين من دول عربية، هم في غالبيتهم ممن احتلوا شاشات بعض الفضائيات العربية قبل وخلال وبعد إسقاط حكم صدام حسين في بغداد.
والمتابع لحال الإعلام السوري منذ اغتيال الرئيس الشيخ رفيق الحريري يلاحظ أنه يعيش وضعًا يتراوح بين "النرفزة" والتهديد والدفاع والهجوم وإطلاق الرصاص الكلامي في كل اتجاه، إضافة إلى حشد كمٍّ هائل من الكتاب الذين أطلقت لهم السلطات الرسمية والأمنية الأنان للتعبير عن موقف الحكم من تداعيات المرحلة الخطيرة التي تطايرت شظاياها لتدق بوابات دمشق، والملاحظ أن مسؤولين رسميين يشاركون في حملة الدفاع المضادة، إضافة إلى حملة استنطاق لمحللين ليسوا سوريين وحسب بل غيرهم من الأنصار من عرب وأجانب، كما استعانت ماكينة الإعلام السورية بعدد لا يستهان به من الذين تعود المشاهد العربي ظهورهم منذ الحرب في العراق على فضائيات للدفاع عن موقفها.
وفي حملته الإعلامية غير المسبوقة، فإن الإعلام السوري ومناصريه، تناولوا مجموعة من المحاور الرئيسية التي ترتبط بالحادث الإرهابي الذي أودى بحياة الحريري، مع تأكيد كل تلك الأقلام والتحليلات والافتتاحيات والتصريحات والتعليقات على عمق العلاقة الاستراتيجية بين سورية ولبنان، ولم يتوان كثيرون من سرد خلفيات تاريخية للصراع في المنطقة منذ سايكس بيكو 1916 ، وصولا إلى الاستقلالات الوطنية في بلاد الشام والشرق الأوسط مرورا بالعلاقات الأميركية السورية في سنوات الخمسينيات من القرن الماضي، وصولا إلى الانفجار اللبناني في السبعينيات حتى اتفاق الطائف الذي أعاد لبنان إلى حاله الطبيعي وقضى على التناقضات القائمة والشروع في عملية استعادة الأنفاس التي كان للراحل الحريري دورا تاريخيا فيها حتى كان اغتياله إيذانا بمرحلة جديدة تكشف ما قبلها من مراحل وتضع الجميع عند حدود مسؤولياتهم، حيث لبنان ظل تاريخيا "باروميتر حراك الشرق الأوسط وليس فلسطين أو العراق كما يعتقد كثيرون".
وفي إطار حملته الهجومية الدفاعية المضادة، فإن الإعلام السوري رفع شعار "من لم يكن معي فهو ضدي"، حتى إن أي خبر ينقله مراسل لصحيفة ما سواء من واشنطن أو لندن أو باريس أو أية عاصمة أخرى أو أية رسالة صوتية أو مقابلة صارت تثير ردة فعل لدى هذا الإعلام الذي يلاحظ ارتفاع درجة الحساسية عنده إلى مستوى "النرفزة" ومهاجمة حتى وسائل الإعلام النظيرة في محاولة للجمها عن بُعد، ونصّب معلقو صحف سورية من أنفسهم رقباء على الآخرين.
ولعل ما لفت الانتباه في اليومين الأخيرين، هو الهجوم الذي تشنه وسائل إعلام دمشق على فضائية (العربية) على سبيل المثال بعد مقابلتها للأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، وهي التي تطرق فيها إلى الموقف السوري من مسألة تنفيذ سورية لقرار مجلس الأمن الرقم 1559 الذي يدعوها فيه إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية.
وفضلا عن المقابلات التي أجرتها الفضائية السورية مع عدد من الدبلوماسيين والمحللين للرد على مقابلة (العربية) التي كانت مهمتها نقل كلام المسؤول الأممي، فإن مندوب سورية لدى الأمم المتحدة فيصل مقداد هو الآخر نصّب من نفسه لسانا باسم المنظمة الدولية لينفي أن أنان صرح لتلك الفضائية التي تبث من دبي، وهو اتهم (العربية) بأنها تقوّلت على لسان أنان.
