إيلاف من لندن: تُعدّ الحبوب الكاملة من أكثر الأطعمة التي يوصي بها أطباء وخبراء التغذية، نظراً لغناها بالألياف والفيتامينات والمعادن، ودورها المهم في دعم صحة الجهاز الهضمي والوقاية من أمراض مزمنة. غير أن أبحاثاً علمية حديثة تسلّط الضوء على جانب أقل تداولاً من هذه الأغذية المصنّفة “صحية”، يتمثل في احتمال احتوائها على سموم فطرية قد تشكل خطراً صامتاً على صحة الإنسان.

فبحسب تحذيرات علمية، يمكن للحبوب مثل الأرز البني والشوفان والقمح والذرة أن تتعرض للتلوث بالسموم الفطرية، وهي مواد سامة تنتجها أنواع معينة من الفطريات، وقد تصيب المحاصيل خلال مراحل متعددة، بدءاً من نموها في الحقول، مروراً بمرحلة الحصاد، ووصولاً إلى التخزين والتصنيع، لا سيما في البيئات الرطبة التي تساعد على نمو العفن.

وفي مراجعة علمية واسعة النطاق شملت 258 دراسة، توصّل باحثون من جامعة ولاية كارولينا الشمالية إلى أن غالبية منتجات الحبوب تحتوي على مستويات متفاوتة من هذه السموم، ما يجعل التعرض لها أمراً شائعاً يصعب تجنبه بالكامل. وأوضح الفريق البحثي أن استهلاك كميات كبيرة من السموم الفطرية دفعة واحدة قد يؤدي إلى أعراض حادة مثل آلام المعدة واضطرابات الهضم والسعال الناتج عن استنشاق جراثيم العفن، في حين أن التعرض طويل الأمد لكميات صغيرة قد يرتبط بمشكلات صحية أكثر خطورة، من بينها الربو وبعض أنواع السرطان واضطرابات الذاكرة، وقد تصل في حالات نادرة إلى التشنجات أو الغيبوبة.

ويُعد الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل الفئات الأكثر هشاشة أمام هذه المخاطر، نظراً لحساسية أجهزتهم المناعية وقدرتهم المحدودة على التعامل مع السموم.
من جهتها، تفرض إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) معايير صارمة للحد من مستويات السموم الفطرية في الحبوب، غالباً عند سقف يقارب 20 جزءاً في المليار، مع إخضاع المنتجات لاختبارات دورية قبل طرحها في الأسواق. ورغم ذلك، يشير العلماء إلى أن بعض الحالات قد تشهد تجاوز هذه الحدود، ما يستدعي رقابة مستمرة وحذراً أكبر.

وسجل التاريخ الغذائي عدة حوادث مرتبطة بالتلوث الفطري، من بينها سحب نحو 170 ألف زجاجة من عصير التفاح التابع لشركة “مارتينيلي” في 28 ولاية أميركية، بعد اكتشاف تلوثها بالعفن، من دون تسجيل إصابات بشرية.

وتتعدد أنواع الفطريات التي تصيب الحبوب، أبرزها فطريات الرشاشيات (Aspergillus) والفيوزاريوم (Fusarium) والبنسيليوم (Penicillium). ولمواجهة هذه المخاطر، تعتمد المزارع والمصانع سلسلة من الإجراءات الوقائية، تشمل استخدام أصناف زراعية مقاومة للعفن، ومعالجة البذور بمضادات فطرية، وتجفيف الحبوب جيداً، إضافة إلى تخزينها في مرافق نظيفة ومراقبة. وفي حال اكتشاف تلوث يتجاوز الحدود المسموح بها، يتم فرز الحبوب المصابة أو إخضاعها لمعالجات خاصة لتقليل مستوى السموم.

ورغم هذه التحديات، تبقى الحبوب ركيزة أساسية في النظام الغذائي العالمي للإنسان والحيوان على حد سواء، لما توفره من طاقة وعناصر غذائية لا غنى عنها. ويؤكد الخبراء أن عمليات المعالجة والطهي الجيد تسهم في خفض مستويات السموم الفطرية، كما أن الالتزام بالإرشادات الصحية يقلل بشكل كبير من احتمالات التعرض لمخاطرها.
وفي حال حدوث تسمم فطري، يتركز العلاج أساساً على إزالة مصدر التلوث، إلى جانب دعم وظائف الكبد والأعضاء المسؤولة عن التخلص من السموم، بهدف الحد من الآثار الصحية المحتملة.