إيلاف من لندن: يشهد عام 2026 حضورا بارزًا في خارطة المعارض الفنية العالمية، حيث يتجلى فيه التلاقي بين الخبرة العميقة للفنانين المخضرمين ورؤية جديدة للعروض الاستعادية التي تعيد قراءة مسيراتهم وإبداعهم بعدسة الحاضر. هذا العام لا يحتفي بالشهرة أو الرواج الإعلامي، بل يركز على عمق التجربة الفنية وتجذّرها في التاريخ والهوية الثقافية، من السير أنيش كابور إلى روز وايلي، مرورًا بجيمس ماكنيل ويسلر وفرانسيسكو دي زورباران.
المعارض المرتقبة لا تكتفي بعرض القطع كأشياء جامدة، بل تمنحها حضورًا حيًّا، فتعيد صياغة العلاقة بين العمل الفني والمتلقي، بين التاريخ والأسطورة، وبين التجربة الفردية والجمهور العام. وفي هذا السياق، يبدو برنامج مؤسسة تيت في لندن نموذجًا للتوازن بين التجديد المؤسسي والاستمرارية الفنية، رغم التحديات الإدارية والأزمات الداخلية.
إن متابعة هذه المعارض ليست مجرد رحلة لمشاهدة اللوحات والمنحوتات، بل تجربة نقدية تتطلب الانتباه للخطابات الجمالية، وللبعد الرمزي والسرد التاريخي الذي تحمله كل قطعة، ما يجعل عام 2026 عامًا يكرّس وقار الفن وخبرته، ويعيد التأكيد على دوره كمرآة للتاريخ والإنسانية والإبداع المستمر.
فيما يلي أبرز المعارض المرتقبة هذا العام، مقسمة بين لندن وبقية أنحاء المملكة المتحدة، مع ترتيبها الزمني:
هاواي: مملكة تعبر المحيطات
في مدخل المعرض الجديد بالمتحف البريطاني، يقف حارس أشبه بالشبح مزدان بأكاليل الريش وأردية وعباءات وخوذ، مستحضرًا زعماء الأرخبيل الباسيفيكي القدامى والآلهة التي عبدوها، ليهيئ الزوار لعروض تحتفي بالفن والابتكار وتحكي قصة التحول والمأساة معًا.
.jpeg)
من المتحف البريطاني
في عام 1810، حين وحد الزعيم المحارب كاميها ميها الأول جزر هاواي، كتب إلى الملك جورج الثالث يعرض عليه التحالف، مصرحًا: "إذا اعتدت عليّ أي من القوى التي تحاربونها، فسأنتظر حمايتكم". وأرفق رسالته برداء تقليدي فاخر (ʻahuʻula) مصنوع من مئات الآلاف من ريش الطيور الأحمر والأصفر، وهو رداء كان يُلبس فقط من قبل الرؤساء الأعلى مرتبة، مجسّدًا السلطة المقدسة والقوة الإلهية والشرعية السياسية. وبعد قرن طويل من الغياب عن الأنظار، يحتل الرداء مكانة بارزة في هذا المعرض المفعم بالحيوية، الذي يمنح القطع الأثرية صوتًا لثقافة نادرة وغنية، نادراً ما سُمِع عنها من قبل.
تريسي إمين
بعد نحو ثلاثة عقود من تقديمها لعملها التركيبي الشهير سريري عام 1998، تحوّلت تريسي إمين من “الطفلة المشاغبة” في حركة الفنانين الشباب البريطانيين إلى رسّامة تعبيرية ذات مكانة عالمية.
.jpeg)
ويخصص لها تيت معرضًا استعاديًا شاملًا يستعرض أربعة عقود من إنتاجها الفني، من فيديوهات ومنحوتات وأعمال نيون ومنسوجات، إلى التركيبات واللوحات. وبفضل أسلوبها الاعترافي الصريح، تحظى إمين اليوم بتعاطف واسع من الجمهور، وتعد تجربة المعرض تجربة عاطفية جارفة، قاسية ومحرّرة في آنٍ واحد.
روز وايلي
الرسّامة “المتمرّدة” البالغة من العمر 91 عامًا، كما تصفها الأكاديمية الملكية، تصبح ثاني امرأة بريطانية، وأول رسّامة من أي جنسية، تحظى بمعرض فردي داخل القاعات الكبرى في برلينغتون هاوس.
.jpeg)
سكيتش لروز وايلي
جاء ذلك بعد 13 عامًا من الانتقادات التي وجهها الناقد الراحل براين سيويل، واصفًا أعمالها بأنها “لطخة تليق بطفل في الرابعة”. اليوم، تمنح وايلي الكلمة الأخيرة، متناولة لاعبي كرة القدم ونجوم السينما، إلى جانب الحيوانات في لوحات جريئة، حيوية، ماكرة، معدية، ومتجذّرة بعمق في تاريخ الفن.
فرانسيسكو دي زورباران
ابن تاجر الأقمشة، قضى معظم حياته في إشبيلية، رسم لصالح المؤسسات الدينية، وكان من أعمدة الفن الإسباني في القرن السابع عشر إلى جانب دييغو فيلاثكيث وبارتولومي إستيبان موريو.
لوحة "كبش الإله" لزورباران
ويقدم المعرض في جناح ساينزبري بالمعرض الوطني نحو خمسين لوحة، تشمل مذابح، لوحات طبيعة صامتة، وتصويرات قدّيسين بالحجم الطبيعي، مع إعارات دولية مهمة، ليصحّح غيابًا تاريخيًا ويستحضر “غموض فنه ورؤيته وقوته”.
جيمس ماكنيل ويسلر
لم يشهد أوروبا معرضًا كبيرًا لأعمال الفنان الأميركي التجريبي منذ ثلاثين عامًا، ما يجعل المعرض الاستعادي في تيت بريتن حدثًا مغريًا.

عمل "الفن للفن" للفنان جيمس ماكنيل ويسلر
ابن مهندس سكك الحديد، كان ويسلر أحد أعلام الحركة الجمالية التي نادت بمفهوم “الفن من أجل الفن”، وأثار جدلاً واسعًا في بريطانيا الفيكتورية قبل أن يصبح شخصية مشهورة. ركّز على خلق الأجواء والمزاج بدل التمثيل الواقعي التقليدي، وغالبًا ما منح أعماله عناوين موسيقية. سيضم المعرض مجموعة واسعة من لوحاته ورسوماته ومطبوعاته وتصاميمه، إلى جانب بورتريهات ذاتية متأخرة، غامضة وآسرة.

