السيناتور الجزائري السابق جمال الدين حبيبي لـ quot;إيلافquot;
لهذه الأسباب أرفض التمديد لبوتفليقة
حاوره كامل الشيرازي:
يقول السيناتور الجزائري السابق جمال الدين حبيبي إنّ الأزمة في بلاده باتت عويصة وتنذر بفوضى عارمة، وينتقد الرئيس السابق للمجموعة البرلمانية للثلث الرئاسي بمجلس الأمة، ما يسميه quot;وضعًا سياسيًا متعفنًاquot; في الجزائر، ويعتبر حبيبي أنّ quot;عناصر مدسوسة من طرف المحتل الفرنسي القديمquot; تتحمل مسؤولية ما يحدث هناك.
ويطلق جمال الدين حبيبي في هذا الحديث الخاص بـquot;إيلافquot; النار على من ينعتهم بـ (ايسكوبارات) الجزائر ويتهم بإبتلاع ثروات البلاد، وعلى الرغم من الصداقة التي تجمعه بالرئيس الجزائري الحالي quot;عبد العزيز بوتفليقةquot; إلاّ أنّ جمال الدين حبيبي يرفض أي تمديد لبوتفليقة بعد انتهاء ولايته الثانية ربيع العام القادم.
bull;أين تكمن الأزمة الحقيقية التي تعيشها الجزائر؟
- الأزمة التي تعيشها الجزائر اليوم، متعددة الأشكال، والأسباب، وهي ليست وليدة ظروف آنية، بل تضرب بجذورها، إلى حدود الحقبة الاستعمارية، ففرنسا مستعمر الأمس، نجحت في اختراق الدولة الجزائرية المستقلة، وتمكنت من زرع عناصرها، من جنس فرنسا المحسوب على الشعب الجزائري، في كل مراكز السلطة تقريبًا، فنحن ورثنا نظامًا ومنظومة إدارية وسياسية متشبعة بالفكر الفرنسي وهيمنته، ولم نسع على الإطلاق إلى تثمين مكتسباتنا الثورية، بعد الاستقلال، وإحداث قطيعة مع المرحلة الاستعمارية، قطيعة تؤمن بأن الشعب الجزائري قادر على إيجاد نمط جديد من التسيير لا يخضع للمرجعية الفرنسية، فعدم إحداث مثل هذه القطيعة، رهن إلى حد بعيد سيادتنا الوطنية، وأعادنا بعد مرور حوالى نصف قرن على الاستقلال، إلى شكل جديد من الاستعمار، بات يستغل ثروات الجزائر، باستعمال بيادق جزائرية، فنحن اليوم لا نملك الإمكانيات لضمان أمننا الغذائي، فالجزائر تستورد غالبية حاجياتها الاستهلاكية من فرنسا على وجه الخصوص، وأدويتنا مستوردة بنسبة تفوق 90 في المئة من فرنسا، ومنظومتنا المالية تخضع لأنماط التسيير الفرنسي، ومنظومتنا التربوية جرّت جرًّا للعودة إلى الارتباط بفرنسا، وكل هذا بنظري لا يعكس وجود أزمة في الجزائر، بل كارثة حقيقية، فالجزائر التي تكتنز خزائنها عشرات المليارات من الدولارات، لم تستطع في ظل تغييب سيادتها الوطنية عن إحداث الإقلاع الاقتصادي، ولم تنجح في وضع حد للأزمة الأمنية، التي حصدت أرواح الآلاف وعصفت بمستقبل مئات الآلاف من المواطنين، ولم تهتدِ في ظل سيادة هذه الفوضى العارمة، إلى تأسيس ميكانيزمات واضحة لممارسة سياسية تراهن على مصلحة البلاد بالدرجة الأولى.