ومن جهته، كتب المحرر السياسي لصحيفة (تشرين) الحكومية السورية مقالا اليوم، هاجم فيه قناة (العربية) وجاء في متن المقال الذي يعتقد أن كاتبه هو رئيس تحرير الصحيفة السورية الآتي "بينما كانت محطة «العربية» الفضائية تعيد بث أقوال منسوبة للأمين العام للأمم المتحدة السيد كوفي أنان حول الانسحاب السوري من لبنان، كان المتحدث باسم أنان، فريد ايكهارد يكذّب هذه الاقوال، ويوضح الحقيقة، ويؤكد أن الأمين العام لم يحدد شهر نيسان القادم آخر موعد لانسحاب القوات السورية من لبنان، ولم يتحدث عن معاقبة سورية اذا لم تلتزم بهذا الموعد".
وتابع القول "وعلى الرغم من هذا النفي او التكذيب ظلت «العربية» تكرر بث أقوال لم يقلها الأمين العام للامم المتحدة في المقابلة التي اجرتها معه، وهذا يشير الى كثير من الدلالات ليس على صعيد المصداقية فحسب، وانما على صعيد الدوافع الكامنة وراء مثل هذه الترهات أو الأضاليل الإعلامية التي تدأب بعض الفضائيات على ترويجها باستمرار. ولو لم يكن الامر كذلك لبادرت الى الاشارة الى نفي المتحدث باسم أنان او على الاقل التوقف عن بث الحديث المزور. وهذا ابسط مبادئ أخلاقيات العمل، هذه الواقعة، وغيرها الكثير، تطرح عشرات التساؤلات حول مهمة هذه المحطة الفضائية والجهات التي تديرها وتمولها، علماً ان الاشهر القليلة الماضية كشفت الكثير من ذلك".
وأضاف المحرر السياسي لتشرين :" و«العربية» تعرف ان الأمين العام للأمم المتحدة لا يقرر ولا يهدد خارج اطار قرارات الأمم المتحدة وأنه يعرف الواجبات الملقاة على عاتقه ولا يخرج عنها، وللحقيقة نقول: لم يسبق لأنان ان خرج عن اطار مهامه الاممية، كما حاولت ان تصوره «العربية» كشرطي يلاحق مسؤولين سوريين ولبنانيين على أرضية اتهامات باطلة مدسوسة مغرضة عملت هذه المحطة ذاتها على ترويجها".
ودافع الكاتب السوري عن المشاهدين العرب بقوله "وقد تناسى القائمون على هذه المحطة ان المواطن العربي ليس بهذه السذاجة ليصدق ما تقول وتناسوا ايضاً ان التزوير والتّلاعب بالكلمات والألفاظ لا يمرّ مع شخصية سياسية عالمية مرموقة كالامين العام للامم المتحدة الذي سارع عبر المتحدث باسمه الى دحض ماقيل على لسانه.. تناسوا ان العقل العربي متمرس على كشف الحقائق ويدرك بحكم التجربة والتطورات التي مرت على المنطقة الخفايا الكامنة وراء دعايات إعلانية كهذه وليست اعلامية موضوعية بعد أن قيل الكثير عن المحطات المسخّرة لغسل العقول العربية والاموال التي رصدت لها، والجهات التي تشرف عليها، ألم يخطر ببال القائمين على «العربية» أن المواطن العربي العادي البسيط لابد ان يسأل: لمصلحة من هذا التزوير الاعلامي؟!".
واضح أن حملة الإعلام السورية لن تنتهي وهي تتزايد فصولا، كل ما صدر تصريح أو تلميح يختص دور سورية من قريب أو بعيد في اغتيال الحريري، أو تزايد الضغوط على دمشق لتقول موقفها بصراحة لترد الاتهامات عن نفسها وأن تتعاطى مع لجنة التحقيق الدولية بصدق وشفافية.
والملاحظ أن كل المقالات والتعليقات الصادرة تركز على أبعاد تاريخيّة العلاقة السورية اللبنانية وقوميتها، مع تكرار الموقف السوري الذي دان جريمة اغتيال الحريري، وفداحة الخسارة التي لحقت بدمشق بذهاب الرجل الراحل، ولم تبخل صحف دمشق بشن هجمة شرسة ضد المعارضة اللبنانية التي كانت أول الذين أشاروا بأصابع الاتهام لسورية والسلطات الأمنية اللبنانية في حادث الاغتيال. فكتبت صحيفة (الثورة) الآتي "ولا يخفى على أحد العلاقة المميزة التي كانت تربط الحرير مع دمشق، والدور الكبير الذي لعبه في اتفاق الطائف، ورفع آثار الحرب الأهلية، والاسهام في دعم المقاومة الوطنية والنهضة العمرانية التي شهدها لبنان خلال السنوات الماضية".
