ليست كل الجرائم متشابهة. فبعضها لا يستهدف الجسد وحده، بل يسعى إلى كسر المعنى نفسه: معنى الإنسان، والكرامة، والحق في الوجود الحر. وحين تُستهدف فتاة كوردية لا تحمل للعالم سوى حب الحياة، وشغف الحرية، وضفيرة تنساب على كتفيها كعلامة طبيعية على الجمال والانتماء والأمل، فإن الجريمة تتحول من فعل وحشي إلى رسالة سياسية وأخلاقية مفادها أن كل ما يرمز للكرامة يجب سحقه، وكل ما يشير إلى المستقبل يجب تدنيسه، وكل ما يذكّر بأن الإنسان وُجد ليكون حرًا يجب محوه.

لكن هذه الفتاة لم تولد في فراغ، ولم تكن استثناءً في مجتمعها. إنها ابنة “خنساء كوردستان” المتكررة في كل بيت كردي: امرأة بحجم وطن، لا في الخطاب الرمزي وحده، بل في الفعل اليومي الصامت الذي صنع بقاء هذا الشعب عبر قرن من الإقصاء والحروب والمنفى. المرأة الكردية لم تكن شاهدة على المأساة فقط، بل كانت حاملة لها ومقاومة لها في آن واحد؛ ربّت أبناءها على معنى الأرض قبل معنى الخوف، وحمت الهوية حين سقطت الدول في امتحان العدالة، وصاغت في البيوت ما عجزت السياسة عن صونه في المؤسسات. من ديرسم إلى حلبجة، ومن كوباني إلى سنجار، وقفت المرأة الكوردية دائمًا في الصفوف الأمامية للذاكرة والصمود، لا بوصفها استثناء بطوليًا، بل قاعدة أخلاقية لمجتمع بأكمله.

لم يكن الألم الكوردي حدثًا عارضًا في التاريخ، بل مسارًا بنيويًا ممتدًا منذ أن قُسّمت الجغرافيا الأمة الكوردية بعد الحرب العالمية الأولى دون إرادة أهلها، فتحوّل الكورد إلى أكبر أمة بلا دولة، وأقدم قضية بلا حل. معاهدة لوزان عام 1923 لم تلغِ وعد الدولة الكوردية فقط، بل دشّنت قرنًا من الإنكار الرسمي لهوية شعب كامل. وفي سوريا، لم يبدأ الإقصاء مع الحرب، بل سبقها بعقود: من إحصاء 1962 الذي جُرّد فيه عشرات الآلاف من الكورد من الجنسية، إلى مشاريع التعريب وتغيير البنية الديمغرافية، إلى تجريم اللغة والثقافة والانتماء. وحين اندلعت الثورة عام 2011، تغيّرت الوجوه والخطابات، لكن منطق الإلغاء لم يختفِ، بل أعاد إنتاج نفسه بأدوات جديدة وأقنعة مختلفة.

وفي العراق، بلغ العنف ذروته في حملة الأنفال ومجزرة حلبجة عام 1988، حين اختنق الأطفال في أحضان أمهاتهم تحت غاز الخردل، وسقط آلاف المدنيين في ساعات، فيما ظل العالم صامتًا، أو متواطئًا بالصمت. وفي تركيا، شهدت المناطق الكوردية في التسعينيات تهجيرًا واسعًا وحرق قرى وقمعًا سياسيًا وثقافيًا ممنهجًا. وفي إيران، تكررت دورات القمع ضد الكورد منذ الأربعينيات وحتى اليوم. في كل هذه السياقات، لم يكن الهدف القتل وحده، بل كسر العلاقة بين الإنسان وأرضه، وبين الهوية وحقها في الوجود، وبين الشعب وذاكرته الجماعية.

غير أن ما فشل فيه السلاح دائمًا هو إخضاع الروح. فالكورد، الذين حُرموا من دولتهم، لم يُحرموا من سرديتهم. ومن جمهورية مهاباد عام 1946، إلى انتفاضات كوردستان العراق عام 1991، إلى كوباني عام 2014 حين صمدت المدينة في وجه داعش بينما راهن العالم على سقوطها، ظل الكورد يراكمون معنى واحدًا ثابتًا: قد يُهزمون عسكريًا، لكنهم ينتصرون أخلاقيًا، لأنهم يراكمون الذاكرة، لا لأنهم يراكمون الخرائط.

في هذا السياق، تصبح ضفيرة الفتاة الكوردية أكثر من تفصيل جسدي؛ إنها امتداد بصري لكل هذا التاريخ من الصمود الصامت. وحين يعتدي عليها كائن منزوع الضمير، فإن الجريمة لا تكون موجهة إليها وحدها، بل إلى المرأة الكوردية بوصفها رمز الاستمرارية، وإلى الجسد الكوردي بوصفه حاملًا للهوية، وإلى المستقبل بوصفه احتمالًا يجب قتله قبل أن يولد. إنها ليست لحظة وحشية معزولة، بل لحظة كاشفة عن بنية كاملة من الكراهية تجاه شعب لم يُغفر له أنه لم يختفِ.