bull;ما هو تقييمكم للوضع العام في الجزائر خلال سنة 2008 ؟
-الظاهر أن سنة 2008 ستشكل منعرجًا حاسماً في مسارنا السياسي، والاجتماعي، فلا يخفى على أحد أنه مرت 20 سنة على أحداث أكتوبر 1988، التي شكلت نقطة البداية في تفكيك مؤسسات الدولة، والانفتاح على تعددية سياسية صوربة غيّبت إرادة الشعب، ورهنت مستقبل الأجيال القادمة، فاليوم نكاد نعيش الأجواء نفسهاالتي سبقت الانتفاضة الشعبية في أكتوبر/تشرين الأول 1988، فالعديد من مدننا الجزائرية بدء من تيارت وقديل بولاية وهران، والشلف، وأخيرا بريان بولاية غرداية، شهدت ثورات الجياع والمغلوبين على أمرهم، وانتهت باعتقال مئات الشبان، ومقتل العديد منهم، فالوضع العام في الجزائر خلال هذه السنة، ينذر بانتفاضة وثورة اجتماعية، قد لا تترك الفرصة للمتلاعبين بمستقبل الشعب، للهرب الى أماكن آمنة.
bull;ماذا يمكن أن نستنتج من خلال تواصل الاضطرابات الاجتماعية والفضائح المالية ؟ وما هو تفسيركم للقلاقل التي تنشب بين فترة وأخرى في مناطق متعددة من البلاد كما هي عليه الحال في منطقة بريان؟
-هذا السؤال يعيدني إلى تفصيل ما سبق وأن ذكرته، فالاضطرابات الاجتماعية، وتراكم الفضائح والمفاسد المالية، كلها إفرازات لواقع سياسي متعفن، فساستنا وقادتنا، يبدو وأنهم تناسوا بأنّ هذا الشعب، قادر على تحمل الظلم إلى أقصى درجات التحمل، وقادر كذلك على تحمل الجوع والغبن، لكنه في الوقت نفسه، على قلب موازين القوة في رمشة عين، فالشعب الجزائري، الذي جرى إسكات صوته وصراخه تحت طائلة الاتهام بالإرهاب، والذي آثر ترك الفرصة للسلطات حتى تخرجه من دوامة العنف، كان واعيًا خلال العقدين الماضيين أن الحكمة والمصلحة العامة للجزائر تتطلب إلتزام الهدوء، وتحمل تبعات الغبن والفقر، لكنه اليوم استفاق على هول الكارثة، فهذه السلطات التي تدعي في الداخل والخارج أنها تمكنت من إعادة السلم للجزائر، وترسيخ المصالحة الوطنية، إنما تصالحت مع أطراف صنعت المأساة، وعادت في الوقت نفسه السواد الأعظم من الجزائريين، فالمصالحة التي تتشدق بها السلطة، لم تتم مع الشعب صاحب السيادة، فلا تزال الإدارات ببلادي تضطهد المواطن، وتسلبه حقوقه، ولا تزال الأحزاب تمارس السياسة بعيدًا عن الشعب، وتقتسم الكوطات في الصالات الحمراء، رغم أنف الشعب، وما دام أن حالة الطلاق باتت بائنة بين السلطة وشعبها، فإنني شخصيًا لا أستغرب انفجار الأوضاع الاجتماعية، وارتفاع وتيرة نهب ثروات الشعب، لأنّ هؤلاء القادة يعلمون علم اليقين أنّ لا مكان آمن لهم في الجزائر، لذا فهم يتسابقون على جمع الثروة التي تضمن مستقبل أبنائهم خارج الجزائر، وإذ أقول هذا الكلام فمن موقع العارف بخبايا الأمور بحكم أنني توليت مناصب حساسة في هرم السلطة مكنتني من الاطلاع على الحقائق عن قرب.