وأضافت "إلا أنه وبعيداً عن أي منطق متوازن أراد البعض في الداخل والخارج ممن يدعون الحرص على استقلال لبنان استغلال الجريمة لتحقيق أغراض سياسية وانتخابية ضيقة، وبعد مضي ساعات قليلة على ارتكاب الجريمة راحوا يطلقون الاتهامات التي لا يقبلها عاقل أو متابع، ما أسهم في تأجيج المشاعر وتوتير الأوضاع والإساءة إلى العلاقة الأخوية اللبنانية السورية".
وقالت "وفضلا عن الإساءة إلى هذه العلاقة التي عجزت إسرائيل والقوى الدولية التي تقف وراءها عن فكها رغم المحاولات المتكررة والمؤامرات المتواصلة منذ اتفاق 17 آيار وحتى يومنا الحاضر، فقد قدم مستغلو الجريمة خدمة مجانية لإسرائيل، وأتاحوا بمواقفهم المجال أمام القوى الأخرى التي تتربص بسورية ولبنان للتدخل في شؤون علاقتهما المميزة.
وإن سورية إذ تستغرب التصعيد الإعلامي والسياسي في هذا المجال تؤكد حرصها مجددا على وحدة لبنان واستقلاله،وإذا كانت قدمت في الماضي التضحيات من أجله، فهي لا تزال متمسكة بالعلاقة الأخوية معه، ولن تبخل عليه في المستقبل ، وهي إذ تؤكد ذلك فإنها تستند إلى حقائق التاريخ والجغرافيا التي تؤكد استحالة فك العلاقة المصيرية بين البلدين الشقيقين رغم كل الظروف الصعبة التي يواجهها البلدان".
وخلصت إلى القول "فالضغوط والتهديدات لن تستمر ولن تنجح، وأعداء لبنان وسورية في الماضي تم إخراجهم بالفعل النضالي والإرادة السياسية والوطنية المشتركة لهما، وكما عزلت التطورات السابقة مريدي الفتنة في الداخل، فإن جلاء الحقيقة في الأيام القادمة وسيرورة التاريخ ودروسه كفيلة بفرز أصحاب المصالح الضيقة ورواد الخطاب التضليلي والتحريضي الذي يفتقد كل أشكال المنطق إلا منطق التحامل والاستفزاز، الرئيس الحريري كان حتى قبيل لحظات من استشهاده حريصاً كل الحرص على العلاقة الاستراتيجية مع سورية، وعلى الوحدة الوطنية اللبنانية، ووجه دعوة صريحة إلى جميع القوى اللبنانية لعدم الانجرار وراء التصريحات الاستفزازية والالتزام باتفاق الطائف سقفاً سياسياً، وذلك بعد أن شعر بخطورة التجاذبات السياسية الحاصلة على استقرار لبنان، وتأسيساً على ذلك فإن الرئيس الحريري لم يكن يوماً على خلاف أو خصومة سياسية مع سورية بل العكس،وهنا يمكن القول لكل من يريد الشر لسورية ولبنان: إن سورية التي تؤمن بالحوار وسيلة لحل كل المشكلات العالقة والخلافات القائمة مع الأنظمة والدول، وفي إطار الأمم المتحدة وما نصت عليه قراراتها ومبادئها، لن تتنازل عن مبدأ الحوار، ولا يمكن دفعها لاتباع أساليب أخرى،وصاحب العقل الراجح والسياسة المتزنة التي يشهد العالم له بها لن يفقد اتزانه إزاء مواقف انفعالية خاطئة، لكنه يحزن لما يحصل ويأسف لاستغلال الجريمة البشعة بهذا الشكل البشع".
وإذ ذاك، فإن الدكتور فايز الصائغ رئيس تحرير صحيفة (الثورة) كتب مقالا افتتاحيا تحت عنوان (الوصية) قال فيه "كعادته.. تجمع الصحافيون حوله ساعة مغادرة المجلس النيابي، متجهاً إلى طريق الموت والانفجار، أعطاهم وأخذ منهم، وترك لهم ماتحوّل بعد الجريمة إلى وصيّة الراحل..