ومع ذلك، فإن التاريخ الكوردي لم يكن سردية مقاومة فقط، بل كان أيضًا سردية عقل سياسي يسعى إلى احتواء الصراع لا توسيعه، وإلى إنقاذ الإنسان لا استثمار المأساة. في هذا الإطار، يبرز دور الرئيس مسعود بارزاني بوصفه أحد أبرز الأصوات الكوردية التي راهنت، في أحلك المنعطفات، على الحكمة بدل الانتقام، وعلى السياسة بدل الفوضى، وعلى الحوار بدل الانزلاق إلى حروب مفتوحة لا رابح فيها. منذ انتفاضة 1991 وما تلاها من بناء تجربة إقليم كوردستان وسط حصار خانق وصراعات داخلية وإقليمية، وصولًا إلى دوره في تثبيت الاستقرار بعد هزيمة داعش، ظل بارزاني يدفع باتجاه مقاربة تقوم على حماية المدنيين، وتحصين النسيج الاجتماعي، ورفض تحويل المأساة الكوردية إلى وقود لصراعات عبثية.

وفي اللحظة الراهنة، حين تتصاعد الانتهاكات ضد الكورد في سوريا، تتجلى أهمية هذا النهج أكثر من أي وقت مضى: نهج يرى أن حماية الإنسان مقدّمة على تسجيل النقاط السياسية، وأن حقوق الشعوب لا تُنتزع عبر الفوضى، بل تُكرّس عبر الشرعية الدولية، والعمل السياسي المتزن، وبناء الشراكات لا كسرها. فاحتواء الأزمات لا يعني التنازل عن الحقوق، بل منع انزلاقها إلى حروب أهلية مفتوحة، يدفع ثمنها المدنيون أولًا، وتضيع فيها القضايا العادلة وسط الركام.

وهنا لا تعود قضية الكورد شأنًا كورديًا داخليًا، بل تتحول إلى اختبار أخلاقي للمجتمع الدولي بأسره. فاحترام حقوق الكورد في سوريا، في اللغة، والثقافة، والمواطنة، والمشاركة السياسية، والإدارة المحلية، ليس منّة سياسية ولا بندًا تفاوضيًا قابلًا للمساومة، بل استحقاق قانوني وأخلاقي، نصّت عليه المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وكرّسته تجارب الشعوب التي خرجت من النزاعات إلى التسويات العادلة. إن إنكار هذه الحقوق لا يصنع دولة موحدة، بل ينتج دولة هشّة، تقوم على القسر بدل الرضا، وعلى الخوف بدل المواطنة.

غير أن القضية، في جوهرها الأعمق، ليست كوردية فقط، بل إنسانية. فما يُرتكب اليوم بحق فتاة بسبب ضفيرتها، أو بحق شعب بسبب لغته وهويته، ليس انتهاكًا لحقوق أقلية فحسب، بل طعنة في قلب فكرة الإنسان ذاتها. فحين يُبرَّر العنف باسم السياسة أو الأمن أو الوحدة الوطنية، فإن أول ما يُقتل هو القيمة الأخلاقية التي تجعل المجتمع قابلًا للحياة. احترام الإنسان، أي إنسان، هو الأساس الوحيد الذي يمكن أن تُبنى عليه دولة قابلة للاستمرار، وسلام قابل للبقاء، ومستقبل لا يقوم على المقابر الجماعية المؤجلة.

لهذا، فإن أي محاولة للالتفاف على حقوق الكورد، أو تقديم حلول شكلية لا تمس جوهر الأزمة، أو التعامل مع مطالبهم بوصفها ملفًا أمنيًا لا قضية سياسية وأخلاقية، لن تؤدي إلا إلى تعميق المأساة، وإعادة إنتاج العنف، والدخول في دوائر لا رابح فيها. فالقضايا التي تُقمع لا تموت، بل تعود في أشكال أكثر قسوة، والحقوق التي تُنكر لا تختفي، بل تتحول إلى جروح مفتوحة في جسد الدولة نفسها.

أقف إجلالًا لتلك الفتاة، لا لأنها ضحية فقط، بل لأنها مرآة شعب كامل لم يتخلّ يومًا عن حقه في الحياة الكريمة. وأقف إجلالًا لضفيرتها التي تحولت من تفصيل شخصي إلى رمز سياسي وأخلاقي، تُذكّرنا بأن الحرية تبدأ غالبًا من أبسط الأشياء: من جسد يرفض الإذلال، ومن شعر ينسدل بلا خوف، ومن امرأة تربي أبناءها على أن الكرامة ليست شعارًا، بل نمط حياة. تلك الضفيرة التي أرادوا لها أن تكون نهاية، ستغدو في ذاكرة الكورد بداية سردية جديدة، تُكتب بحروف الألم، لكنها تُنحت بإرادة المستقبل، وعلى تراب كوردستان الذي لم يتعلّم يومًا أن ينحني.