bull;هل الخلل برأيكم في أنظمة التسيير أم فيمن يقوم بعملية التسيير؟

-الظاهر أنّ كل سؤال يحيلنا على الآخر، وهذا برأيي راجع لتشابك خيوط الأزمة عندنا في الجزائر، فلا يمكننا اختزال الجواب في خانة بعينها، وسؤالكم هذا يضع الأصبع على الجرح، فأنظمة التسيير سيدي، هي من صنع السلطة قبل كل شيئ، والمنطق يفرض في حال اختلال هذه الأنظمة أن نستبدلها بأنظمة أخرى، لكننا في الجزائر، نرى أن هنالك انسجامًا بين أنظمة التسيير والقائمين عليها، فهي توفر لهم الثغرات اللازمة للإثراء الفاحش بعيدا عن الرقابة والمحاسبة، وهذه الأنظمة تخدم مصالح القائمين عليها، على حساب مصالح الشعب الجزائري، وهنا أتذكر أنني صرحت في بداية التسعينات من القرن الماضي، بأن هنالك ستة آلاف (ايسكوبار) في الجزائر، يستحوذون على ثروات البلاد، واليوم أقول بأنّ هذه المجموعة نجحت في الاستحواذ على سيادة وإرادة الشعب، وبطبيعة الحال فإنّ هذه الجماعة لن ترضى لا بتغيير أنظمة التسيير والقائمين عليها، الا اذا كان هذا التغيير يصب في خدمة مصالحها، ويضمن استمرارية نفوذها.
bull;في ما يخص خطة المصالحة الوطنية وميثاق السلم في الجزائر؟ هل أتيا بأكلها؟

-لا أخفيك سرًا إن قلت لك بأنني كنت من الأوائل الذين اقترحوا على الرئيس اليمين زروال إطلاق سراح قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، وقد نشرت الصحافة المحلية في حينها هذا الخبر، لكن جهات عدة في السلطة كانت ترفض المصالحة بين الجزائريين، لاعتبار واحد وأوحد هو أن حالة اللاأمن كانت تدر عليها الثروات بالقناطير، واليوم وقد زكى الشعب الجزائري مسار السلم والمصالحة، فإن الجهات المستفيدة، والجهات الحاقدة على الجزائر، واصلت تآمرها على الشعب الجزائري، وأفرغت مشروع المصالحة من محتواه الحقيقي، فالمصالحة التي يريدها الشعب هي مصالحة مع الذات، مصالحة بين الدولة والشعب، فما معنى لمصالحة تمنع شرائح كبيرة من الشعب الجزائري من ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية، وما معنى لمصالحة، يلاحقها السياسيون بمعاولهم وخناجرهم لوأدها من جديد، اليوم نرى وترون معنا أن أعمال العنف لا تزال متواصلة في أنحاء عدة من البلاد، وإن خفت حدتها على كل حال، وترون جميعا أن شبابنا الذي التحق بالجماعات المسلحة في وقت سابق، بات اليوم يغامر بحياته عبر قوارب الموت للهروب من البلد، فلا يمر يوم الا وتطالعنا الأخبار بالعثور على جثث عشرات الشباب quot;الحراقةquot;، فشبابنا اليوم فقد الأمل في التغيير، وتيقن أن المصالحة العرجاء كانت مجرد صفقة بين جماعات المصالح، وأنّ حال الغبن لا يزال هو، وإنّ التسلط على رقاب العباد لا يزال متواصلا، وان صوت الشعب لا يزال مبحوحًا.. إنه الفشل بكل ما يحمله من معاني.
برأيي إن تحقيق المصالحة الحقيقية، لن يتم إلا بتخليص الساحة السياسية من الشوائب والقاذورات، فجميعنا يعلم أنه في الوقت الذي يبذل فيه الجيش الوطني الشعبي وأسلاك الأمن مجهودات جبارة لاستعادة السلم الاجتماعي، ووقف أمواج الشباب المهاجر عبر قوارب الموت، في هذا الوقت لا تقدم فيه النخبة السياسية الحاكمة إلا مشاريع الفشل، ولا تنتج إلا أسباب التأزيم وبواعث التوتر، فالجزائريون وكما سبقت الإشارة إلى ذلك لم يصلوا ومنذ الاستقلال إلى حالة الفقر التي وصلوا إليها في وقت فاضت فيه خزائن الدولة بالدولارات، فهل يعقل في ظل استفحال البطالة والفقر والظلم أن ينجح الجيش وأسلاك الأمن في تحقيق الأمن؟ لا أظن شخصيًا ذلك، ومن موقعي كسياسي، أقول أنه حان الوقت لوضع حد للمهزلة السياسية، ومسلسل اللعب بمصير الشعب، فالسلطة السياسية أبانت عجزها، وكشفت أنها هي أصل العلة والمرض، وأنها هي الورم الذي يسبب آلام الشعب، ولا شفاء لنا إلا باستئصال موطن الداء.