فكانت آخر الدعوات والكلمات والتواصي، قال: إن لبنان لايمكن أن يستمر من دون عيش مشترك ووفاق وطني داخلي ومع سورية الشقيقة، فسورية ساعدت لبنان، وكثيرون من اللبنانيين ساعدوا سورية، ووقفوا إلى جانبها، ونحن منهم، وعندما أدركه الوقت والحّ عليه المصير قال لمرافقيه: جهّزوا السيارات وانطلق..".
وأضاف الصائغ "خمس دقائق مرّت، وصوت الحريري لايزال يتردد في مسامع الصحافيين، إلى أن جاء الانفجار ليدفن الصوت والحقيقة والاتزان... هذا الاتزان الذي فقده الكثيرون، وبعضهم من أنصاره ومريديه، فالوصية التي تركها الحريري لم تكن ورقة صفراء مكتوبة بخط اليد، ومحفوظة في صندوق سرّي، وإنما إعلان لموقف التقطه الصحافيون، ونشروه، كي يضاف إلى رصيد الحريري من المواقف الوطنية والقومية وثقافة العيش المشترك، التي ولد فيها سياسياً، وقضى من أجلها جسدياً. فالجريمة أخطر من اغتيال قائد سياسي دائم الحضور والفعالية، إن في السلطة أو خارجها، وإنما هي محاولة دنيئة لاغتيال وطن تمرّد على اتفاق 17 آيار، وطردَ المحتل الاسرائيلي من الأرض، وحقق ذاته الوطنية بدوره العربي، ومكانته الدولية. وعندما يرتفع صوت كان يتلطىّ خلف الحريري بصمت مطبق، ينادي بما كان الحريري يحذر منه، فإن وراء الأكمة ما وراءها، ويبدو أن استغلال الجرح النازف في الجسد اللبناني بات مطلباً خارجياً. يقفز فوق ثوابت الحريري وثوابت اللبنانيين جميعاً، الذين أجمعوا على ثلاث - العلاقة المميزة بين سورية ولبنان، ومعاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق الموقعة منذ عام 1990 واتفاق الطائف الذي كان الحريري أحد أبرز صنّاعه ومطبقيه على الساحة اللبنانية والإقليمية معا".
ويقول الصائغ "لقد كشف اغتيال الرئيس الحريري وتداعيات مابعد الحدث حجم الضغوط الدولية الهائلة والمنسقة مع البعض في الداخل التي يتعرض لها لبنان وسورية، ويبدو أن القوى التي تقف وراء هذا وذاك كله لاتريد لأي بلدين عربيين أن يتفقا على أي أسس، وخاصة عندما يتصل الاتفاق او التضامن أو التنسيق بالصراع العربي - الإسرائيلي، أو توحيد المواقف إزاء الخطر الأكبر الذي يشكله الاحتلالان الإسرائيلي لفلسطين، والأميركي للعراق، ومن خلالهما مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي بشّرت به السيدة كوندوليزا رايس عندما كانت مستشارة للأمن القومي الأميركي، وستعمل على تنفيذ ملامحه، وترتيب بنيته التحتية بعد توليها وزارة الخارجية بغض النظر عن أهمية تحقيق السلام العادل في المنطقة، الذي يعيد تشكيل الشرق الاوسط على أسس العدالة والسلام. ليكن .. ستجلي الأيام غبار الجريمة النكراء المدانة، التي وصفها السيد الرئيس بشار الأسد في برقية التعزية بالعمل الإجرامي الرهيب، يؤكد خطورة الوضع، وضرورة تعزيز الوحدة الوطنية، وعزل ونبذ الساعين إلى الفتنة والشقاق. وستظهر حقائق جديدة، وستتدفق معلومات سيحجب المتضررون بعضها، ويبقى بعضها الآخر قيد الغيب، ذلك أن الكثير من دول العالم لاتشير إلى المتهم الرئيسي، إذا كان هذا المتهم يدور في الفلك الإسرائيلي".
ويختم قائلا "تجاذبات كثيرة، منها العفوي، ومنها المفتعل، ومنها الموّجه، حُمّلت للحدث قسراً، والغايات مكشوفة، والأهداف عارية. فمن يعمل على ترسيخ الوحدة الوطنية هو مع لبنان .. ومن يسعى إلى الشرذمة هو ضده، فهل من وسطية في هذا?!".