حبيبي يرفقة الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلا صورة من الأرشيف
bull;في نظركم.. أين وصل برنامج الإنعاش الاقتصادي؟ وهل حقق النتائج المرجوة؟
-سيدي، عندما أتحدث شخصيا عن برنامج الإنعاش الاقتصادي مع زملائي، أستشهد به كنموذج حيّ لحالة الفوضى التي تسود الجزائر، فمن رخص صرف أموال الإنعاش الاقتصادي من خزينة الدولة؟ هل صادق عليها البرلمان؟ هذا لم يحصل، فقرار صرف سبع مليارات دولار اتخذ خارج دائرة الرقابة الشعبية، ومن ثمة فصب الأموال بهذا الحجم وهذه الطريقة سهّل التسربات، وهذا باعتراف السلطة بحد ذاتها، فأموال الإنعاش الاقتصادي، حولت عن مجراها الرئيسي، ولم تصل سوى نسبة 25 في المئة منها إلى مقاصدها، وهذا بحق خير دليل على أن اقتصادنا الوطني قد دخل إلى غرفة الإنعاش، وأصيب بغيبوبة لن يخرج منها في القريب العاجل.
bull;الجزائر اليوم تمتلك احتياطي صرف كبير، بالإضافة إلى تدني محسوس في مستوى المديونية، لكن هناك تفاقمًا في الفقر وزيادات مهولة في اسعار المواد الأكثر استهلاكًا، ماذا يعني هذا ؟ وكيف يمكن استغلال هذه المعطيات لفائدة الاقتصاد المحلي ؟
-مصيبتنا في الجزائر، أن أولي الأمر، وبداعي الحفاظ على ثروات البلاد، وضمان مستقبل الأجيال القادمة، أباحوا لأنفسهم، حجب مداخيل الجزائر من العملة الصعبة عن رقابة البرلمان، فالميزانية التي يصادق عليها البرلمان بغرفتيه لا تزال ليومنا هذا تستند على سعر 19 دولارا لبرميل النفط، في وقت تجاوزت فيه أسعار النفط 130 دولار، أي بعملية حسابية بسيطة، فان السلطة التشريعية لا تراقب سوى أقل من سدس مداخيل الجزائر البترولية، والشعب الجزائري لا يعيش إلا بهذا السدس، فهذه المعادلة الغريبة وغير المفهومة هي ما أسهم في انهيار القدرة المعيشية للمواطنين، وتعطيل قاطرة التنمية ببلادنا، وإنني هنا لا أطالب السلطات بانفاق كل هذه الأموال، وانما أطالبها بعرضها على الرقابة الشعبية لا غير، فهل هنالك مواطن جزائري يعرف أين أودعت احتياطاتنا من العملة الصعبة؟ بكل تأكيد فإنّ غالبيتهم لا يعرفون ذلك وهذه هي الطامة الكبرى.
bull;يُجمع الخبراء على أن النجاح الاقتصادي يقوم على ضرورة وجود علاقة تكامل بين النظامين السياسي والاقتصادي، ما هو حال هذه العلاقة في الجزائر؟ وهل يمكن إحداث إصلاح اقتصادي في ظل بقاء النظام السياسي نفسه؟
- كما وسبق أن أشرت إلى ذلك، فالنظام السياسي عندنا فاسد، ولم ينتج إلا الفساد، فقد غيّب السلطة التشريعية، ونكل بالسلطة القضائية، ودجّن السلطة الرابعة أي الإعلام، وهذا كله كما يعرف الخبراء لا ينعكس إلا سلبًا على الاقتصاد، فمنظومتنا المالية على سبيل المثال لم يتوقف بها مسلسل الفضائح، وكما تتبع الجميع فكل قضايا الفساد المالي التي تفجرت عندنا كفضيحة الخليفة والبنك التجاري والصناعي والبنك الخارجي وغيرها، تورط فيها العديد من السياسيين والمسؤولين التنفيذيين، وانتهت محاكمات المتورطين فيها بإخراج الرؤوس الكبيرة بسلام كما تخرج الشعرة من العجين، ومن هنا أقول بأنه لا حظ لنا في إصلاح الاقتصاد إلا بإصلاح المنظومة السياسية.
bull;ذكرت إحدى التقارير للبنك الدولي أن نسبة النمو للاقتصاد الجزائري كانت 2.3 بالمئة في حين أعلنت الحكومة أنها وصلت إلى 5.7 بالمئة، على أي أساس تبنى هذه النسب؟ وأين هي الحقيقة في رأيكم؟
-اسمح لي هنا أن استعرض عليكم بعض التفاصيل التي عشتها لما كنت نائبا في المجلس الوطني الانتقالي، وبعدها رئيسا للمجموعة البرلمانية للثلث الرئاسي بمجلس الأمة، فغالبا ما كانت الحكومة، تأتي بمشاريع القوانين لتسلمها إلى اللجنة القانونية إما بمجلس الشعب، أو مجلس الأمة، وصدقني أنّ كل هذه المشاريع تجد طريقها إلى مصادقة نواب الشعب دونما إحداث أي تعديل جوهري، والنواب الذين يحاولون الاعتراض على هذه المشاريع غالبا ما تشن ضدهم حملات مسعورة للمس بسمعتهم وشرفهم، وغالبا ما يتم استبعادهم من الترشح لعهدة أخرى، فالسلطة التنفيذية برهنت على أنها هي القوية، وهي من تملك الحق في تقييم أوضاع البلاد، واذا قالت الحكومة بأن نسبة النمو للاقتصادي بلغت 5.7 بالمئة فيتوجب على الجميع تصديق ذلك، وهنا أقول أنه لو كانت لحكومتنا سلطة على البنك العالمي لقامت فورا بإقالة مسؤوله الأول، فقد عودتنا حكومتنا على ذلك، فالسيد أحمد بن بيتور الذي كان يترأس المجلس الاقتصادي والاجتماعي أرغم على الابتعاد عن رئاسة المجلس لأنه قدم حقائق وأرقاما مخالفة لما قدمته حكومة أحمد أويحيى حول النمو الاقتصادي والبطالة وغيرها، لاعتبار بسيط هو أن المجلس استند في تقريره على مصادر متعددة في حين الحكومة تبني تقريرها على تقارير إداراتها التي تضخم الأرقام لدرء المساءلة والمحاسبة، وبرأيي أن تقرير البنك العالمي أقرب نوعا ما إلى الحقيقة لأنه هو الآخر يستند على مصادر مستقلة.
bull;ماذا يمكن أن يقدم المستثمرون الأجانب للاقتصاد الجزائري، وهل يمكن الاعتماد عليهم لإحداث تطور اقتصادي؟

-بكل صراحة الاقتصاد الجزائري في الوقت الراهن بحاجة الى اصلاح هيكلي شامل، ولا أظن أن الاستثمارات الخارجية كافية في الوقت الراهن لتحقيق التطور الاقتصادي عندنا، فبالعكس من ذلك فإنّ العديد من المستثمرين الأجانب تحولوا في ظل استشراء الفساد والرشوة إلى شركاء في نهب الثروات المحلية، فالخصخصة والشراكة، مكنتا بعض المستثمرين الخواص من الاستيلاء على مرافق حساسة وبأثمان زهيدة للغاية.
شخصيًا أرى أن الجزائر بإمكانياتها المالية والبشرية والطبيعية، قادرة على تحقيق قفزة نوعية، دونما حاجة إلى الاستثمار الأجنبي كلية، لكن شريطة تحقيق الإصلاح السياسي والاقتصادي الشامل، وهنا سيأتي الاستثمار الأجنبي ليعطي دفعة إضافية، فكما ترون فإن غالبية الاستثمارات الأجنبية في الجزائر تقتصر على قطاع المحروقات، لما يمثله القطاع من أهمية في الاقتصاد العالمي، أما ما عدا ذلك فالاستثمار الأجنبي في باقي القطاعات الأخرى لا يزال ضعيفًا ان لم نقل قريبًا من الانعدام جراء عدم ثقة المستثمرين الأجانب في منظومتنا الاقتصادية والقانونية.
bull;بماذا تفسرون عزوف المستثمرين العرب خاصة عن القدوم إلى الجزائر؟
وهل هي سياسة مقصودة من بعض الأطراف؟
- العزوف كما قلنا هو القاعدة العامة، لكن بالنسبة للمستثمرين العرب فهنالك أمور إضافية بخصوصهم، فبعض الجهات في الجزائر لا يروقها على الإطلاق قدوم المستثمرين العرب، لأنها تحلم فقط بتوثيق الروابط مع الغرب وبالأخص مع فرنسا، حتى تبقى الجزائر تحت رحمة الفرنسيين، وهنا أذكر بالفترة التي عانت فيها الجزائر من الحصار الدولي الذي دشنته فرنسا، فقد كنا نجد صعوبة كبيرة في إيجاد أسواق خارجية لشراء مسحوق الحليب وبعض المواد الأساسية، لا لشيء سوى لكون الفرنسيين كانوا يقيمون لنا الحواجز لإضعافنا أكثر، بغرض تسهيل بسط هيمنتهم علينا من جديد، وإنني بذلك أشجع على فتح أبواب الاستثمار مع اخواننا العرب لأن ذلك سيوفر لنا الأمن جميعا.
bull;هل الجزائر تمتلك الوسائل الضرورية لجذب رؤوس الأموال الأجنبية ؟
- لن أطيل عليك في الجواب فنحن نتوفر على امكانيات هائلة مادية وبشرية وطبيعية وفي كل المجالات ويبقى علينا فقط تنظيف بيتنا من الرواسب المفسدة، حتى تتهافت علينا رؤوس الأموال.

bull;تحتوي الجزائر إمكانيات سياحية هائلة لكن الاستفادة منها منعدمة؟ هل من إجراءات سريعة للنهوض بهذا القطاع ؟
-القطاع السياحي عندنا تعرض لضربات موجعة، خاصة مع انطلاق موجة العنف، فالبعض من المسؤولين استغلوا هذا الوضع، واستولوا على العديد من المرافق السياحية، وأسوق لك مثالاً عن ذلك المجمع السياحي موريتي، فقد تم الاستيلاء على مرافقه، من فيلات وغيرها، وتمّ تحويله إلى محمية أمنية للمسؤولين وأبنائهم، فمرفق سياحي بهذا الحجم والأهمية، وبالنظر إلى موقعه في الخريطة السياحية، تعرض للتنكيل والنهب، وغير بعيد عنه تحولت منطقة سيدي فرج السياحية إلى محمية أمنية للمسؤولين المتوسطين وحتى الصحفيين، فقد تم إشراك الجميع في هذه الجريمة، فالسياحة من خلال ذلك كله يظهر أنها لا تمثل أي اهتمام ولا تحظى بالأولوية في قاموسنا التنموي، علمًا أن هذا القطاع وبالنظر لتنوع إمكانياتنا السياحية قادر على تأمين مداخيل مهمة من العملة الصعبة تضاهي مداخيل النفط.
bull;طرحت روسيا مؤخرًا فكرة إنشاء أوبك للغاز، ووافقت عليها إيران ولم تمانع الجزائر في قبول الفكرة، هل تحقيق هذه الفكرة على أرض الواقع ممكن؟
-ليس هذا بالأمر الهين خاصة في الوقت الراهن، الذي يشهد مضاربات غير مسبوقة في سوق النفط العالمية، فالنفط تسبب في خلق جو من التوتر العالمي، وتسبب في غزو عدة بلدان خلق القلاقل في أخرى، ولنا خير مثال عن ذلك ما حصل في العراق ونيجيريا والسودان وحتى الجزائر، فإقامة مثل هذا التكتل للبلدان المنتجة للغاز الطبيعي، سوف لن يمر بسلام، فأميركا وأوروبا أبديتا انزعاجهما من الفكرة، لدرايتهما بالمخاطر التي ستنجر عنها في حال تحقيقها، وتبعات ذلك على اقتصادياتهما، لكن الفكرة قابلة للتحقق ما دام أن روسيا هي التي تقف وراءها، وهي من أكبر البلدان المنتجة للغاز إلى جانب الجزائر، وقطر، وبرأيي أنه في حال إقامة أوبك للغاز، فإن أسعاره ستشهد ارتفاعًا محسوسًا للغاية.
bull;هل يحتمل الوضع الاقتصادي الجزائري حاليًا دخول البنوك الإسلامية إلى الميدان؟ وما هي الايجابيات التي ستضيفها هذه البنوك؟
- كما ترون الوضع الاقتصادي الجزائري لا يحتمل دخول لا بنوك ملحدة ولا بنوك إسلامية، ولن أجامل البنوك الإسلامية، رغم قربي من التيار الإسلامي والوطني، وسأسمح لنفسي بتوجيه نداء لها بإعطاء الأولوية للاستثمار في البلدان الإسلامية الفقيرة، وفي البلدان الإسلامية التي تمتلك قدرات وإمكانيات كبيرة قادرة على ضمان أمننا الغذائي لو توفر لها الدعم المالي، فبصراحة لا أفهم وفي ظل تفشي أزمة غذاء عالمية، كيف أن البنوك الإسلامية لم تبادر إلى تمويل الاستثمارات الزراعية في السودان، هذا البلد العربي والإسلامي الذي بإمكانه تحقيق الاكتفاء الغذائي للعالم العربي برمته، فنحن في الجزائر لسنا بحاجة إلى المال بقدر ما نحن بحاجة إلى إصلاح منظومة صرف وإنفاق أموالنا.
bull; ما هي توقعاتكم بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة؟
-قبل الحديث عن التوقعات، أفضل الحديث عما تحقق في ولايتي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي أحترمه كثيرًا واعتبره صديقًا لي ولوالدي القائد الثوري quot;ميلود حبيبيquot;، وبحكم الصداقة أسمح لنفسي أن أوجه انتقادات أخوية، وأعاتبه على ما حصل في الولايتين، وأقول له ماذا غيرت في واقع الجزائريين طوال الولايتين المنقضيتين؟ وهل تكفيك ولاية ثالثة لإعادة قاطرة الجزائر إلى سكتها الصحيحة؟
لا أخفيكم أنني توسمت الخير كله عندما وصل بوتفليقة إلى قصر المرادية، واستبشرت خيرا عندما صاح وبأعلى صوته ليعاهد الجزائريين بسلّ سيف الحجاج لقطع أعناق المفسدين، وكنت من الأوائل الذين ساندوه في الولاية الأولى على أمل تحقيق هذا الحلم، لكن وللأسف صُدمت لما رأيت سيف الحجاج يطال رقاب المخلصين في هذا البلد، وصدمت لما رأيت أن تشكيلة حكومتنا عادت الغلبة فيها للجهلة والانتهازيين، ومع توالي الصدمات فضلت من موقعي كرئيس للمجموعة البرلمانية للثلث الرئاسي بمجلس الأمة الجزائري، أن انسحب بشرف على أن أشارك في المهزلة السياسية الحاصلة.
فهل ستكفي ولاية ثالثة لتدارك نقائص العهدتين السابقتين؟ لن أجيب عن هذا التساؤل، وأفضل ترك الإجابة عنه لعموم الجزائريين، ولأخي في النضال السي عبد القادر (الإسم الثوري للرئيس بوتفليقة، أما عن توقعاتي بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة، فسأسمح لنفسي مرة أخرى بإعادة ردّ السؤال، هل تتوقعون بالفعل في ظل كل هذه المعطيات والحقائق أن نصل إلى هذا الموعد الانتخابي بسلام؟